أبي .. أنت قدوة سيئة!

0

أبي .. أنت قدوة سيئة- هاجر عبد المنعم- بلوجر ومدققة لغوية مصرية

أبي .. أنت قدوة سيئة، الآباء هم متنفسنا في الحياة، ما نستطيع أن نطلق عليهم السند والقوة، الحماية والقدوة، باب النصيحة والأمان والدفء، فماذا إن فقدت الأبوة طاقتها واستجار الأبناء، لا نقصد هنا تعميماً على الأبوة في مطلقها فهناك من يحاول وهناك من يماطل، هناك من يسعى دائماً في سبيل أبنائه وهناك من يحرق أبناءه في سبيله!

نبذة عن مقال أبي أنت قدوة سيئة

  هذا المقال ليس إلا دعوة للإصلاح وأخذ الأسباب التي قد تؤدي بطفلك إلى الهلاك على محمل الجد، حتى لا يقف أمامك موجهاً رصاص لسانه قائلاً: “أبي.. أنا لا أود أن أصبح مثلك مطلقاً”

تختلف الأسباب من أسرة لأسرة، وتتفاوت في شدتها ومدتها وهل حدثت كعرض طارئ بين بيئة سوية، أم تتكرر يومياً كمأساة علنية، وما أكثر الأسباب!

يقول جيم موريسون: “بعض الآباء يدمرون أبناءهم قبل أن يدمرهم أي شيء آخر”

وإليك الأسباب، وأولها:

 عدم الاعتراف بالخطأ (الإنكار):

تظلم الأيام في عيني، تنطفئ الحياة، والديّ هما نور العين لكننا لا نخلو من الأخطاء فلماذا هما الوحيدين الذيَّن سَلِمَا منها، أُدرك جيداً أن الله أمرنا بأن نُحسن إليهما وأن نضعهما صوبَ أعيننا دائماً لأن برهما ورضاهما فيه رضا الله، ولم تختلف الأديان كلها على ذلك، وقال الله تعالى في كتابه الكريم في سورة الإسراء: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً”

ولا شك أن الأمر بالإحسان لوالدينا نافذ حتى وإن كانا ضد رغباتنا، أو حتى ضد ديننا الصحيح، فيقول عز وجل: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

[ سورة لقمان: 15]

فلا شك أن الاحترام والتقدير والبر لا جدال فيه، حتى وإن كانا ضد دينك حتى، لكن هذا لا ينفي الخطأ، لا ينفي أنك كأب يجب أن تستمع لما حدث لأبنائك فإن لم تسمعهم أنت فمن يسمع؟!

واجبٌ عليك أن تربي ابنك وابنتك على الدفاع عن حقوقهم، وأول حق يا سيدي الفاضل هو حق أنفسهم ومشاعرهم، وكلما نمى بداخلهم احترامك، ستجد الاحترام في كل حرف حتى لو كان الكلام في محمله ضدك.

لكن إن أصمَّتهم ووَصَمت ما فعلوه بقلة أدب وحياء، فلقد جعلت الثقة في نفسهم مهزوزة وجعلتهم مرضى بلا سبب محدد، إما أن يتعاملوا بضعف شخصية، أو أن يسعوا للسيطرة على من أقل منهم ليظهروا بمظهر القوي الذي لم يظهروا به أمامك.

ثانياً: الفقد:

أن تفقد هويتك بين أبويك، وألا تدرك الحنان الكامن فيهما نحوك، أن تشعر أنك مفروضٌ عليهما، ووجودك مؤلم لكليهما، لكن لا أحد منهما يستطيع أن يُصرِّح بذلك، لعل هذه المشاعر تنتابك وحدك، لا دليل لها حتى تُجزم بوجودها لكنك دون وعي منك تجدها تتجسد أمام عينيك صريحة، لأنهما لم يُشبعا لديك رغباتك النفسية والعاطفية، ولأن القسوة تغلب الحنان عندهما في كثير من الوقت.

فتجد والدتك تميل للعقاب كوسيلة لجذبك، بدلاً من أن تنصحك بهدوء معللة أن هذا ما ينفعك وأن غرضها مصلحتك، وأنها استعانت بكل الحيل الممكنة والغير ممكنة ولكنك لا تنصلح إلا بالعقاب، وربما يصل الضرر أن يرتبط الحب عند الطفل بالعقاب والألم ارتباطاً شرطياً وهو ما يجعله يمارس السادية فيما بعد، فإذا ما وجد الحب فلا بد أن يلحقه ألم.

وتجد والدك يضع الأعباء فوق كتفيك بدلاً من أن يستمع إليك، أو دائماً ما يشير لعيوبك جسدية كانت أو مهارية أو حتى عقلية، يصب الضوء عليها دون التركيز على مهاراتك وذاتك وقدراتك الحقيقية، فتسعى أنت لتثبت الأخطاء وتتجرد منهم بل وتسعى لأن تسقط عليك الأضواء سواء أتستحقها فعلاً أم لا لكنها ضريبة الهجر الذي أنت فيه.

ثالثاً: المقارنات:

أدرك تماماً أن حسن نية الأب والأم يغلبان التصرف ومساوئه، لكن أضرار المقارنة جسيمة على نفس طفلك، فمن الطبيعي أن هناك فروقاً فردية بين طفل وآخر، وليس بين الأطفال فقط بل نحن الكبار أيضاً منا من يبرع في الكتابة ومنا من يبرع في الفنون ومنا من يبرع في الغناء، فلا يستطيع الكاتب أن يغني ويطرب السامع ولا يستطيع المغني أن يؤلف ما يغنيه إلا فئة قليلة قد حباهم الله بتعدد المهارات، لذلك عزيزي الأب لا تقارن طفلك بغيره وإن لم تجد إلا هذا السبيل لتسلكه، فقارنه بنفسه، اجعله يفخر بتقدمه عما سبق، أو يخذل من نفسه لأنه يستطيع أن يكون أجدر من ذلك.

رابعاً: أين أنت من يوم أبنائك؟

الكثير من الوقت ضائع، العالم واقعياً يحتاج حياتك بأكملها لتوفر لنفسك ولأبنائك حياة كريمة لكن في حقيقة الأمر أن أبناءك هم ذخيرة الحياة الكريمة، لذلك استمع لهم، أُخرج معهم، واجعلهم أصدقاءك وذخيرتك، لا تصنع سداً وهمياً بينك وبينهم، فإن الفرص الذهبية تأتي ونادراً ما تتكرر، فإن سنحت الفرصة رجاءً استغلها.

وصدق أبناءك، لا تجعل الرهبة منك تملأ قلوبهم فيكذب اللسان، بل حاول جاهداً أن تكون الرهبة عندهم أن تحزن منهم، ووقتها سيسعون جاهدين لجعلك فخوراً بهم، لأنك حققت أهميتك عندهم وأهميتهم عندك.

خامساً: المبالغة:

المبالغة في (العقاب، الاستجابة لكل طلبات أطفالك، وضع الحدود، التشتيت بين “أنت صديقي، احكِ لي” وبين “إلزم حدك أنا والدك لا تمازحني” ….. إلخ)

تنقلب الآية بالمغالاة والإفراط في الأشياء مهما كانت من وجهة نظرك جيدة، أنت في عصر يطالبك بالتجديد، لا بأس في أن تجيب رغبات طفلك مرة في صراخه شرط أن يتعلم أن الصراخ ليس الحل فإن فعله مجدداً تتجاهله، لا أن يكون الحل عندك أن تسكته بما يريد، فيفهم أن كل طلباته مجابة بالصراخ والغضب.

سادساً: طفلك ليس حلمك الذي لم تحققه (عدم التقبل)

الطبيعي كما تطرقنا من قبل أن هناك فروقاً فردية ظاهرية كانت أم مخفية، لكن بعض الآباء يريدون أبناءهم نسخة منهم بل من الذي لم يحققوه من قبل حتى يثبتوا بهم للعالم أن هذه تربيتي السليمة، انظروا!

لا شك أن والديك يحبان الخير لك، على الأقل المعظم يريدك في أفضل صورة، يريدك على أكمل وجه، ولأن هناك شعرة بين المثالية والصورة التي يريدك والداك عليها تقع المشكلة وتتفاقم.

 الجدير بالذكر أن المشكلة تبدأ من التحكم الزائد، كتغيير مدرس لأنه لا يعجبهم وليس لأنك لا تفهم منه، التحكم بمن تصادق (وهذه النقطة بحر في حد ذاتها، فللآباء رؤية صادقة في معظم الوقت، وإذا شعر الطفل هذا الصدق ينفذ الكلام بالحرف الواحد)، يصل الأمر بالعتاب في درجة أو حتى نصف درجة خسرتها في امتحان صعب، وحتى تصل إلى الجامعة وحين تتزوج فالاختيار خيارهم هم، أسألك الآن أين شخصيتك؟

سابعاً: الحب المشروط

يستدعي الحب المشروط أن تتوفر فيك صفات معينة لكي أبادلك أمامها مشاعري وهذه الصفات قد تكون صفات شكلية أو عرقية أو فكرية، وهذا هو النوع للأسف هو الأكثر شيوعًا وواقعية من الحب.

فكثيراً ما نسمع الآباء وبحسن نية منهم: “افعل كذا كي أحبك”، وهو فخ يظهر أثره السلبي على نفسية الطفل ويرى أن حب أهله غير صحيح وأنه مرتبط بأفعاله وتلبية رغباته أوامرهم فقط.

 جاء على لسان الاستشارية النفسية والاجتماعية وسام عزت، أن الحب المشروط سلبيات كثيرة أولها: فقد ثقة الطفل بنفسه، ويشعر أن شخصيته لا تستحق المحبة، لأن الحب اقترن بشرط ما ليقع حدوثه فيتحول لشخص ذليل ويرى أن أخذ الحب مقرون بتنفيذ الأوامر.

ثانياً: يتقبل الإهانة بصدر رحب، لأجل غرض ما كأن يجلس بصحبة أصدقائه.

ثالثاً: يشعر بالغيرة ممن يسهل عليهم الحصول على الحب بلا شروط، وقد يصاب بالرهاب الاجتماعي ويفضل العزلة والوحدة وقد يزداد الأمر سوءً ويصل للإصابة بأمراض جسمانية كآلام المعدة والقولون والصرع والتبول اللإرادي.

ثامناً: التربية الجنسية

الخجل الزائد الذي يهدم طفلك دون وعي منك إلا إذا كان نبيهاً متفهماً، التربية الجنسية أمر ضروري خاصة في زماننا هذا، وهي عملية تربوية مستمرة منذ ولادة الطفل إلى ما بعد البلوغ، وتشمل حمايته وإمداده بالمعلومات العلمية والصحية السليمة بما يتناسب مع قدراته ونموه.

ولقد تحدث المختصين في هذا الأمر كثيراً، وإليكم بعض النصائح حتى لا يقع طفلك في مهالك هذا الأمر:

1- يجب أن يحفظ للطفل الخصوصية في جسده وتغيير ملابسه من أول ميلاده، فلا تغير الأم حفاضه أمام العامة، أو حتى تترك المهمة لأي شخص على غير ثقة، وتعلمه تغيير ملابسه وخصوصية أعضائه.

2- أن يفهم أن أعضاءه التناسلية جزء منه، كبقية أعضاء جسده، لا تهويل ولا تفخيم في ذلك.

3- الانتباه للمحتوى الذي يشاهده الطفل، فالانترنت ملأ بيوت الناس عامة والوصول لكل شيء أصبح على مقربة لذلك احرصوا على أطفالكم فهم ذخيرتكم كما أشرت من قبل.

4- يجب أن أتأكد من فهمه السليم للفروق بين الذكر والأنثى ويمكن فعل ذلك من سن السادسة حتى العاشرة فيما فوق، لكن لا تتأخر بوعي ابنك يا عزيزي القارئ، فإن البلوغ قد يسبق من في مثل سنه وعندها ستكثر الأسئلة وإن لم تُشبع غريزته الاستكشافية فسيبحث بنفسه.

5- مراقبة اللعب مع غيره، فطفلك لا يزال سوياً لكن هل من يلعب معه كذلك؟!

6- اشرح له مفهوم الاعتداء الجنسي والتحرش بما يتناسب مع قدراته العقلية

7- اغرس فيه فضيلة الحياء، واجذبه بأنك تثق به تمام الثقة، والفت نظره أنه قد يرى صورة سيئة وغض البصر عنها وإخبارك أفضل حل لذلك.

8- انتبه، فالتركيز على الأمور الجنسية والتركيز عليها في كلامكما يجعله ينخرط فيها أيضاً.

وأخيراً، الأمر ليس سهلاً لكنه واجبك كأب فلا تغفل.

تاسعاً: أبي .. أنت قدوة سيئة:

إن التناقض الذي يراه الابن في أبيه يجعله ينفر من كل شيء، يتشتت، بل ويدرك أنه لا شيء على حق، فتجد الأب يسب أحياناً ويترك صلاته أحياناً أخرى، يخطئ مرات كثيرة، ولا أعيب عليه في الخطأ لكن العيب هو قسوته على ابنه لكي لا يفعل ما يفعله، بل والكارثة أنه ينكر خطأه بدلاً من الاعتراف به.

هذه المشاعر قد تصل بالطفل إلى الإلحاد إذا ترسخ بداخله الخلط بين (الله عز وجل) والسلطة الأبوية.

فالقدوة يجب أن تعمل على تحقيق ما تريده من الآخرين في نفسها أولاً، فمن غير المعقول إصلاح الشخص لغيره وهو فاسدٌ متبعٌ لأهوائه غير منضبطٍ، فعليه أن يتابع نفسه على الدوام فيراقبها ويقوّم اعوجاجها، ويعيدها للصراط المستقيم كلما شردت، ولأن بناء شخصية الطفل يحتاج وقتاً كبيراً، فالمثل الأعلى يمكن أن يكون أب، أم، أخ، معلم، جار، ….. إلخ، لكن الوالدين أقرب وأسمى لهذه المهمة فكن أهلاً لها واستقم كيفما استطعت.


يمكنكم قراءة أيضاً:

وأخيراً تذكر دائماً أن الغرض من هذا المقال أن تفهم أكثر لا أن تغير والديك أو تغير حياتك، أنت في فيض من النعم، ليس لأنك أُذيت وإنما لأنه هناك فرص كثيرة للتعافي، وأن تعفو عمن أذاك خير لروحك وألا تكرر الخطأ بنشر الوعي والمحاولة لأنك فهمت.

ارشح لك على نفس السياق كتاب أبي الذي أكره للدكتور عماد رشاد عثمان، تابعوا معنا العديد من الكتابات الأخرى في موقعنا أخر مترو.

وكتاب أسر مسممة للكاتبة دكتورة/ سوزان فورفورد

أبي .. أنت قدوة سيئة- هاجر عبد المنعم- بلوجر ومدققة لغوية مصرية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.