حصرياً.. “صوت الهدهد” قصة قصيرة للكتابة شيماء زايد من مجموعة “الركض على الحبل”

0

حصرياً.. “الهدهد” قصة قصيرة للكتابة شيماء زايد من مجموعة “الركض على الحبل”

خفيفة حدَّ التحليق.. تجوب الشوارع كراقصة باليه نبت لها جناحا فراشة للتوِّ..

وكأنها تستنطق كل المنعطفات البائسة؛ لتدلها على أشيائها الضائعة في رحلة استئناف الحياة اليومية..

تحتضن أوراقها، كتلميذة بزيٍّ مدرسيٍّ منفوش وجوارب بـ(كورنيش) أبيض وحذاء أرضيٍّ خفيف..
تمشط الطرقات بحثًا عن حلم كان ها هنا نابضًا في الخيال، وفتَّتَه تعاقبُ مدِّ الضغوط، وحملته أمواج الواقع بعيدًا.
المنزل القديم الذي سكنته طويلًا، لم تعدْ قادرة على تحمل قوانينه بعدما تحررت منها لبعض الوقت..
استعادة بعض ما فقد في مضمار العادي يدفعها للتفتيش داخل خزينة العمر عن ابتسامتها المطوية لتعيد حبكها فوق الشفاه..
يستدعيها بكاء الصغير.. تهرول إليه.. تضمه.. تداعبه حتى تتبدل حاله بالضحك المرسوم على ملامحه الدقيقة كلها.. حتى عينيه المترقرقتين بالدموع..

فمه المفتوح يشي ببروز لؤلؤة بيضاء صغيرة تخترق اللحم الوردي محاولة الظهور.. تلك التي يتجاوز بريقها تلابيب القلب.. تتسع ابتسامتها تحمله بين يديها عاليًا، ويدوران معًا بهُيام رقصة صوفية محاطين بالنشوة..

تخرج من ملابسها جهازَ تسجيلٍ رقميًّا صغيرًا.. تديره.. ينبعث منه حكايات مسجلة على ألسنة الحيوانات والطيور..
يبدأ الهدهد في تلاوة الحكاية..
تصيح بطفولة: اسمع ماما.. صوت ماما.
يتأمل الصغير أمه في دهشة.
السيدة المسنة تخترق المشهد بملامح تنطق بالتبرم.. تتساءل عن جدوى الأمر برُمّته، ساخرة من سذاجة ابنتها التي لم تقدر بعدُ كونها أُمًّا!
عقب وصلة ليست بالقصيرة من التقريع.. حملت صغيرها وتقوقعت داخل غرفتها..

حاولت تجاوز الأمر.. فتحت نافذتها الإلكترونية.. حمّلت المقطع الصوتيّ في محاولة لترميم فرحتها.. جلست تنتظر عبارات الدعم والتشجيع..
تصلها دعوة إلى الاتصال المرئي.. تقبلها، على الطرف الآخر وجهٌ شاحب يبتسم بهُيام.. يهنّئها باستعادة موهبتها القديمة، يشجعها على الاستمرار في التمثيل الصوتي، وإن كان الأمر تطوعيًّا، يكفيها أن يكون مصدرَ سعادةٍ لها..
جلست تتأمل عينيه الغائرتين وعلامات الوحدة والانكسار على قسماته، وتجيبه بالابتسام..

كم من الوقت مضى قبل سفره.. دون أن تنظر داخل عينيه مباشرة؟.. ومتى توقفا عن مطالعة وجهيهما؟..

هل أثقلت الأعباء ظهورهما حدَّ أنهما لم يستطيعا رفْعَ عينيهما عاليًا.. وهل كان سفره الحلَّ الأمثلَ لدفع الدَّيْنِ المستحَقَّ؟..
هل البعد حلٌّ لقتل مشاعر العجز داخله.. تجاه امرأةٍ اختارتْه رغم أنف الجميع؟.. هل كان عليها أن تظهر سعادةً كاذبة؟.. وكيف لها أن تظهر بريقًا انطفأ؟!
ظنَّا منهما أنهما قادران على ليِّ ذراع الكون من أجل أن يكوناْ معًا.. ولكنه كبَّلَهما معًا ظهرًا لظهْرٍ فازدادتْ وحشتهما..
أصبح لقاؤهما الافتراضي محاولة للكذب المشترك.. أصدق ما فيه ضحكات الصغير كاستراحة بين محطات الوجع.. إشراقته المطبّبة دافعهما للتحمُّل.
تخبره عن مفاجأة ابنهما الذي بالكاد يحبو، يتحايلان عليه طويلًا ليفتح فمه أمام الكاميرا؛ ليرى أبوه بزوغ أول أسنانه.. يتمنّع الطفل.
تبدأ في استخدام صوت الهدهد.. يستجيب الصغير فاغرًا فاه.
يلمع رأس سنَّه الدقيقة.. يتجاوز بريقها القلب المثقل حدَّ استئناف النبض..
يضحكون جميعًا.. تستمر في أدائها الصوتيّ
تفتح أمُّها باب الغرفة.. ترمقها باستهجان..يكتمانِ أنفاسهما جميعًا.. وتستمر ضحكات الصغير..

حصرياً.. “الهدهد” قصة قصيرة للكتابة شيماء زايد من مجموعة “الركض على الحبل”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.