عن الكتابة كمحاولة للتعافي.. جزء حصري من كتاب “عزيزي رفعت” لسارة درويش

0 168

عن الكتابة كمحاولة للتعافي.. جزء حصري من كتاب “عزيزي رفعت” لسارة درويش

فبراير 2015 كان قاسيًا عليّ، كشهورِ وأعوام عدة سبقته. في تلك السنوات شعرت بفجوة مرعبة بيني وبيني، فجوة لم أشعر بها من قبل وكأن روحي داخل جسدي محاصرة بفراغ أسود مفزع تسقط فيه كل الأشياء المبهجة، وحتى المحزنة، التي أستقبلها وتضيع للأبد قبل أن تصل لروحي وتؤثر فيها. كنت متبلدة تمامًا.

في فبراير 2015 قررت أن أبدأ الكتابة لرفعت، الذي قد يعرف البعض أنه “رفعت إسماعيل” بطل سلسلة روايات “ما وراء الطبيعة”. لم أكتب لرفعت لأنه كان لسنوات طويلة “فتى” أحلامي – قبل أن أكتفي بصداقته لأنه لم ينس ماجي أبدًا – ولكن لذلك السبب الذي أحبَه لأجله جميع من عرفوه: لأنه ذلك الشخص الذي لا تخجل أن ترتجف أمامه كطفل وتعترف بأنك خائف وضعيف. هو ذلك البطل الذي لم يتظاهر بالبطولة أبدًا ويمكنك أن تعترف أمامه كقديس بكل آثامك.

حين كتبت لرفعت كان لدي الكثير من المشاعر الحبيسة، المخاوف الساذجة والشكاوى التي لا يعبأ بها أحد، فضلاً عن شعور قاسٍ بأن الحديث – في هذه الحالة النفسية- مع آخر يعني أنك تقدم لهذا الآخر حبل مشنقتك على طبق من ذهب. كنت أشعر بالخوف والضآلة والضياع الشديد رغم أنني أدور في مسار محدد ربما أكثر من اللازم.

اقرأ أيضاً من روايات اخر مترو

حين كتبت الرسالة الأولى كنتُ أشعر بوحدة شديدة رغم وجود الكثيرين من حولي، ليس لأنهم ليسوا جيدين بما يكفي ولكن لأنني في ذلك الوقت كنت فاقدة للقدرة على التعبير عن مشاعري، فقدت القدرة حتى على تحديدها ومعرفة ما يزعجني. كانت الصورة تبدو مثالية تمامًا رغم شعوري الواضح والقوي بالخلل.

حين بدأت توقعت ألا أكتب أكثر من رسالتين أو ثلاثة ثم أمل وأنسى الموضوع كعادتي، ولكنني رسالة بعد أخرى أصبحت أشعر بالراحة. في البداية كنت أستخدم الكتابة كوسيلة لتحفيز دموعي لأنفس عن نفسي وفقط، ثم أصبحت أرتب من خلالها أفكاري، وبعد المزيد من الوقت أصبحت أجد من خلالها “الونس”، أجد من يشاركونني المخاوف والهواجس والألم نفسه وحتى الأسئلة. وبعد سنوات أصبحت الرسائل تعني أنني أخيرًا بخير.

لم ألمس أبدًا ذلك التأثير المبهر للرسائل على روحي إلا بعد ما يقرب من عام. هذه الرسائل منحتني السلام، جعلتني أقرب لنفسي، جعلتني أتخفف من الكثير من الضغوط والمخاوف، وغيرت حتى الطريقة التي أنظر بها لنفسي، ولألمي.

الآن بعد 6 أعوام من كتابة الرسائل أظن أنها كانت تشبه مقاطع الضجيج الأبيض المنتشرة على الإنترنت، صوت خافت يبعث فينا الطمأنينة ويفصلنا عن العالم من حولنا فنخلد للنوم كطفل، أو نتمكن من التركيز في عملنا بعيدًا عن كل الصخب الذي يحاصرنا.

بعد خمسة أعوام لا أزعم أنني في حال مثالية، ولكنني على الأقل قادرة على التواصل مع نفسي، قادرة على التعبير عنها.

(2)

الأسبوع الماضي غالبت ميلي للانطوائية ولبيت دعوة للمشاركة بإحدى الفعاليات النسائية. أتمنى أن تمسح هذه النظرة عن وجهك فهو لم يكن حشدًا للنساء الغاضبات اللائي ينددن بكل شيء ويوجهن اللعنات للرجال على كل شيء. كان حدثًا لطيفًا تنظمه إحدى المجلات النسائية، يتضمن فقرات عدة بينها ورشة قصيرة لتعليم رقصة الزومبا، وجلسة للتعارف والكثير من الطعام وبعض الألعاب.

كان يوم لطيف لم يجعلني أندم أبدًا أنني غادرت منطقة راحتي. لم يكدر صفوه سوى بعض الرسائل الإلكترونية من العمل. حين غادرت المكان كنت أخف. اكتسبت بعض الأصدقاء ووردة مزروعة في أصيص قدموها لنا كهدية.

أحببت الوردة جدًا. كنت أتمنى منذ وقت طويل أن أحصل على واحدة ولكنني كالمعتاد لم أخذ أي خطوة لتحقيق هذه الأمنية، ولا أعرف السبب. أو ربما اليوم عرفته، حين ماتت الوردة.

فشلت في الاحتفاظ بالوردة. لا أعرف هل هذا لأنها أتتني طواعية دون أن أعاني للحصول عليه، أم لأنها عاجزة عن النطق ككل شيء آخر يطالبني بوضوح بالاهتمام به والقيام بمسئوليتي تجاهه!

أضعت وردات كثيرة من قبل ولا زلت أفعل، كل أولئك الذين يعجزون عن مطالبتي بالاهتمام بوضوح أفقدهم، كل من يفشلون في تحمل عجزي عن الاهتمام بشكل متواصل أفقدهم.  كل الفرص التي لا يُصادف مرورها في حياتي كوني مضطرة لالتقاطها أفقدها.

أتألم لذلك ولكنني لا أفعل شيئًا. الأسوأ أنني أصبحت أشعر بالراحة كلما فقدت المزيد، كل ما/ من أفقده يحررني من خوف فقدانه، يجعلني أخف! ولكنني الآن أخف من أن أتمكن من الثبات على الأرض!

كل ما في الأمر أنني أدرك تمامًا أن الآخرين ليسوا مضطرين لاحتمالي، ولا أطالبهم بذلك، لكنني أمتن جدًّا لهم حين يفعلون. وكل ما أخشاه، أن أشبهه، أتحول لشخص مؤذٍ يتلذذ بإيلام من قرروا احتماله، محبة لا اضطرار، وكأنني أقول لهم “اشربوا بقى”!

(3)

هذا ليس عدلًا!  أسوأ ما يحدث في حياتي هو ما لخصه “عماد أبو صالح” حين كتب “كنا نمسح دموعنا ونقول : “لايهم حين نكبر سنكسرهم أيضًا”.. إلا أنهم وحينما تأتينا الفرصة المناسبة ينكسرون من تلقاء أنفسهم”. أغلب من أساءوا لي حين حانت لي الفرصة للرد عليهم كانوا أضعف من أن يمكنني أن أقسو عليهم. يرى البعض في هذا عدالة من السماء وردًا من الله على ما ارتكبوه بحقنا دون أي تدخل منا. ولكن هذا الغضب المكبوت داخلي لا يسكته ضعفهم! المرارة لا تزال بحلقي ورغبتي في انتزاع حقي بنفسي تحرقني من داخلي.

أسوأ ما يفعله من يسيئون إلينا هو حنانهم، أو تظاهرهم بالحنان. هو ليس اعتذار كي يبرد قلوبنا، ولا هو المزيد من القسوة التي تجعل رصيدهم لدينا ينفد تمامًا فنثور عليهم ونصارحهم بكل ما أوجعنا. هذا التأرجح بين القسوة والحنو يضيع أعمارنا في الحيرة؛ لأننا لسنا أنانيين بما يكفي لنفعل ما يريحنا بغض النظر عن مدى قسوته على الآخرين.

أحيانًا أكره هذا النوع من الأشخاص “الطيبين”. تستفزني “طيبتهم” التي تمنعني من مصارحتهم بما يوجعني، بأخطائهم الغبية التي تتكرر ولا يمكنني أن أضع لها حدًا لأنني كلما شحذت قسوتي وغضبي لأواجههم يستقبلونني بوجه طفل لا يمكنني أبدًا أن أصفعه بكلامي!

أحيانًا ما تكون مواقفنا الصبيانية مريحة يا صديقي. يفيدنا أحيانًا أن نتحلى ببعض الأنانية وألا نملك تلك الموضوعية التي تجعلنا نرى الأمر من كل الزوايا ونضع أنفسنا مكان الآخر، نتفهم موقفه ودوافعه ونشفق عليه ونعجز عن كراهيته بشكل مطلق أو الغضب منه. هذا الشعور متعب جدًا؛ نتمزق بين الغضب لأنفسنا والتسامح مع الآخر وعدم القدرة على صب اللعنة عليه وتصوره شيطانًا خالصًا لأننا نعي تمامًا أنه ليس كذلك. نشعر ببعض الحنق حين نضطر في النهاية للتسامح مع هذا الآخر لأننا ننعم ببصيرة لم يحظ بها وتفهم لم يملكه.

كتب “عماد أبو صالح” أيضًا: “المنسي، الصعب، الحتمي هو أن تكره الأم. حبل الحنان الذي يلتف كحيّة حول رقابنا. القاتلة المحترفة بسلاح الحب. الكيان الهش الذي يسحقنا بضعفه ونرتعب طول الوقت من أن نرد أذاه فنكسره” هذا تحديدًا ما أشعر به تجاه الكثيرين، أكره هشاشتهم المعلنة والواضحة والتي تستجديك أن تحتملهم لأنك أقوى وأعظم. فيما تتأمل أنت هشاشتك الداخلية ولا تعرف هل تلعن تخاذلهم تجاه نفسهم أم قسوتك على نفسك.

أكره هؤلاء الذين يحملون طول الوقت لافتة “قابل للكسر” ويطلبون منك في كل لحظة أن تنتبه إليها، بينما هم يجرحونك بخناجرهم، وإن تذمرت يذكرونك أن قواعد اللعبة واضحة من البداية. هم أعلنوا شروطهم بينما أنت لم تعلن خاصتك، فلتبتلع سخطك وتتحمل في صمت.

أحيانًا أشعر أنهم أقوى مني. أنهم يمتلكون من الشجاعة ما يكفي لكشف هشاشتهم بهذا الوضوح ومواجهة العالم بها، بينما أحاول أنا إخفاؤها وإنكارها كوصمة فأحمل عبئها مرتين.

عن الكتابة كمحاولة للتعافي.. جزء حصري من كتاب “عزيزي رفعت” لسارة درويش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.