روايات 2022 | حصرياً مقاطع من رواية تماثيل الجان للكاتبة سمر نور

0 116

روايات 2022 | حصرياً مقاطع من رواية “تماثيل الجان” للكاتبة سمر نور على موقع آخر مترو

ما رَواه عُمَر

ورقة محمد ما زالت في جيبي منذ ليلة أمس.

تكشف السَّماءُ عن جُزءٍ من وجه الشمس، تستعدُّ لتجفيف ما تبقَّى من أثرٍ لفِعلَتِها النَّادِرة في الليلة الماضية، أشعر أنني أقوى الآن، امتلأت بطاقَةٍ وحيويَّة مؤقَّتة تجعلني أستطيع الذهاب لزيارة أهل باسم والاطمئنان عليه وعلى أهله بعد سَفَره، حتى الرسائل الإلكترونية لا يردُّ عليها، ولا أعرف ما دار بينه وبين محمد بعد مقابلتنا الأخيرة في المقهى، طالما محمد لديه عنوان باسم، فهذا يعني أنه زار أهله بالفعل، ماذا فعل هذا الدَّجَّال؟!

قليل من الفضول قد يُجدي، ويبعد ذهني عن آلام جسدي التي لا تزول، تَخفُت أو تتفاقَمُ دون سابق إنذار، ودماء تَخرُج من فمي وأنفي وفتحة الشَّرَج. كنتُ أُخفيها عن دنيا حتى كَشَفَت سِرِّي؛ فغادرتني ولم تَعُد. قالت لي من قبل إنها لا تنتظر النهايات، ونهايتي تلوح على الطريق، أراها ولم أَعُد أقاوم.

طلب الطبيب فحوصات عديدة؛ أجريتها جميعًا، ولم تكشف عن شيء. رفع صور الأشعَّات ذات الظلال الغامضة على مسافة من نظره، عَدَّل من وضع نظَّارَته ثم خلعها في عصبية، وقرَّب الأَشِعَّة أكثر من مرمى بصره، وبعثر الأوراق المصاحبة لها على المكتب أمامه مُحرِّكًا رأسه ذات اليمين وذات اليسار، ونصحني بالعرض على طبيب نفسي. ثالث طبيب يحيلني إلى آخر، والرابع أيضًا احتار في أمري. إلى أين أذهب؟! الشارع يُفضي إلى حارة، والحارة إلى أخرى، ومَن يسأل في شوارع القاهرة يَتُهْ، ومَن يَتُهْ يَصِلْ ولو بعد حين؛ عَبَثُ المدينة هو منطقها الوحيد.

وصلتُ إلى بيت صديقي. بيت قديم من طابقين، يحتلُّ ناصية بين شارع وحارة. رُمِّمَت واجهته حديثًا، وُرفِعَت على أعمدة جانبية. يبدو بناءً غرائبيًّا بواجهته القديمة التي تتناثر على شُرفَتها المتَّسِعة زخارف إسلامية، بين أجهزة التكييف التي تطلُّ من الجدران الخارجية، والإنتركم المثبَّت بجوار البَوَّابة الحديدية، كأنه حائِطٌ لعَملٍ فَنِّيٍّ حَداثي، يمزج الأصالة بالمعاصَرة، كما يقول النُّقَّاد. أفاجئ نفسي بعبارات منحوتة تستدعي السخرية، فلا أستطيع كتمان ضحكاتي، وأنا أضغط على زِرِّ الإنتركم مُحدِّثًا شخصًا ما عبره؛ فينفتح الباب على عالم آخر، السلالم جرانيتيَّةً تقودك إلى أرضية سيراميك أبيض وأسود كمُربَّعات الشطرنج. ثم تجد نفسك أمام باب من خشب الأرو، ينفتح لتجد شيخًا لطيف المعشر يُرحِّب بك، يُدخِلُكَ إلى جَنَّته، ويدعوك إلى طيبها. مُدَّ يدك ولا ترفض يَدَ كريم.

كل ما مَرَرتُ به في هذا البيت يَنمُّ عن بَذَخٍ ورفاهية، لكنه لا يعكس أيَّ ذوق. والد باسم رَجُلٌ لطيف المعشر، تاجر أقمشة يمتلك محلًّا مشهورًا. يُحدِّثني عن أولاده الذكور الذين يعملون معه في تجارته، لم يَشذَّ عنهم سوى صديقي. ما فهمته من باسم أن والده كان يأمل في أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا يفتخر به، لكن باسم لم يتأهَّل إلى كلية الهندسة فالتحق بكلية الفنون الجميلة، وخاب أَمَلُ والده، بينما تَحقَّق حلم باسم. شخصية باسم منسحقة تحت سطوة والده، الذي يملك المال والسُّلطة. سافر ليستطيع الاعتماد على نفسه بعيدًا عن كل هذا الثراء. قرار ثَوريٌّ بالنسبة لابنٍ خانِعٍ تَربَّى على الامتثال لأوامر صاحب البيت الغرائبي. ليس لدى صاحب السُّلطة سوى ابنةٍ واحدة بين خمسة أولاد: سامية… الجارية السوداء التي حكى باسم عن عِشقِ الجِنِّيِّ لها.

سامية

ينادي الأب عليها فتُلبِّي النداء في التو، كأنها تنتظر خلف الباب. تدخل حامِلةً كوبًا من العصير على صينية فضية، خلفها الأم والخادمة بأطباق الفاكهة، وجهٌ خَمريٌّ بشوش، وملامح رقيقة، وذقن مسحوب ينتهي بطابع حُسنٍ. يبدو أنها ترتدي عدسات زرقاء قاتمة لا تُناسِب لون بَشرَتِها، يشوب بَياضُ عينيها الضيِّقتين احمرارٌ بسيط، ربما من جرَّاء عدم اعتيادهما على العدسات. تظهر خصلاتٌ من شَعرِها المصبوغ من طرف الإيشارب، وتتدلَّى على جبينها بتعمُّد. كل شيء فيها مُصطَنَع على الطريقة الشعبية، لو توافَرَت لها الفرصة لأكملت التَّصنُّع على الطريقة الحديثة، وحُقَن الكولاچين، والفيلر، وعمليات التجميل. أتخيَّلها وجهًا مستنسخًا يشبه كلَّ نجوم الڤيديو كليب والإعلانات، وجهها بدون المساحيق والأصباغ والمؤثِّرات الصناعية سيكون أجمل بكثير.

كيف يراها خُطَّابها قبيحةً إلى هذا الحد؟ هل كل ذلك مجرَّد مصيدة له؟ كل هذا كي يأتي اليوم ويراها! “اخطُبْ لبنتك ولا تخطب لابنك”، مَثَل قديم، لكني لا أعتقد أن هذا تفكير باسم… ربما محمد… إنه محمد… محمد من جديد.

الهروب ليس اختيارًا. إنه الحل الوحيد قبل أن أنزف من جديد، وقبل أن أنهار من الضحك. أعتذر بحجة ارتباطي بموعد، مع وعد بزيارة أخرى، وتبادُل لأرقام الموبايل.

 أي موعد، وأي أرض يمكن أن أرحل إليها الآن؟ هل أعود إلى شقة دنيا المثقلة بعطرها؟! أتمرَّغ مع ألم مَرَضي على سريرها، أم أنتظر امتصاص الموت لدمي قطرةً قطرةً. خارج البوَّابة الحديدية شجرة عتيقة تنتصب وحيدة أمام البيت، أحتمي بظِلِّها وأرقب ظِلِّي، الذي لا يشبهني، كأنه لكائِنٍ آخر، كائن يرافقني كظِلِّي، ولكنه ليس بظِلِّي!

ربما كان حبيب سامية الخرافي، الذي يطارد خُطَّابها، “أنا لستُ عريسًا أيُّها الجِنِّيُّ”، يُضحِكني ثَباتُ هذا الظِّلِّ، كأنه لا يأبه بضحكي. “عروسك بالداخل تنتظرك بكامل زينتها”، لا يغادر الظِّلُّ مَوضِعَه، ولا يأتي السائق الذي طلبته عبر أبلكيشن الموبايل، رغم أن الخريطة المرتسمة على شاشة الموبايل تعلن وصوله إلى موقعي، هنا عند ظِلِّي المزيَّف تمامًا، أصرخ في الكابتن على الموبايل: أين أنت؟ أنا هنا يا أستاذ، أصرخ فيه: أين؟ أجد عينين تُحدِّقان فيَّ، تُطِلَّان من نافذة سيارة ظهرت فجأة أمامي “أنا هنا يا أستاذ من خمس دقائق” السيارة واقفة محل ظلي المزيف، لابد أنه دخل لعروسته. أركب والكابتن المذهول ينطلق، حيث سجلت نقطة وصولي، وقد أصابه الخرس خوفًا من زبونه المجنون.

اقرأ أيضاً على آخر مترو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.