اقرأ الآن رواية مكاكي دي أفريكا “القرد الإفريقي” .. جزء حصري على آخر مترو

0

حصرياً على آخر مترو.. جزء من رواية مكاكي دي أفريكا “القرد الإفريقي” للكاتب مختار شحاته

جزء حصري من رواية مكاكي دي أفريكا

رفع رأسه بصعوبة، كانت عيناه حمراوتين للغاية، وبشرته السمراء تلمع باللون البرتقالي، وبهدوء أجابهما أنه بخير، لكنه شعر بالدوار فجأة، واعتذر لهما، ثم طلب من كاميلا أن تريه المخطوط من جديد، وراح يقرأه بصوت عال:

“أجابني جراندي آدولاه، وقال: كان ألفا أحمد هو معلمنا، ولولا ما يطلبه من مال لقاء إعلان الواحد منا إسلامه، لكان خلق كثر دخلوا الدين الحنيف، وحين وصلنا إلى حضرة الشيخ في الوابور التركي، قلنا له، فاقبل منا يا ألفا عبدو الرحمن الريالات الوضيعة تلك، وعلمنا لوجه الله، وهذه أيادينا نحن الماليزم نمدها لك؛ اقبلنا تلاميذ حضرتك يا سيدي الشيخ، واستر علينا من عسكر البورتكيز، يكفي ما حدث لنا منذ تمردنا قبل سنوات، أرجوك اقبل الريالات وأدخلنا إلى الإسلام واستر علينا، فإنا كُنا نظن أنْ لا مسلمين على وجه الأرض غيرنا وبقية من أهالينا من الهوسا والنوبي وغيرهما، أستحلفك لا تردنا يا ألفا عبدو الرحمن، لقد أرسلك الله لنا، نحن أولاده المساكين، و لولا أن الوابور ضلَّ طريقه في البحر العظيم، ما جئتنا يا شيخ عبدو الرحمن، ولا نجونا من لؤم وخسة ألفا أحمد الطنجي، نرجوك اقبل هذا المال؛ لعل الله يقبل دخولنا دين الإسلام. لا ترفض يا شيخ عبدو الرحمن، نحن الفقراء إلى الله نرجوك”.

انتهى محمد مصطفى من القراءة، تدريجيًا عاد إلى حالته الطبيعية، ثُم رفع رأسه وبدا أن عينيه تعود تدريجيًا إلى لونهما الطبيعي، وسأل كاميلا:

– هل يوجد في المكتبة أي أوراق أخرى تشبه هذا المخطوط؟

– لا أعرف، الحقيقة لم أهتم بالبحث، لكن أظن في الأرشيف مخطوطات كثيرة، لكنها بحالة غير جيدة، وأذكر أننا قبل عامين حين كُنا نعيد ترتيب الأرشيف، أعطينا بعض المخطوطات نفس رقم هذا المخطوط. انتظراني قليلاً.

عاد محمد مصطفى ينظر إلى المخطوط بعناية، وبدأ يقربه من أنفه ويتشممه كقط، بينما فريدة ظلَّت إلى جواره واقفة، تمسد رأسه وتسأله إن كان كل شيء على ما يرام. دون أن يرفع رأسه عن المخطوط مدَّ يده إلى يدها على رأسه وأمسكها، وقال بأن كل شيء على ما يرام.

– لا داع للقلق يا فريدة، عائلتنا كلها مشهورة بمثل هذه الحالة، يبدو أنه نوع من الصرع أو خلل في الجينيات.

  رفع رأسه وابتسم لها، وسحب يدها الأخرى وقبَّلها، وكان لحظتها في عين فريدة هو نفسه مصطفى عبد الرحمن.

– لا تخافي يا فريدة، لستُ مستعدًا للموت الآن.

من أين له أن يتشابه كل هذا الشبه مع مصطفى عبد الرحمن؟! حتى نفس الجملة التي قالها الآن، قالها مصطفى قبل سنوات طويلة في القاهرة. كان أمضيا يومًا طويلاً في المواصلات بين القطارات وسيارات الأجرة، وصولاً إلى دير “العدراء” في جبل الشرقي بحي الكوثر في أخميم. بصعوبة لحقا بالقطار قبل أن يتحرك من محطة رمسيس في القاهرة، وحاولا النوم إلا أن ضوضاء القطار وجلبة الركاب والباعة طردت النوم من عينيهما، فاكتفت بأنْ تختفي في صدره طوال الطريق تقريبًا، هربًا من نظرات الكثيرين من الفضوليين إليهما، وإلى ملابسها اللافتة. في محطة السيارات طلبا سيارات أخميم، استأجرا سيارة متهالكة وانطلقا. في الطريق طلب مصطفى من السائق الشاب الذي لم يتوقف عن التدخين طوال الطريق، أن يقلَّهما إلى قرية الحواويش، فهما يرغبان في زيارة دير العدراء في الجبل الشرقي.

– مدد يا أم النور. أنتم مصريون يا بيه؟

ابتسم مصطفى له وأخبره بأنهما قادمان من القاهرة، وأن فريدة تدرس تاريخ الرهبنة في مصر، وتتحدث العربية بطلاقة رغم كونها من البرازيل. رحَّب بهما السائق بحرارة، وقال مبتسمًا:

– الخواجاية شبه نسائنا كتير يا أستاذ. نورتونا… قل لها بأن أمنا مريم العدراء رآها القديس توما يوم نياحتها، وكان في الهند، فعاد بسرعة وقام ببناء كنيسة فوق الجبل، في المكان الذي حملت الملائكة جسد أمنا مريم وطارت إلى السماء.

ابتسمت فريدة التي كانت تسند رأسها إلى كتف مصطفى، وقالت للسائق بعينين مغمضتين:

– أنت مذاكر التاريخ كويس.

– دا تاريخ أمنا العدراء يا خوجاية يا قمر أنتِ، ولا بد نحفظه ونعلمه لأولادنا.

في الجهة البحرية من الدير، وبينما كانا ينظران نحو منطقة القَلالي المطلة على كنيسة الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا، سألت فريدة مصطفى إن كان هناك مكان للاعتراف داخل الكنيسة.

– هل تحولتِ إلى المسيحية يا فيري؟

– لا، لكن أريد أن أعترف هنا بأنك حبيبي. أحبك يا مصطفى.

اقتربت منه لحظتها واحتضنته بقوة، وطبعت قبلة على كتفه الأيسر، ولولا دخول أحد الآباء إلى المكان، لظلت في حضنه طويلاً.

في نهاية الزيارة استأذنا أن يبقيا في الدير ويبيتا ليلتهما فيه، لكن لم يكن ذلك ممكنًا نظرًا لأعمال الترميم القائمة في المكان. في طريق عودتهما شعر مصطفى ببعض الحرارة تسري في جسده، ولم يهتم، إذ كان يرغبان في العودة إلى القاهرة ما داما لم يتمكنا من المبيت في الدير، وأسرعا نحو سوهاج عائدين. في القطار إلى القاهرة ارتفعت حرارة مصطفى للغاية، وكادت الساعات في القطار تتحول إلى كابوس. في المحطة الجيزة غادرا القطار وأسرعا بالتاكسي نحو مستشفى أم المصريين، وهناك في الاستقبال أخبروهما بأنها ضربة شمس شديدة، وأنه يحتاج إلى الراحة وأعطياه بعض الأدوية. في حجرة الاستقبال بالمستشفي كان ممددًا على سرير وإلى جواره محلول معلق ينتهي بإبرة في وريده. نظر مصطفى نحوها وقال:

– لا تخافي يا فيري، لستُ مستعدًا للموت الآن.

انحت فريدة وطبعت قبلة على رأس محمد مصطفى، بينما كانت كاميلا تضع حافظة أوراق على المكتب أمامها. كاميلا تعرف عن فريدة أكثر مما تعرف فريدة عن نفسها. دومًا تشفق عليها، وتشعر بأن هناك مسئولية قدرية ألقاها القدر على عاتقها تجاه فريدة، ولا تعرف الأسباب. قالت لها مرة في القاهرة حين صفت بينهما الحياة كصديقتين تدرسان في القاهرة، بأنها في المرة الأولى التي رأتها فيها شعرت بأنهما لن تنسجما، لكن لا تدري كيف تسللت فريدة إلى قلبها؟ بررت لها أنها منذ زمن بعيد بينما كانت في الكنيسة سمعت أمها روز تدعو المسيح المصلوب بأن يهب لابنتها أختًا أو أخًا، فهي تخاف أن تتركها وحيدة في الحياة.

– المسيح المصلوب أرسلك إليّ يا فريدة.

– وهل لم يجد المسيح غير ملحدة مثلي يا كاميلا؟! بكل حال أنا أحبك.

اقرأ أيضاً على آخر مترو روايات حصرية

حصرياً على آخر مترو.. جزء من رواية القرد الإفريقي للكاتب مختار شحاته- رواية مكاكي دي أفريكا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.