روايات شيكاجو وعمارة يعقوبيان وجمهورية كأن لعلاء الأسواني .. هل حلمت الرواية العربية بالعالمية؟

0

هل تحلم الروايات العربية بالعالمية؟ د. محمد أبو السعود الخياري – ناقد وأكاديمي مصري:

   لعل النجاح الكبير لرواية عمارة يعقوبيان (2002 م ) على المستويين النقدي والشعبي قد فتح الباب واسعا لروايات أخرى لتحقق النجاح ، بمعنى أنها ساهمت في انتشار الفن الروائي العربي بشكل عام ، ومن جانب آخر كان نجاح أية رواية تالية لعلاء الأسواني متوقعا ومنتظرا ومنطقيا .

    اثنا عشر عاما مرت بين إصدار علاء الأسواني روايته الأولى ( أوراق عصام عبد العاطي ) وبين الدوي بعيد المدى الذي أحدثته روايته المعروفة ( عمارة يعقوبيان ) 2002 ، وما لاقته من انتشار غير مسبوق لعدد مرات النشر في الرواية العربية ، فضلا عن احتفال الناشرين لها في الطبعة الإنجليزية بالوصول إلى النسخة المليون في العام 2012  .

   قدم علاء الأسواني خلال ثلاثين  عاما خمس روايات وثلاث مجموعات قصصية ؛ أصدر روايته الأولى عام 1990 ومرت اثنتا عشرة سنة قبل ظهور (عمارة يعقوبيان )، لتمر خمس سنوات أخرى حتى ظهرت رواية ( شيكاجو ) عام 2007 ، واحتاج الأسواني ست سنوات قبل أن يصدر روايته التالية (نادي السيارات ) أبريل 2013 . و قدم في القصة القصيرة ( الذي اقترب ورأى ) 1990 و ( جمعية منتظري الزعيم ) 1998 و( نيران صديقة ) 2004 . بيد أن روايته الخامسة ( جمهورية كأن ) قد صدرت في العام 2018 وهي تمثل نقلة كبيرة على مستوى التجربة والموقف الاجتماعي للكاتب ؛ حيث لم تنشر داخل مصر ؛ وعلى الرغم من إشادات خجولة لكثير من كبار الأدباء بجمهورية كأن باعتبارها درة إبداع الأسواني ( منهم أحمد خالد توفيق وسعيد سالم وغيرهما ) إلا أن الرواية عانت معاناة صاحبها الذي يعيش خارج مصر منذ سنوات لأسباب سياسية ؛ وبارتعاش بالغ يقترب النقاد وغيرهم من أدب ….. وكادت جمهورية كأن تصبح خبرا لكان !

  نجحت روايات الأسواني بدءا من روايته الثانية ، ونال العديد من الجوائز التي كانت أجنبية في أغلبها ، فقد حصل في عام 2005 على جائزتي باشرحيل للرواية العربية و كفافي للنبوغ الأدبي من الحكومة اليونانية . وعلى  الجائزة الكبرى للرواية من مهرجان تولون بفرنسا عام  2006 ،وفي عام 2007 نال جائزة  الثقافة من مؤسسة البحر المتوسط في نابولي ، ثم جائزة جرينزاني كافور للرواية ( أكبر جائزة إيطالية للأدب المترجم ).

وبعد عام حصل من النمسا على جائزة برونو كرايسكي ، ثم جائزة “فريدريش روكيرت” من ألمانيا ( أول أديب يحصل عليها ، حيث نظمت للمرة الأولى ).

وفي العام 2010 منح جائزة الإنجاز من جامعة إلينوي في شيكاجو التي درس فيها الماجستير .

هل نجحت شيكاجو قبل صدورها ؟

ولعل النجاح الكبير لرواية عمارة يعقوبيان على المستويين النقدي والشعبي قد فتح الباب واسعا لروايات أخرى لتحقق النجاح ، بمعنى أنها ساهمت في انتشار الفن الروائي العربي بشكل عام ، ومن جانب آخر كان نجاح أية رواية تالية لعلاء الأسواني متوقعا ومنتظرا  ومنطقيا ؛ لأسباب ثلاثة :

الثقة والشهرة التي حققتها عمارة يعقوبيان- و التي اكتسبت جمهورا إضافيا عبر وسائل نشر أخرى غير الكتاب مثل السينما والتليفزيون –  بالإضافة إلى أصالة الصنعة الروائية لعلاء الأسواني  ، وأخيرا  الموقف الاجتماعي للكاتب الذي سطع قبل ثلاث سنوات عضوا بارزا في الحركة المصرية من أجل التغيير ؛ وهو الموقف الذي توّجهُ بخروجه في ميدان التحرير ضمن جموع الثائرين المصريين في ثورة يناير 2011 …… موقف يتسق مع الواقعية النقدية التي فاضت بها ( عمارة يعقوبيان ) ، كما يتعاطى مع الأحلام التي حملها ناجي عبد الصمد بطل ( شيكاجو ) الذي كتب خطاب مطالبة الرئيس المصري السابق بالتنحي ، وإن لم تشأ الرواية أن يُتلى الخطاب على الرئيس على أرض شيكاجو ، فشاء الواقع أن يتلوه الشعب ويستجيب الرئيس على أرض مصر .

بعد أن تصدرت ( عمارة يعقوبيان ) قائمة الروايات الأكثر توزيعا ، تركت موقعها لرواية ( شيكاجو ) التي صدرت في عام 2007 لتطبع في عامها الأول فقط إحدى عشرة طبعة ، وهو نجاح وجدت فيه شيكاجو الطريق ممهدة نحو القراء والنقاد معا .

أضواء على الحكاية

   تتخذ الرواية من قسم ( الهيستولوجي ) في كلية الطب جامعة إلينوي بشيكاجو فضاء سرديا لها ؛ ومن مدينة شيكاجو فضاء للأحداث العامة . ومن قسم الهيستولوجي أطلق السرد الشخصيات الرئيسة العشرة ؛ ستة أساتذة وأربعة باحثين :

   أربعة من الأساتذة أمريكان هم ( بيل فريدمان ) رئيس القسم و(جون جراهام) و(جورج مايكل) و( دنيس بيكر) أكبرهم سنا وأكثرهم إنجازا ، واثنان أمريكيان من أصل مصري هما : رأفت ثابت ومحمد صلاح … الأول بدا متبرئا من مصريته معتزا بجواز سفره الأمريكي ، والآخر ظل يحمل مصر في قلبه وشوق إليها يعصره مكرسا عجزه عن التواصل مع مصر أو الانصراف عنها .

    ثم أظهر تقديم شخصيات الباحثين الأربعة المصريين كثيرا من الاتجاه السياسي والواقع الاجتماعي الذي رسم وجه مصر خلال السنوات الأخيرة ، وذلك عبر استعراض ظروف الشخصيات التي تنوعت بين المعارضة المعلنة للنظام ( ناجي عبد الصمد ) أو الموالاة له لدرجة العمالة ( أحمد دنانة ) أو السلبية وتجنب السياسة ( طارق حسيب وشيماء محمدي ) و إن بدا من خلالهما واقع القيم الخلقية والاجتماعية شديد الاهتزاز في مصر ؛ما جعل شيماء تنهي الرواية بالحمل سفاحا ، وقد بدأت الظهور في أولها متدينة لدرجة التزمت ، محافظة لدرجة التطرف..

( جاءت شيماء من طنطا إلى شيكاجو هكذا ..مرة واحدة ، دون استعداد أو تمهيد ، كمن قفز في البحر بملابسه الكاملة وهو لا يعرف السباحة .. وكل من رآها تجوب أروقة كلية الطب في جامعة إلينوي ..” بثوبها الشرعي الفضفاض والخمار الذي يغطي صدرها ، وحذائها الواطئ وخطوتها الواسعة المستقيمة ، ووجهها الريفي الخالي من المساحيق الذي يتضرج بالحمرة لأهون سبب ، ولغتها الإنجليزية الثقيلة المتعثرة التي كثيرا ما تجعل التفاهم بالإشارة أسهل من الكلام ” .. لابد أنه تساءل : ما الذي أتى بهذه الفتاة الريفية إلى أمريكا ؟ )الرواية ص 13

في اتجاه الصدام أو الحوار الحضاري تأرجحت أحداث الرواية ، إلا أنها ناقشت في خيط يكاد ينتظم كل شخوصها فكرة الانتماء والعلاقة بالوطن من ناحية ، وبالفكرة والايدولوجيا من ناحية أخرى ، وهو الأمر الذي يصبح معه ناجي عبد الصمد محورا رئيسا في الرواية ، عندما عبر عن خط الحرية والتعبير عن فكرة الحرية للوطن وهو من حرمه النظام من التعيين بالجامعة لنشاطه السياسي ، في حين حافظت شيماء محمدي على الشكل النمطي لطائفة تدير ظهرها للسياسة ، وتبدو هشاشة القيم التي رضعتها في إطار ثقافتها المحلية المحدودة ما جعلها تسير في اتجاه التخلي المنتظم عن طائفة من هذه القيم بمشاركة طارق حسيب .

كما أن السرد قد دفع بشخصيات جديدة لتعزف كل منها مقطوعة فكرية تتضافر مع خيوط أزمة الانتماء والهجرة وعلاقة الحضارات السابقة ؛ فظهر( كرم دوس ) الجراح القبطي الذي هجر مصر يدفعه التمييز الطائفي في وطنه ليلوح بقضية أقباط المهجر ، كما ظهر (صفوت شاكر) ليؤكد السرد به القبضة المحكمة لرجال أمن الدولة على المواطنين داخل الوطن وخارجه .

و كان ظهور الرئيس المصري السابق قرب نهاية الرواية ليدفع السرد بكل شخوصه في مواجهة لحظة فارقة في علاقة كل منهم بالوطن من خلال موقفهم تجاه رئيس الدولة الذي ينبغي عليه الرحيل وفق ( ناجي عبد الصمد ومحمد صلاح وكرم دوس ) ، والذي لا يوجد له بديل وفق ( أحمد دنانة وصفوت شاكر ) وفريق لم يجد فارقا يستحق الاهتمام بين  أن يستمر أو أن يرحل مثله ( شيماء محمدي وطارق حسيب ) .

شيكاجو وتنوع الرواة

   تقع رواية ( شيكاجو ) في 453 صفحة ، و قسمت إلى أربعين فصلا ؛ تبادل فيها راويان تناول الأحداث ، وتوجيه دفة السرد .

   النوع الأول للراوي هو الراوي العليم : وهو الذي ينتج السرد مستخدما ضمير الغائب ، يمهد للأحداث، ويصف المكان ويحدد الزمان ، يقدم الشخصية في ظاهرها وباطنها ، لا يكتفي بالحدث ووصفه ، بل يحلله وينفذ بالسرد إلى جوانيات الشخصية ؛ فيحلل الباطن بعدما أحاط بالظاهر .

    وعلى الرغم من هذه السيطرة للراوي العليم على السرد ومجرياته ، إلا أنه لا يشارك في أحداث السرد ، ويقف خارج الكون السردي ، ولهذا يطلق عليه أيضا ( الراوي الخارجي ) .

   النوع الآخر من الراوي هو الراوي المشارك : وهو جزء من السرد ، يشارك في الأحداث وينتج بعضها ، يقدم السرد مستخدما ضمير المتكلم ؛ يعبر عن مشاعره بنفسه ، ويستخدم المونولوج في الإفصاح عما بداخله .

   ويبدو الفارق بينهما في أن الراوي العليم رغم هيمنته على السرد ، وجمعه للحوادث المتزامنة ، لا ينتمي للحكاية ، بيد أن الراوي المشارك أو الراوي الشخصية يقع داخل حدود السرد … يشارك في الأحداث ويتولى فعل السرد .

    النوعان معا شاركا في سرد ( شيكاجو ) ؛  فقد ظهر الراوي العليم في الفصول الأربعين ، ومعه ظهر الراوي المشارك في عشرة فصول ؛ هي على التوالي : الرابع والسادس والتاسع والثاني عشر والسادس عشر والثامن عشر والثاني والعشرين والتاسع والعشرين والثالث والثلاثين وأخيرا السابع والثلاثين .

الراوي العليم تولى أغلب الفصول

تولى الراوي العليم دوره في ثلاثة أرباع الرواية ، وعبر عن الشخصيات جميعا ، في حين عبر الراوي الشخصية في ظهوره عبر فصول عشرة مشاركا للراوي العليم ليقدم شخصية ( ناجي عبد الصمد ) الأكاديمي الليبرالي الذي رحل إلى شيكاجو لمواصلة دراسة الطب بعد اضطهاد النظام له في مصر ، وقد حرص الكاتب على خلق بعض التلبس بالواقعية لهذه الشخصية ؛ عندما عمد إلى اختصاص مقاطعها السردية بطريقة مخالفة لغيرها من المقاطع من حيث شكل ولون كتابة الحروف ، وأشار إلى هذا خارج إطار الرواية بقوله تحت عنوان ( إشارة ) :

( الصفحات والفقرات المطبوعة بالحرف الأسود المائل هي ، طبق الأصل ، مذكرات ناجي عبد الصمد التي كتبها أثناء الرحلة ) . وهو ما يفتح الباب للقول بأن شخصية ناجي عبد الصمد إنما تمثل شخصية الكاتب ( علاء الأسواني ) الذي تعلم بالفعل في جامعة إلينوي بشيكاجو، وتتلاقى أفكاره تقريبا مع أفكار ناجي عبد الصمد .

ونعود للراوي العليم الذي أتاح الفرصة لتقديم الشخصيات من الخارج والداخل :

( في خضم هذا المشهد الأمريكي الخالص يبدو الدكتور أحمد دنانة خارجا عن السياق تماما ، كأنه خرج لتوه من القمقم السحري أو آلة الزمن أو كأنه ممثل مسرحي عن له أن يتجول في الشارع بملابس التمثيل … ملامحه مصرية ريفية ، وزبيبة الصلاة المثلثة تتوسط جبهته ، شعره مجعد يغزوه المشيب ، رأسه ضخم ونظارته سميكة مستديرة من طراز ” كعب كوبايه ” ، زجاجها يميل إلى الزرقة قليلا يعكس نظرات عينيه الماكرتين في دوائر متداخلة كثيرا ما تربك محدثيه … المسبحة لا تفارق يده ، وبدلته الكاملة صيفا وشتاء صنع المحلة … يمشي دنانة في شوارع شيكاجو بنفس الطريقة التي كان يتريض بها ساعة العصا ري على السكة الزراعية في قرية الشهدا بمحافظة المنوفية ، موطنه الأصلي … يتحرك بتؤدة مهما يكن على عجل ، يتلفت حوله بنظرة تتراوح بين الاستعلاء والاسترابة …. ) . الرواية ص 65،66

ومع ممارسة الراوي دوره في النيابة عن الشخصيات بضمير الغائب ، إلا أنه سمح للشخصيات التي يقدمها بأن تطل برأسها وسط سرده فيما يسميه النقاد ( الأسلوب غير المباشر الحر) : (لقد جعله الدكتور فريدمان ينظر في المرآة ويرى الحقيقة … إنه يهوي إلى الحضيض … مستقبله العلمي مهدد.. اليوم وجهوا له إنذارا قانونيا، وغدا يفصلونه مثل دنانة.. الفرق أن دنانة تقف وراءه الحكومة المصرية، أما هو فلو فصلوه سيضيع إلى الأبد، يا الله! ماذا حدث؟ كيف أصبح طارق حسيب النابغة، أسطورة التفوق، يخشى الرسوب ويتوقع الفصل؟) الرواية، صـ 398

هل الراوي الشخصية معادل موضوعي؟

    بدا الراوي الشخصية في مقاطع ناجي عبد الصمد ، يعبر عن نفسه ونرى الآخرين من زاويته ونتعرف على بعض الأحداث عبر منظوره .

سمح السرد لشخصية الليبرالي الوطني ( ناجي عبد الصمد) بالظهور في ربع فصول الرواية الأربعين ، وهو ظهور يمكن القول معه بأنه جاء معادلا موضوعيا لشخصية الكاتب (علاء الأسواني)؛ يزكي هذه الفرضية التشابه بين الموقف الوطني للشخصية وبين الموقف الاجتماعي الوطني للكاتب باعتباره أحد الوجوه البارزة في ثورة 25 يناير   ، واختصاص الشخصية بالراوي بضمير المتكلم دون بقية الشخصيات الني ناب عنها الراوي العليم ، بالإضافة إلى دلالة جامعة إلينوي بشيكاجو واختيارها فضاء سرديا … وهي ذات الجامعة التي حصل منها علاء الأسواني  على درجة الماجستير بطب الأسنان 1985 … وظهر فيها ناجي عبد الصمد باحثا في الهيستولوجي .

نطالع هذا المقطع السردي الذي يؤطر الاتجاه الفكري لناجي عبد الصمد ، ورؤيته الفكرية …..

( المصريون جميعا مضطهدون ….. النظام في مصر مستبد وفاسد … وهو يضطهد المصريين جميعا ، مسلمين وأقباطا ، بالطبع تحدث حوادث تعصب فردية هنا وهناك ، لكنها لا تشكل ظاهرة في رأيي ، إن التعصب الديني نتيجة مباشرة للكبت السياسي .. المصريون جميعا يعانون من التمييز ضدهم ما داموا ليسوا أعضاء في الحزب الحاكم … أنا مثلا مسلم ، لكنهم رفضوا تعييني في جامعة القاهرة بسبب نشاطي السياسي . ) الرواية ص 164

عولمة المروي عليه

بدا المروي عليه حاضرا بشكل كبير ، استحضره الراوي وأمعن في الاهتمام به. غير أن المروي عليه ظهر متنوعا إلى حد كبير إلى الدرجة التي تدعونا إلى نعته بالمروي عليه العالمي ؛ ويتضح ذلك عبر النماذج التالية :

المروي عليه (يجهل شيكاجو تاريخا وجغرافيا ) ويبدو في هذا المقطع (ظل الهنود الحمر لعشرات السنين يعيشون في شيكاجو ، على ضفاف بحيرة ميتشجن ، يزرعون البصل ويرعون الماشية ويمارسون حياتهم بسلام حتى عام 1673 ، عندما وصل إلى المنطقة رحالة وصانع خرائط يدعى لويس جولييه ……. ) – الرواية ص 7 .   هذه التفاصيل والمعلومات يبثها الراوي نحو مرويا عليه في حاجة إليها ، في الغالب يقع خارج نطاق شيكاجو على مستوى الثقافة والمعيشة .

المروي عليه ( مصري يعيش داخل مصر ) وهذا واضح في مثل المقطع التالي : ( بدا على وجه اللواء حرج سرعان ما انقلب إلى استياء ، ودخل مع طارق في جدل عنيف حول الفرق بين المدارس التجريبية ومدارس اللغات … وحاولت والدة طارق أن تتدخل بكلمة مهدئة ، وأشارت لابنها أكثر من مرة بإيماءات خفية من حاجبيها وشفتيها أن يسكت ، لكن شراسته كانت قد انطلقت من عقالها ولم يعد بمقدوره أن يوقفها ، فأخذ يفند والد العروس بقسوة ……….. مرت لحظات من الصمت بذل خلالها اللواء مجهودا كبيرا ( كاد أن يسمع في صورة شهيق ) من أجل السيطرة على غضبه … وأخيرا… توجه إلى والدة طارق الجالسة إلى يساره وقال بلهجة ذات مغزى وهو يتململ في جلسته إيذانا بنهاية الزيارة والخطوبة معا :- حصلت البركة يا ست هانم … شرفتم .. ) – الرواية ص 37،38 .

المروي عليه ( ذو ثقافة غربية غير مسلمة)  وهذا واضح في المقاطع السردية التي تناولت علاقة ( سارة ) ابنة الدكتور ( رأفت ثابت ) بصديقها ( جيف) وما اقتضته هذه  العلاقة من سلوكيات قيمية تنتمي بشكل صرف إلى المجتمع الغربي .

ونموذج آخر ظهر في إفراد السرد مساحات كبيرة لتناول أزمة زوجة الدكتور ( محمد صلاح ) الأمريكية بعد قراره  الانفصال عنها على خلفية فشل استمرار العلاقة الخاصة بينهما ما دعاها إلى اللجوء للاستعانة بجهاز ( الفيبريتور ) ، وهو ما جعل السرد يحيط بشرح أهمية الجهاز في تحقيق الإشباع للمرأة دون الحاجة إلى رجل ، وهكذا مما يبعد كل البعد عن تصور الراوي لمروي عليه ذي ثقافة عربية مسلمة …. ( – اكتشاف النقطة جي ومساواة المرأة بالرجل وتحررها إلى الأبد من سيطرته …كل ذلك أدى إلى التفكير في طريقة تمكن المرأة من الاستمتاع بجسدها بنفسها . لقد تحولت المرأة من مجرد أداة للذة الرجل وتابعة جسدية له إلى إنسان مساو له في الحقوق ومن أهمها حق الإشباع الجنسي ….) الرواية ص 330

المروي عليه ( عشاق الحرية في كل ثقافة في العالم ) وهو ما تجلى في اختصاص (ناجي عبد الصمد) المناضل المصري بأن يكون راويا مشاركا يبث سرده بنفسه ،  ويعبر عن قضية معاناة المصريين من طغيان النظام السابق بطريقة ذاتية مؤثرة .

يضاف إلى هذا أن السرد قد جمع أطرافا ثلاثة اختلفت في الثقافة والعقيدة والنشأة، ولكن اتفقت على قضية الحرية ؛ فقام الثلاثة: (ناجي عبد الصمد ) المصري المسلم و(كرم دوس) المصري المسيحي المهاجر لأمريكا و(وجون جرهام) البروفيسور الأمريكي والثوري القديم.. اتفقوا على حق مصر في الحرية، وقاموا ثلاثتهم بصياغة بيان لإلقائه على الرئيس المصري السابق يدعونه للتنحي.

(”نحن الموقعون أدناه المصريون المقيمون في مدينة شيكاجو بالولايات المتحدة ، نشعر بقلق بالغ من أجل ما آلت إله الأوضاع في مصر من فقر وبطالة وفساد وديون داخلية وخارجية ، نحن نؤمن بأن بلادنا تستحق نظاما سياسيا ديمقراطيا . نؤمن بحق المصريين جميعا في العدل والحرية … وننتهز زيارة الرئيس إلى الولايات المتحدة لنطالبه بما يلي :

أولا : إلغاء قانون الطوارئ .         ثانيا : تطبيق إصلاح ديمقراطي وكفالة الحريات العامة .

ثالثا : انتخاب جمعية وطنية لصياغة دستور جديد يكفل ديمقراطية حقيقية للمصريين .

رابعا : تخلي الرئيس عن منصبه الذي شغله لفترة طويلة ، وعدم توريث الرئاسة لابنه ، وإتاحة الفرصة لمنافسة حقيقية على الرئاسة تخضع لانتخابات تحت إشراف دولي .” ) الرواية ص 320

عيون الراوي في كل اتجاه

ولعل ما يفسر هذا الاختلاف في نوعية المروي عليه وثقافته – اختلاف يصل لدرجة العولمة ؛ ما يفسر هذا هو ما حققته رواية علاء الأسواني السابقة ( عمارة يعقوبيان ) وانتشارها بنجاح واسع في غير الطبعة العربية ، ما أغرى الأسواني بعد ذلك إلى وضع نوعيات جديدة من المروي عليه في الاعتبار ، على نحو يمكن أن توصف فيه رواية شيكاجو بالعالمية ، بمعنى أنها تصلح لكل ثقافة وكل مروٍ عليه .

وإذا وضعنا ثقافة الكاتب في الاعتبار والتي تشير إلى إجادته الإنجليزية والفرنسية والإسبانية ، وتجربته بالدراسة في جامعة إلينوي ، مع حصاده لجوائز متنوعة من دول العالم المختلفة …. قبل صدور شيكاجو ؛ كل هذا جعل المروي عليه غير محدد الوطن ، وغير واضح الثقافة .

وقد لا نكون مبالغين حين نفسر انتشار ذلك الفيروس الجنسي الذي شاء السرد أن يصيب كل شخصيات الرواية تقريبا ، بكل مشاربهم الثقافية وخلفياتهم الدينية ( من ” شيماء محمدي ” الفلاحة المصرية المتفوقة المتدينة إلى ” ويندي ” الفتاة اليهودية المقيمة بشيكاجو، مرورا ب ” سارة ” ابنة الدكتور رأفت ثابت المصري الأمريكي المتبرئ من مصريته ) الجنس يعصف بالجميع ، قد نفسر هذا بأنه تأشيرة دخول حاول السرد بها تجاوز الثقافة العربية الشرقية  ؛ أملا في التواصل مع أنواع أكثر من المروي عليه في مختلف أنحاء العالم .

ومع توقع علاء الأسواني نجاحا لرواية شيكاجو تنال فيه ما نالته روايته السابقة من توزيع وترجمة ، فقد أراد أن يجد الناس من مريدي أدبه في اللغات الأخرى سردا يخاطبهم ويتفاعل معهم ، وهو ما أدى إلى وجود هذا الصخب والزحام من فئات المروي عليه وقفوا متنافرين تحت شباك الراوي يتابعون في نهم ما يبثه من سرد شائق .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.