“الحب في زمن الجي بي إس” قصة قصيرة للكاتب شريف العصفوري

0

“الحب في زمن الجي بي إس” قصة قصيرة للكاتب شريف العصفوري

تعلقت بها لم تكن أبدا في منظور القادم و لا في رؤية المستقبل ، و لكنني أحببتها و انتهينا ، ينمو الحب بالحنان ، تسقيه بعض المبادرات ، اللطف ، السؤال ، التوق ، نعم التوق للذوبان في حضن ، كان اللمس صعبا و غير متخيلا ، مدينتنا مزدحمة و سكانها طوال الألسنة ، طفيليون و متطفلون ، مرضى نفسيون، شبقى ومضطربون، تتنازعهم مثل عليا فوق السحاب و هم غرقى في كل سافل الافعال ، لا يقاربون المثل بِمَا يفعلون و لكنهم كلهم مسرور السياف، على الأقل بألسنتهم .
أردنا المشي على شاطئ البحر ، أن نتخيل ان العالم قد خلى من كل أثقاله من الاشياء و البشر، وأن نعيد قصة حواء وآدم، دون شجرة تفاح أو جميز، دون حية أو شيطان، تجولنا في ساعات الصباح الباكرة، تخيرنا السماء الماطرة أو السماوات العابسة بغيوم تحجز الشمس، مشينا دون مقصد و دون سوء قصد، أعجبتنا الغمامة و المطيرة ظهرها وعصرها، ابتللنا قبل أن نعود إلى مظلة المطر، اعتقدنا أن ماء السماء مباركة لنا، إغراء لتكرار المشي والتجوال بين سحاب السماء و رمال البحر.
تواعدنا كثيرا في نفس المكان، و ذهبنا لعين المكان، بين السماء و البحر، قالت سأحضر إفطاراً المرة القادمة، أفطرنا سوية في كل مرة تقابلنا، شربت الشاي و فطائر الجبنة، تحليت بالكيك، بالشيكولاتة هي كل حلواي، الشيكولاتة هي لون البشرة تحت شمس الصيف على حافة البر مع البحر، أصبحنا نعيش على الحافة بين الوله و العشق، لا أعلم أيهما بالغ الشدة؟ طلبت هي الحضن الأول، كان صامتا طويلا، شلت فيه الحركة، و ما تحركت إلا أمواج البحر و النوارس، ومتطفل يعرض إيجار شمسية، كانت السماء مغيمة كما نحبها دائما.
ألف ميعاد و ميعاد، كلت كليلة أو تعبت، صار طقسنا حضننا الصامت، ما عدت أطيق الصبر ، قبلت رأسها المحجب ، ألف قبلة و قبلة ، ثم القبلة الثانية بعد الالف مباشرة على الشفاه ، شهقت و ما عادت تستطيع التنفس ، ضربت بكلتا كفيها على الجوانب، صرخت: دعني أتنفس، أجبتها ما حاجتك للهواء و قد اعطيتك رئتاي؟
عندما تكرر طقس العناق، تحررت أذرعنا من وصايا الوعاظ، عصرتها عصراً، عرفت من لمساتها عقارب سويعات اللقاء ، متى نعانق ، متى اقبض حتى أسمع طقطقات عظامها، متى اترك حتى تسيل من بين ذراعيّ، متى نهم بالعودة إلى الأرض بعد طواف السماء.
كثيرا ما رن هاتفها الجوال، اتفقنا على تجاهل كل المهاتفين، والتثاقل عن أي نداء، ألح الهاتف في الرنين والضوضاء، تهيأ لي أن الرنين يحمل بين طياته غضب و سعار طلب، مرة وحيدة، قطعت ما أنا فيه، طلبت منها أن ترد، ردت ففوجئت بسيل من الصراخ و العويل الغاضب، لطمت حبيبتي، لأول مرة ينتهي عناقنا باللطم، سألتها: ما الواقع؟ قالت: والدها طلبها و لم تجبه، فاختلق عذرا للحديث إلى جارتها هديل وهي عروسة جديدة وزوجها ضابط أمن وطني، اختلق قصة عجيبة، أنه رفض خروجة لها في رحلة مع الكلية، وأنها حبيبتي قد هددته بالانتحار ، و يريد اللحاق بها قبل أن تفعلها المجنونة!
سألتها: “وبعدين؟” قالت: أبي و شقيقي وشقيقتي وهديل ورامز زوجها الضابط عند المسجد أول الطريق، وأن والدها يقول أن رامز استخدم إمكانيات الأمن الوطني لتحديد مكان الهواتف المحمولة مثل مسلسل الاختيار ٢ ، و أن برنامج المواقع جي بي اس قد حدد موقع هوائيات المحمول و أوصلتهم الى محيط المسجد ، قلت لها: بسيطة، ادخلي المسجد من عند الميضة، و بللي ثيابك و اخرجي دامعة و مهدلة و ابكي بحرقة، اصرخي في رامز “الحمد لله، كدت أفعلها وأنتحر، لولا هداية الله وهاتف سماوي جاءني أثناء وجودي بالمسجد”.
رامز ابتلع القصة بكاملها، بكى شقيقها و شقيقتها، ظل والدها صامتا لأيام طويلة، ثم فاجأها ذات مرة، و سألها: مع من كنتِ؟

“الحب في زمن الجي بي إس” قصة قصيرة للكاتب شريف العصفوري

قصص قصيرة وأجزاء من روايات حصرياً على اخر مترو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.