“البخت”.. غناء ويجز اللي بيخلي “الناس تاكل وشنا”!

0 489

منذ أيام طالعت في قصة لصديقة على فيسبوك لقطات من عيد ميلاد المطرب علاء عبد الخالق، وجدته ممتلئاً بالحب، فارغاً من الطاقة، تركت عليه السنين توقيعها، ارتبكت.. لا أنكر أنني ربما خفت.. ثم استسلمت لفكرة مرور السنوات.. فكرة ساذجة أن تحاول مقاومة جريان السنين، لكنها في الوقت ذاته غواية لا توازيها غواية أخرى.

حين خرجت من الاستوري الخاصة بإحدى صديقات نسختي الافتراضية تلمست دبيباً خافتاَ على الوول عن “البخت” (أغنية “ويجز” الجديدة)، كما يسميها جيلي، أو التراك الجديد كما يسميها جيل ويجز الذي نتطفل عليه ونشاركه تجربته متحججين بأن قدراً ما رسم في وجوه جيل مواليد الثمانينيات طفولة ما تعزيهم عن سرقة عشر سنوات من اللاشيء والانتظار. وأن هذه الطفولة منحتهم أكسير الحياة وأنهم لن يهرموا قريباً بأي حال، يشاركنا هذا الاعتقاد الساذج الجميل مواليد نهاية السبعينيات وأوائل التسيعينات.

كانت صفحات السوشيال ميديا هادئة حتى جرح الـ “ويجز” قلوب الكثيرين بتراكه، من وقتها نشط الحنين في قلوب كانت تظن أنه قد نسيها، واحتل الشجن مساحة أخرى جديدة من قلوبنا بصيغتها الأصلية التي تركناها أمانة لدى العشرينيات، أجمل فترات العمر وأكثرها حفظاً لتركيبتنا التي خلقنا الله بها.

كنت، كبعض من أعرفهم من أفراد جيلي، أستمع إلى ويجز في السر ولا يعجبني في العلن، فأنا لست من مستمعي الراب، لا يستهويني تماماً ولا يزعجني في الوقت ذاته، أستمع إليه بشروطي، فأنتقي منه، كما أنتقي من بين أغاني أم كلثوم أو عبد الحليم أو حميد الشاعري أو غيرهم من أصحاب العلامات، لم أوقع لأحد على بياض، ولن.

ربما تكون هذه الأغنية/ التراك آخر مرة أستمع فيها إلى ويجز وربما لا.. لا أعلم أي شيء غير أنني صدقته.

جرحت الأغنية مقاييسنا العقلية، وقال فيها ويجز هذا الكلام الذي يجعل (الناس تاكل وشنا) إذا ما قلنا كلاماً يشبهه في مناسباتنا الرسمية أو عند زيارة الأقارب أو ملاقاة أصدقاء الأهل أو بنت الجيران في مناسبة عائلية.

قطع ويجز بأغنيته آخر أواصر علاقاتنا مع النيش والصور الرسمية للعروسين ومع الوزن كشرط للشعر والدراما الزاعقة بصيغها الإغريقية كشرط للرواية، وأطلق العنان لأحلام يقظتنا بعد فوات الأوان.

غنى ويجز ما يظنه جميلاً ووضعنا أمام أنفسنا بلا رحمة، تاركاً وراءه آلاف من البشر تحاصرهم خيباتهم التي ظنوا في أوقات سابقة أنهم كانوا قد تجاوزوها، وكسب الفتي أرضاً جديدة لم يكن ليطأها هو ولا زملاؤه حتى (دخل البيت من بابه)، فدخل من باب الأغنية العاطفية الصريحة الراسخة رسوخاً نوعياً غير مبرر لدى المصريين؛ وهو ذاته ما منح محمد منير في فترة سابقة مساحة واسعة لصنع تاريخ كان من الصعب تحقيقه في مناخ آخر يحتفي بكل لحظات الإنسان كحالات تصلح للغناء، لشدة المنافسة وقتها (الحتة دي احتمال أتشتم بسببها)..

المهم.. قال ويجز ما يعرفه عموم جمهور الغناء الباهت في مصر (أو بتحب حد والبال مشغول.. ما شوفتهاش ولا حد يلومني.. ملاك برئ ولا انا مخدوع.. أخلي الجاي ورود وشموع) وغيرها من كلمات قاموس النيش الغنائي المصري الجميل، وقال أيضاً ما يعرفه هو (بلعب البخت سالتها ورفضتني.. استغربتها امال فين هيبتي.. حبيبي انا بضحك علي خيبتي.. عيني منها بشكل جدي.. وتقيله مش تقلانة اتبخر سحري.. ومش باجي علي بالها ومفكرتـشي.. انا بالي فيها بابا بالي مش ملكي) وبالمناسبة أنا وكثير من جيلي نستنبط بالكاد معاني مثل (بالي فيها بابا)، إلا السابقين منا إلى طريق الراب (طبعا دول عُمَد وعارفين كل حاجة).

وبين هذا وذاك غنى ويجز جملاً بها حمولة شعورية مكثفة وقوية مثل (يا اخي كنت ع الثبات وهزتني/ واللي فات ده كان سحري/ انا عارفني صعب ومش مفهوم/ كلامي دبش او مش  موزونl) وغيرها من الجمل الحقيقية التي تتعارض مع مقتنيات متحف الأغنية المصرية التي لم تألف حبيباً استيقظ يوماً ما ليجد نفسه (محطوط).

في النهاية انحاز ويجز إلى مزاجه الشخصي، ككل فنان حقيقي لديه رؤيته الخاصة فيما يقدمه وكيف يقدمه، لينضم إلى سيد درويش وعبد الوهاب وأم كلثوم وبليغ حمدي وعبد الحليم ومنير وحميد الشاعري وكايروكي، وهم يمثلون النقلات الأهم في الأغنية المصرية(دي الحتة اللي أكيد هاتشتم بسببها) حتى ما قبل مرحلة المهرجانات التي شوهت لعوامل اجتماعية واقتصادية وتذوقية يطول شرحها، حتى جاء الراب ومازلنا معه.

أنهي المقال الآن وأنا أستمع إلى الأغنية للمرة المش عارف كام، كل ما أعمله أنني صدقتها، أليس هذا هو الحب؟! (قفلة أوفر وركيكة للمقال لكنها والله صادقة وتناسب الأغنية).

اقرأ أيضاً

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.