حصرياً .. “سوداء” قصة قصيرة من مجموعة “مألوف” للكاتبة ابتهال الشايب

0

حصرياً .. “سوداء” قصة قصيرة من مجموعة “مألوف” للكاتبة ابتهال الشايب الحاصلة على جائزة الدولة التشجيعية للآداب

  • يصل صوت الآلات بإستمرار إلى أذني .

يشتد أحيانًا فيصيبني صداعٌ مؤلم .

حركة سريعة داخل أنفي .

المصنع ليس لديه وقت للراحة ، دائمًا يعمل ، دائمًا يفرز سُمًا من النقط السوداء المنتشرة علي أنفي .

  • أنفي مليء بالنقط السوداء الصغيرة ، كأنها قطعة من جلد حيوان ، أبتعد عن المرآة سريعًا وأختبئ ، ربما ستفرز الآن سُمًا ، أحرص على ألا تلمسها  يدي ، من الممكن أن تنثره في أى وقت .
  • تبدو كبقايا شعرٍ لم يترك بُصيلاته بعد ، تبدو ذرات من التراب مُجتمِّعة ، لكن ما هي إلا مسارات متصلة مباشرة بنهايات آلات المصنع ، فعندما يُصنع السمُّ يتجه على الفور لتلك النقط
  • أتنفس ، يضربني هواء الشتاء البارد ، فيخرج نملٌ أبيض على هيئة سائل شفاف من فتحتي أنفي ، كان يدور حول مُعدات المصنع بحثًا عن قطعة طعام صغيرة ، أضرب وجهي بقوة ، وأضرب أنفي دون وعي ، أحاول أن أدهسه بيدي ، يهرب بعض النمل من يدي ويختفي في فمي ، فاستدعي ما بداخل جوفي للخارج .
  • أتحاشي النظر إليها إذا صادفتها .
  • أتلصص عليها من بعيد لألتقط صورتها ، فتحتا أنفي بهما عالم مظلم للغاية ، يبدو كبير عميق مجهول لا أحد يقوي على سبر أغواره ، أتخيله كبيرًا ومتشابكًا يتصاعد إلى أعلي .

هناك مصانع سُم ذات نقط سوداء ، ومصانع سُم أخري خفيًة دون نقط .

  • أنفي طبيعية .
  • أتنفس ، تعمل بعض الشعيرات الصغيرة داخل ظلام فتحتي أنفي كحُرَّاس أمنٍ للمصنع ، أسمعهم، يتلاحمون، ويتعانقون، ويتعاركون معًا ، يهمسون لبعضهم البعض ، يتكلمون عنَّي ويحاولون – جاهدين- أن يثبتوا لبعضهم البعض أني أخشاهم ، وأخشي المصنع .. منزلهم الكبير ، وأود أن أقتلعهم من جذورهم ، يزداد صوتهم في حالات السكون .
  • تعمل الآلات .
  • أتنفس ، يتسع صدري ، أستقبل دفعات الهواء ، يدخل إلى أنفي، وينطلق في طيش ، أقتنصه في لحظة ، وأُخرجه من فمي لأري ماذا يفعل المصنع في هذه الحالة ، هل سيتوقف عن صُنع السُّم أو سيستمر ؟

لا أجد إجابة .

  • توخزني بعض المعدات عندما تتحرك وخزًا خفيفًا جادًّا .

أعطس تلقائيًا .

  • أتنفس ، أنظر إلي شكل أنفي مُتحديًا ، ترمقني ، يتوقف المصنع فجأة ، أستمر في النظر إليها ، متوقفة ، لا يحدث شيء بداخلها ، أضحك ضحكات عالية متواصلة لأنها تتجنًّبي ، المصنع مختبئ ، وهو خائف مني الآن ، أصمت من جديد وأري ندوبًا حمراء احتلت مكان النقط السوداء، غير المصنع مخارج إفراز السُّم لأنه شعر أني أعرف ما يفكر فيه ، أضحك من جديد … لأنه يهابني .
  • تخرج شعيراتها غير المرئية يمينًا ويسارًا وهي في حالة استعداد لأي هجوم .
  • أتنفس ، ثم أكسر المرآة لكي تشعر بقوتي .
  • تأخذ أنفي المصنع وتهرب بعيدًا ، فأنا لا أشعر بوجودهما ، ولا يظهرون في المرآة .
  • سيصيبني سُمُّها يوما ، ستأمر الشعيرات بذلك ، وحينها سيُلبُّون طلبها ، فهم غير قادرين علي أن يعصوا لها أمرًا ، أنا أعرفهم جيدًا ، أو ستبثُ سُمّها في الجو فأتنفسه ، أو ربما سيتسرب السُّم بداخلي وأموت في الحال … دون أن أشعر .
  • تأتي في الصباح لكي تلتصق في مكانها بوجهي ، حاملة المصنع في أحشائها .
  • أتنفس ، أمسك بها وأجذبها إلى الأمام ، وإلى اليسار ، أضغط عليها بكلتي يدي كي أُدمّره.
  • تجمعُ شعيرات المصنع نفاياته التي تبدو كمُخاط ، تضعه أمام فتحتي أنفي ، تريد الخروج ، تتقدم إلى الخارج رغمًا عنّي .
  • أتنفس ثم أتحرك ، تؤلمني ضاغطة علي رأسي بعُنف ، تُمسك حرقة بوجهي في مكان لا أستطيع تحديده ، يصطك الألم برأسي ، أصطدم بمرآة سيارة كانت بارزة إلى الخارج ، أنفي ممتلئة بخدوش بُنيّة عديدة نتيجة حروق بعض الآلات المصنع ، أبكي من شدة الألم ، أبكي خوفًا منها ستنثر سُمَّها الآن .. وتنتقم منِّي .
  • يحتدُّ الغيظ .
  • أضعُ مشبكين للشعر داخل فتحتي أنفي وأدفعهما ببطء حتي يُلامسا تجاويفها الداخلية لكي أدمرها ، لكنها تجرحني بمعداتها الحادة فتخرج دماء من فتحتيها .
  • تسكب الشعيرات بعض المواد الحارقة المستخدمة في صُنع السُّم على حلقي .. فيحترق .
  • أتنفس في فزع أخبيء أنفي بقطعة قماش ،أربطها علي وجهي جيدًا حتى أحبط أى محاولة هجوم منها .
  • تُلقي الشعيرات بالمعدات الثقيلة إلى نهاية أنفي في الأعلى، فألهث وأنا أتنفس من فمي ، حلقي جاف ، أمسك قطرة الأنف ، أضغط عليها فتعطي قطرات بطيئة لفتحتي أنفي ، يتغلغل السائل في أحشاء المصنع وبين آلاته ، أنتظر ردة فعله ، يعلو صوت الآلات كأنها تغلي ، أحتمي واضعًا يديّ على وجهي بإحكام كي أمنع تسرُّب  السُّم .
  • أحيانا يكبر المصنع ، يصغر ، ينتفخ ، يعلو ويهبط فأشعر بذلك .

تُحركه وجنتاي أيضا إلى أعلى وإلى أسفل ، وتجعلانه يميل قليلا على جانبيه .

  • أتنفسُ من فمى ، أمسك مرآة صغيرة وأنظر إلى أنفي في الظلام ،وأحُكُّ فيها بحرص ، أمسحها في المرآة بحذر كي أثيرها ، أنتظر في الضوء .

أضع يدي عليها حتي أرى لون السم الذي سيخرج منها :

هل هو أخضر أو أسود أو بُنّي ؟

لكنها تتجاهلني وكأنني شيء تافه، لا تريد الرد عليه .

  • أنفي موجودة ..  وتبدو طبيعية .

معلومات أساسية عن الكاتبة ابتهال الشايب

قاصة و روائية ومترجمة  مستقلة ، حائزة علي جائزة الدولة التشجيعية في الآداب لعام 2014 – فرع القصة القصيرة

عضو إتحاد كتاب مصر

الدراسة

ليسانس آداب

جامعة جنوب الوادي- فرع قنا – قسم اللغة الفرنسية

الأعمال

-مجموعة “نصف حالة ” – دار النسيم –2013

الطبعة الثانية “نصف حالة” 2015

رواية “يزن”- دار النسيم – 2015

-“زمن البانوبتيكون” – مختارات شعرية من الأدب الفرنسي المعاصر – دار النسيم –2017

– مجموعة “مألوف” – دار النسيم –2020

“7 أيام في حياة كلارا” مختارات قصصية من الأدب الفرنسي المعاصر – دار النسيم 2022

 التكريمات

المهرجان الدولي للمسرح والفنون التلقائية

نادي القصة بأسيوط

قصر ثقافة قوص

قصر ثقافة الأقصر

حصرياً .. “سوداء” قصة قصيرة من مجموعة “مألوف” للكاتبة ابتهال الشايب الحاصلة على جائزة الدولة التشجيعية للآداب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.