السوق في سينما داود عبدالسيد عالم سحري ومتشابك

0 159

ضمن قصة فيلم الكيت كات يظل مشهد قيادة الشيخ حسني للدراجة البخارية (الموتوسيكل) من أشهر المشاهد في السينما المصرية، والذي حاول من خلاله المخرج والسينارست داود عبد السيد أن يحقق من خلال المكان (السوق) معادلاً موضوعياً في لحالة الاضطراب التي تجتاح ذات الشيخ حسني في هذه المرحلة من حياته، حيث احتل المشهد دقيقتين كاملتين من آخر نصف ساعة في الفيلم. قصة فيلم

حيث يجعل المخرج الحاصل على عدة جوائز عربية ودولية، من السوق فضاءا رئيسياً لتحدي الشخصية الرئيسية في الفيلم هنا حالة العمى مرة أخيرةضمن قصة فيلم الكيت كات، من خلال انطلاق الشيخ حسني بـ(الفسبة) التي يمتكلها سليمان الجواهرجي، ما يحدث اضطرابا كبيرا  من سكان الحي الفقير إلى بائعي الخضراوات إلى الفرارجي، في مشهد استغرق على الشاشة دقيقة ونصف الدقيقة تقريبا، تنوعت لقطاته بين لقطات (زوم إن) على وجه الشيخ حسني، وبين لقطات كبيرة (زوم أوت) لحالة الهرج التي أحدثها في السوق، ما يعبر عن تداعيات مواجهة هذه الذات الساخرة للعالم، وتماهي هذا الهرج بين ما هو داخل الشخصية وما هو خارجها.

تمثل نهاية المشهد نهاية لمغامرة الشيخ حسني الذي باصطدامه بمحل الفرارجي الذي اشترى البيت مؤخراً، والذي يمتلك بعض الحلول لأزمات الشيخ حسني وولده في الحياة، فجاء المشهد معبراً عن هذه الذات التي لم يمنعها العمى بالطبع من تكوين رؤيتها الخاصة، وتحاول رغم الهزائم أن تتحقق وأن تشغل العالم برؤيتها.. ضمن قصة فيلم ـه .

السوق في فيلم أرض الأحلام

السوق معادلًا للفوضى في حياة نرجس

وقد بلغ احتفاء داود عبد السيد بهذا المشهد حد التناص الذاتي معه في فيلمه (أرض الأحلام)، حيث يستدعيه في الدقيقة الـ40 من أحداث الفيلم، ويصنع منه معادلاً موازياً لحركة الفوضى التي أصابت حياة البطلة “فاتن حمامة” التي تفقد الباسبور الخاص بها وتذكرة السفر لأمريكا، تلبية لرغبة أولادها. 

تتحرك “نرجس” (فاتن حمامة) في رحلة البحث عما فقدت، بعد أن أضناها البحث في شقتها بعد أن أفرغت محتويات معظم الحقائب وأحدثت بالشقة فوضى كبيرة، فتذهب إلى أمها في دار المسنين التي تقيم بها، لتجدها قد ذهبت إلى السينما بصحبة صديق من نفس الدار، (وتمثل أمها هنا النقيض لحياة نرجس الاستاتيكية المملة)، وكأن المشهد يحمل في أحد تجلياته احتياج نرجس في حياتها إلى قليل من هذه الفوضى.  

ليس هذا المشهد هو الوحيد الذي يبين احتلال السوق في مشروع داود عبدالسيد السينمائي موضعاً هاماً ومحورياً في لغته السينمائية بوصفه فضاءً إنسانياً يحوي كثيراً من العناصر البصرية الهامة، الثابتة والمتحركة، والدلالات الناطقة من شخوص ولقطات وأصوات، حيث يحقق من خلاله ثنائيات التوتر والاستقرار، والهدوء السطحي والتوتر الداخلي، والاعتياد وكسره، وغير ذلك تسليط الضوء على ما هو أبعد من هذه الثنائيات، بما يحقق نقلات محورية في مسار أحداث أفلامه السينمائية.

يظهر السوق لأول مرة في شريط الفيلم في الدقيقة الـ19، والذي يقود فيه الشيخ حسني وهو يدعي البصر الشيخ عبيد، ويظهر السوق كجزء من الحياة اليومية بكل تناقضاتها، متماهيا مع التنويع بين الصدق والكذب في حديث الشيخ حسني إلى الشيخ عبيد، وكذلك في الدقيقة (52) حين يحاول أن يحقق توازناً نفسياً من خلال التمسك بالدكان الصغير، وهو آخر ما يمكنه المراوغة بامتلاكه من البيت الذي كان قد باعه بالفعل لتاجر حشيش (الهرم)، وباعه الهرم بدوره لمشترٍ آخر (الفرارجي).

“حاضر عن المتهم” فيلم قصير لأحمد أمين بطل “ما وراء الطبيعة”.. شاهد الآن

السوق في فيلم رسائل البحر هو صديق البطل

قصة فيلم رسال البحر.. السوق صديق آسر ياسين

ويلفت نظرنا في أي قصة فيلم لداود عبد السيد هو حضور هذا المكان (السوق) في جميع أفلامه تقريباً -باستثناء فيلم أرض الخوف- وتحميله العديد من المعاني والدلالات، والاعتماد عليه كدال بصري رئيسي في خطابه السينمائي، يوصل من خلاله المخرج المصري رسائل هامة في طيات أعماله، والتي تمثل عادة علامات من حيث عدم تنازلها عن مواصفات فنية تعتمد الإشارية التي تجذب جمهورا نوعيا، غير مستغنٍ في بعض مستويات طرحه عن المباشرة التي تحقق تواصلا مع الجمهور العادي.

وعلاقة بطل فيلمه رسائل البحر (يحيى) بالسوق، هي في الحقيقة ظل لعلاقته بالبحر (باعتباره الكائن صاحب العلاقة الأوثق بالبطل) طوال الفيلم، فكان من الطبيعي أن يأتي ثالث المشاهد القصيرة للبطل في السوق، بعد استقراره في الشقة (وهي مكان محوري في الخطاب الثقافي للفيلم المعني في أحد وجوهه أيضا برصد تغير التركيبة السكانية السكندرية من حالة الكوزموبوليتان إلى التركيبة التي تعتمد الاستقطاب والتحدث باسم الله لتحقيق أغراض مختلفة).

أي أن السوق في فيلم رسائل البحر ضلع من مثلث أمكنة حملت رسالة الفيلم، حيث سيكون السوق صاحب الحضور الأقوى في توفير احتياجات البطل المادية، من خلال بيع السمك الذي يقوم بيده، فحالات الرضا والغضب والعطاء والمنع وغيرها من الحالات التي تحققت بينه وبين البحر، كانت تحدث صدى في علاقته بالسوق.

لذا؛ فإن عملية السرقة التي تعرض في السوق في ثاني مشاهد حضور السوق في الفيلم كان من الطبيعي أن تتزامن مع اختفاء قابيل بعد علمهم بإصابته بمرض في المخ، مع رفضه إجراء العملية الضرورية، ومع انسحاب حالة الونس والأمان التي بدأ يحيى يستشعرها في الإسكندرية مع استقرار أحواله بها، والشعور المباغت بأن الدنيا التي فتحت ذراعيها له ظاهرياً تدير وجهها عنه لتريه وجهاً آخر، خالياً من الونس والمال والطعام والرفقة.

فالمكان هنا يشكل أحد أهم عنصراً جوهرياً في الفيلم، ونقصد به هنا الإطار الذي يحمل مهمة عرض الأحداث، وعن طريقه يتم ترتيب الشخصيات بحسب أهميتها والمشاهد وفق الوظيفة التي يريد منحها المخرج لها، وعن طريقه يمكن معرفة حدود الصراع الدرامي المتولد في الفيلم.

ولأن جزءاً من الصراع الدرامي في الفيلم كان بين يحي ونفسه، فنراه -كأي نبي أشرف على اليأس قبل بلوغه مقام الرسالة-يسجل اعتراضه على البحر في طريقة توزيعه للرزق، وتوزيع توقيتاته كذلك، قبل أن يضطر إلى بيع إحدى بدله –والتي تمثل امتداداً قوياُ لحياته البرجوازية العادية النمطية القديمة- لتمسكه بتلك الحياة الجديدة، ليشير بذلك إلى اتخاذه قراره باستكمال المثابرة، وخوض المغامرة لنهايتها، والإيغال في معركة الاختيار والاستمتاع بنتائجه أيا ما كانت مآلاتها.

وفي أوقات الرضا، وتحقق الشغف، يبادل يحيى السمك الذي اصطاده بسمكة كبيرة تصلح لإقامة عشاء خاص مع (نورا) التي تورط في حبها بالفعل، رغم تصوره الخطأ عنها أنها مجرد عاهرة، حيث يتخلص في هذه الليلة -التي منحه فيها (البحر) ومن ثم (السوق) بعض الرضا- من آخر قيوده النفسية في علاقته بنورا، وبالتالي تخلص بدرجة كبيرة في تلك الليلة من حالة التهتهة التي لازمته طوال الفيلم، والتي يمثل حضورها بعداً نفسياً هاماً كذلك، وكانت تزيد وتنقص وفقاً لسير الأحدث وأثرها على بطل الفيلم.

فقد وظفت أفلام عبد السيد هذا الفضاء الحي، كتأطير خلفي للشخصيات ودال عليها وعلى ما تفكر فيه، كما أنه يحدد حتى نوعية الفيلم والزمن الذي يسعى للقبض عليه، وحتى في الأفلام التي حضر فيها السوق كمكان له طابع ضيف الشرف، فقد كان متسقاً تماماً مع فلسفة الفيلم.

محيي الشرقاوي والحياة بعد فيلم فول الصين العظيم

السوق في فيلم سارق الفرح

وفي قصة فيلم سارق الفرح يتجلى السوق ضمن سلسلة من الإشارات اللانهائية، حيث يقف ماجد المصري في السوق ليبيع الملابس التي سرقها من أخيه المطرب الشعبي المغمور، والذي يعتبر هذه الملابس رأس ماله الوحيد ليمنح نفسه نجاحاً مسروقا، ويمنح الناس فرحة مسروقة، يفعل ماجد المصري ذلك من اجل الحصول على فرحة مسروقة مع حبيبته (لوسي)، حيث أن كل هذه السرقات تدور في دائرة متسعة تشمل بقية شخصيات الفيلم وخطوط أحداثه الرئيسية والفرعية.

وكذلك في قدرات غير عادية، لم يظهر السوق في قصة فيلم داود إلا كضيف شرف كمعادل لنزول (حياة) إلى الدنيا المزدحمة بالبشر، كونه مكاناً مثالياً للذوبان وسط الناس، والاختباء بينهم والتخفي منهم في الوقت ذاته، وكذلك مجابهة صعوبات الحياة في زيها الجديد.   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.