حصرياً.. جزء من رواية “رواه الترمذي” المثيرة للجدل للروائي أدهم العبودي

0

حصرياً.. مقطع من رواية “رواه الترمذي” المثيرة للجدل للروائي أدهم العبودي

“المُعتَصْمُ بالله بنْ الرّشيد” “طرسوس”- 218 ه كنجمٍ هوَى أقعُ طريحًا علَى فِراشي، مثْل الذي مِنْ عُلوٍ إلَى سُفْلٍ، ثمَّ لمْ أكدُ إلّا أنْ أثبُ كمَنْ نهشتُه حيَّةٌ، أثبُ مخنوقًا وعلَى سُعالٍ مُكتومٍ لا يوشِكُ أنْ يخرج مِنْ حلقي حتّى يتحشرَج، خلا جوفي وثمّة جفافٌ في حنجرتي لانحشارِ الصّوت، ألعق شفتيَّ بلساني، كانتا متقشّرتيْن!

الفِراشُ غارقٌ في دمٍ لزجٍ، أعومُ في الدّم، أشبُّ فزعًا، أرتطمُ بالحشايا المُلقاة تحت قدميَّ، أستبصرُ المرآةَ علَى عشَى، أحاول لملمةَ شظايا الزّجاج التي ترتشق في جِلدِ وجهي، لا شظايا! أمسحُ ببطنِ يدي بقايا دماء الحلم، لا دماء! فأشعرُ بالسّخونة، وأطوّحُ رأسِي مِنْ الدّوخةِ، كأنَّ جمجمتي باغتها طيرٌ جارحٌ فنقرَها.

(رأيتُ فيما يرَى النّائمُ وكأنّما لمْ أستيقظ بعْد منْذ نمتُ أوّل مرّةٍ، قرّرتُ في الحلمِ –ما أغرب الحلم!- ألّا أنام قبْل أنْ أجرّبُ الحزنَ، كأنّي ولدتُ وظللتُ ساهرًا علَى حزنِ الآخرين، أراقبهم وهم يئنّون مِنْ فرطِ الألمِ فيما ينامون، أنظرُ في أعينِهم وأرَى الحزنَ يصحو كلّما أفاقوا، يصحو معهم ولهم، إنّ حراسةَ أحزانِ الآخرين لإرادةٌ مقدّسةٌ، أردتُها عبر مشيئةٍ مُشتبَه عليها، وبينما أراقب أحزانَ الآخرين كنتُ أراني، جوهرًا خالصًا للعذاب، لمْ أفهم كيف يخافونني وأنا حارسهم؟! أجل لمْ أسقط في النّوم إلّا مصادفةً، مررتُ أمام مرآةٍ، مِنْ قبْل كانتْ أعينُهم مرايا وصدّقتُ انعكاساتها، إنّما حين شاهدتُ نفسي للمرّة الأولى، والأخيرة، منعكسًا في مرآةٍ، لمْ أشاهدني بالجَزمِ، بلْ شاهدتُ بحرًا من موجٍ يتلاطم يركبه شيخٌ عجوزٌ، مندفعًا نحوي مِنْ قلب المرآةِ، كان بحرًا مِنْ الدّم انفجرَ عليَّ، تكسّرتُ، فأغشيَ عليَّ روعًا، وكأنّي لمْ أستيقظُ بعْد).

أجلس علَى الأريكة المجاورة للسّريرِ كالمتهدِّم، ذراعاي ترتعشان في سكرةٍ، فيما يدلف غلامي “معبد” إلى الغرفةِ مرعوبًا وهو يمسك في يدِه مبخرةً، يسندها ويهرع يدلق لي ماءً مِنْ الإبريق ويناولني الكأسَ وهو يبسمل ويحوقل، يحمل المبخرةَ ويطوّف مِنْ حولي، يقرأ القرآن ويتعوّذ، تسبح الغرفةُ في دخانِ المبخرةِ فتغيم الموجوداتُ أمامي، أبتلع ريقي بعسرٍ يتخلّله لهاثٌ وأرعشُ بأهدابي إلَى “معبد” لا أستبينُه كأنّي ما زلتُ في غياهبِ الحلم!

غير قادرٍ علَى استردادِ أنفاسِي، كأنّي ملسوعٌ، أسوّمُ بنظري حولي، الفِراش طريٌّ مبتلٌّ بالعَرق لا بالدّم، آه، أهو نفس الحلم اللّئيم إيّاه؟!

أهدأ قليلًا، أضع يدي علَى صدري ويعاودني الإدراكُ، رويدًا يعاودني.

يا لهذه اللّحظة فيما بين الغفو والاستفاقة! إنّها مُقبِضة، كأنّها الخيطُ ما بين الحلم والواقع، لكنْ ما كلّ هذا الدّم الطّافح في حلمي المتكرّر؟! وبالله مَنْ هذا الرّجل الذي يركب الموج؟!

بالكاد أصلُ بكأسِ الماء إلى فمي فإذا بغمغمة مشَوّشة حائرة مِنْ خارجِ الغرفةِ تبلغ أذنيَّ، تليها صيحات، أصوات متشابكة تدفعني للاستفاقة أكثر، يخرج “معبد” مُسرِعًا، ثمّ يدخل إليَّ علَى عجلٍ وملامحُه تربد، يتنفّس بصعوبةٍ ولا يتكلّم، بعْدها طرقاتٌ خافتةٌ، آذن لحارسِي فيقف علَى عتبةِ الباب ولا يلج:

– عفوكَ مولاي.

– خيرًا!

أصرف “معبد” بيدي، يقف فيما بعْد مدخل الغرفة، يخطو الحارسُ للدّاخلِ، يقول بنبرةٍ متأسيةٍ خافتةٍ وهو يخفض بصرَه أرضًا: – أستودعكَ الله في أمير المؤمنين، توفاه الله وهو في طريقِه إلى “طرسوس”.

مات “المأمون”! حقًّا! أيُّ موتٍ طارئٍ هذا الذي يأتي علَى هذه الغفلة؟!

أجمُد لوهلةٍ، تتّسع حدقتا عينيَّ دونما إرادة، أستدعي كلّ التّصورات التي يُمكن أنْ تطرأ علَى البال، أحدّق في الحارس دون أنْ أنطِق، يستأذن فيستدير ويخرج، يدلف “معبد” ثانيةً ويجهّز لي الثّيابَ التي سألبسُها بينما يهمهم مستغفرًا ومترحّمًا، ثمّ يقول: “أبقاكَ الله يا مولاي”، ولا أتحرّك مِنْ مكاني.

ما هذا الخبر المفجع بطلعةِ الصّبحِ؟! ثمَّ كيف لموت “المأمون” أنْ يكون خبرًا مفجعًا؟! أوليس هذا ما كنتُ أتحرّق شوقًا إليه؟!

أنظر إلَى المرآة، أمرّر أناملي علَى وجهي، ينفتح فكّي وأنا أتخيّل أنَّ الذي أنظر إليه الآن ما هو إلّا وجه خليفة بني “عبّاس” القادم، يا لهذا اليوم ما كان أتَى إنْ أعددتُ له! لكنّي لمْ أفعل.
شئونُ دار الإمارةِ في “طرسوس” ترتبك، أستغرق النّهارَ وأنا أصدر أوامري لهذا وذاك، أُشيّعُ مناديًا ليطوّف بالنّبأ علَى قلب وأطراف المدينة، تتضارب مشاعري ما بين بين، ها أنا سأستقبل جثمان “المأمون” ومعه سأستقبل الخلافة، ما أبكَر الخلافة! يا لهذا الظفر الذي يغلّفه أسىً! خليطٌ مِنْ فرحةٍ وحُزن! أهو حزنٌ يا “أبا العبّاس” في حقيقتِه؟!
تمرُّ ساعاتُ اللّيلِ قبْل أنْ يصلُ الموكب، لا أحدَ مِنْ رجالِ الإمارة خلد لراحةٍ، كلّهم مجتمعون مِنْ حولي يتدبّرونَ ما استُجدّ، انشغلَ بالي بالتّدبير معهم فيما يتدبّرون، مُلكٌ بأكملِه ضاربٌ في أطرافِ العالم سينتقل إليَّ، وحيث يُفتَرض أنْ أمرّنُ ظهري لحَملِ هذا المُلك عليَّ أنْ أتحرّز ضدّ الطّعنات التي ستأتي مِنْ خلفٍ وعلَى غدرٍ ودون استباقٍ.
صلّينا الفجرَ وأمَمْتُهُم، دخلتْ فرسِي الإسطبل يجهّزونها لكنّها استعصتْ عليهم فتأخّر تجهيزُها، اضطررتُ إلَى السّير علَى قدميّ مِنْ المسجد إلَى بوّابة “طرسوس” المُقابلة علَى مسافة مئة مترًا أو يزيد، حيث نوديَ أنَّ القافلةَ دنتْ، كان حولي الجمعُ، فُتحت البوّابة وظللنا ننتظر، همهمات مِنْ حولي، استغفار وترحّم ودعوات، لكنَّ بصري مشدودٌ نحو مدخل البوّابة، وكأنّ بي أريد أنْ أرَى جثمانه بعينيّ تثبُّتًا كي يطمئن قلبي!


وإنَّ الحُزنَ لمُقبِلٌ علَى الوجوهِ وبادٍ، مِنْ البّوابة الحجرية الكبيرة المستطيلة يلجُ الموكب الجنائزيّ الذي يحمل جثمان “المأمون”، مات في رحلةِ صيدٍ في “بذندون” على طريق الرّوم قُرب “طرسوس”، وها هو يدخل إليها نعشًا يحمله هودج! وكأنّما ما خرج ليصطاد بلْ ليصطاده قدرُه! ما أعجب الأقدار!
على مقدمة الموكب “الحسن بن سهل” وزير أخي وصهره، يمتطي جوّادًا أبيض، يبدو الشّجنُ علَى ملامحِه الغائضة، وقدْ ترمّلت ابنته “بوران” زوجة “المأمون” ممّنْ ترملنَ مِنْ زوجاتٍ وجوارٍ وملك يمينٍ، بنظرة عابرةٍ يرمقني ثمّ يقطّب جبينَه وتستقيم رأسُه ثانيةً في صلفٍ تجاه الجموع الواقفة مصطفّةً تنتظر دفن “المأمون”، أتقدّم إلى الجثمان، أكشف عنْ وجهِ “المأمون”، راعني جهمه! ليس هكذا ندلف إلَى أخرانا يا أخي؟! أنهنه بلا دموعٍ:
– أواه يا “عبد الله”، ما أخفّ رحلتكَ يا ابن أبي!
لا يبدو التّأثُّر على “الحسن”، ملامحُه لم تزل جامدةً، كأنّه ليس يُصدّق حزني على أخي، بلْ يميّز أكثر نزوعَ مشاعري إلى الخلافة، أُدرك أنّ بيننا ما لا يُستحبّ أنْ يكون بين خليفةٍ ونائبه، أولستُ الخليفة القادم؟! بدا لمْ ينسَ بعْد ما جرَى منّي أثناء زفاف أخي علَى ابنتِه!

حصرياً.. مقطع من رواية “رواه الترمذي” المثيرة للجدل للروائي أدهم العبودي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.