غرفة مظلمة .. سردية جديدة للشاعر سالم الشبانه

0

نجوم فسفورية

ليلة باردة من ليالي فبراير, كان النهار مشمسا وبه دفء نسبي على غير المعتاد في هذا الوقت من العام، بسبب الرطوبة المرتفعة أصبح الجو في الليل شديد البرودة، كانت أصابعه وسيقانه شديدة البرودة أحس بألم كلسع النار فيها ربما لعدم وصول الدم إليها، لذلك يكره الشتاء ويكتئب طوال شهوره ويرجو أن تنصرم أيامه سريعا، شعر بألم في عينيه من طول التحديق في شاشة الكمبيوتر، فرك عينيه وتمطي، أوشك على الانتهاء من تصحيح الكتاب الذي يعمل عليه، قاربت الساعة الثانية صباحا؛ أطفأ جهاز الكومبيوتر، والدفاية الكهربائية في كسل، ثم أطفأ أنوار الصالة وأضاء نور الطرقة كيلا تخاف ابنته من الظلام بسبب صوت الرصاص والانفجارات التي تدوي ليل نهار منذ أربع سنوات، دخل حجرتها بابها مفتوح دائما في الليل، أحكم الغطاء حولها وقبلها؛ تمتمت بكلمات فهم منها أنها تقول: بحبك. غسل أسنانه في الحمام، ثم دخل غرفة نومه بهدوء حتى لا يقلق نوم زوجه، وصل موبايله بالشاحن الكهربائي على الكمودينو، بعدما ضبط المنبه على الساعة السادسة، وانسل تحت اللحاف، تململت زوجته عندما وضع ذراعه تحت رأسها تمتمت: لسه بدري. احتضنها بحنان غير مبال بكلامها. ينظر لنجوم السقف الفسفورية التي تلمع في الظلام، وجدها في الشقة عندما اشتراها، ربما كانت حجرة طفلة صاحب الشقة، تأملها بشجن، حاول أن ينام، لكن النوم كان عصيا، تناول هاتفه حاول أن يقرأ؛ تململت زوجته وقالت في حزم لا يناسب صوتها: عايزة أنام. هل غفا! تأمل الحجرة في الظلام كأنه يتعرف على محيطه، كان يحلم بامرأة تجلس جانبه في توتر تقبض على هاتفها حذرة، ربما كانت حبيبته، أخذه عنوة من يدها وأسرع به مبتعدا، أسرعت تجري خلفه خائفة، غاضبة، وهو يدور حول بيت كبير له حوش واسع وبه خرائب، البيت على شوارع أربع، يهرول وهو يبحث في الهاتف عمن تحدثه في أوقات متأخرة من الليل، لأنه كلما اتصل بها وجد خطها مشغولا؛ ولما كلمها في ذلك تعللت بحجج واهية، كان واثقا من كذبها، مع ذلك لم يعثر علي اسم الرجل الذي تسهر الليل تكلمه في سجل المكالمات، ظن أنها مسحته. اهتز زجاج شرفة غرفة نومه بعنف، حدق في الظلام، لم يفرق بين الحلم والواقع للحظات، كان صوت مطر يهمي بالخارج ونباح كلاب ضالة خائفة أو تتسافد يطغي عليه صوت الانفجار المكتوم الذي يهز شقته، ظهرت قوة الصوت في قلقلة زجاج باب البلكونة المغلق، ست انفجارات أو أكثر تخللها إطلاق رصاص عنيف لجنود الحراسة الليلية من أركان الحي متواصلا ومتواترا، ثم صوت قنبلة ضوئية أشد وأقوي تنفجر في صوت مكتوم عنيف. سأل زوجته التي قامت لتتوضأ: ما هذا؟ قالت: لست أدري. كانت تقف في ركن الغرفة مقابل السرير مترددة وخائفة. طمئنها، رغم أنه لم يخفِ قلقه: قنابل ضوئية يطلقها الجيش. قالت: ربنا يستر. مالك؟ مالي! كنت تتكلم وأنت نائم. بمَ تحلم؟ رد: يمكن من الإجهاد. حاول أن ينام، فكر في الحرب الدائرة منذ أربع سنوات، المداهمات، الإشاعات حول فحص الهواتف، ضياعها في أقسام الشرطة، أو سرقتها، ندرة الطعام في الأسواق بسبب منع الحكومة دخوله بغرض محاصرة الإرهابيين وتجويعهم، بالأمس عادت زوجه بيدين فارغتين وهي تبكي، بسبب تزاحم الناس حول كراتين طعام يوزعها الجيش. غفا مرة أخرى، حلم بامرأة تمسك يده في حنان كأنها تعاتبه، ثم اختفت فجأة. صحا بعد ذلك نظر في هاتفه كانت الساعة السادسة، فتح الفيس بوك لا جديد، لا أخبار عن عما حدث منذ وقت قريب، وضع الهاتف ثم نام. استيقظ بعد نصف ساعة كدرا بقي في السرير قليلا، ثم قام متكاسلا مكتئبا يشعر بغصة كعاته اليومية كلما نظر لصباح آخر تحت الحرب، في مرآة حمامه بصّ في وجهه وجد أنه قد شاب شعر رأسه وذقنه بياض على استحياء رغم أن ملامحه لا توحي بسنه الحقيقي. أخذ حمامه الصباحي ارتدى ملابسه بتمهل، امتعض وجهه بسبب متاعب القولون التي تشد في الصباح غالبا، وتعصبه أكثر. اتته زوجه بإفطار، رفضه ونزل سريعا لعمله. في الشارع كانت المدرعات الرصاصية اللون تحت بيته تشعره بالكآبة، عبر الشارع إلى الجهة الأخرى ليركب سيارة الميكروباص استوقفه عسكري الحراسة: رايح فين؟ نظر له مستفهما! رايح الشغل. هات بطاقتك. أعطاه البطاقة: على فكرة أنا ساكن قدامكم في الدور الثاني في العمارة دي. قال العسكري: بس أنا ما شفتك من قبل. أراد أن يقول له: أحسن، أنا رجل لا يرى. مدرس؟ أي نعم. في مدرسة أيه؟ عندك في البطاقة. أعطاه البطاقة في استعلاء. أخذها في غضب وهو يسب صحوه المبكر ومهنته. أشار لميكروباص: البلد. تعالى. وقف الميكروباص أمامه صعد، استعجله السائق: بسرعة يا أستاذ للكمين، يضربوا علينا.

***

رغبة القتل

العالم ليس جميلا، كتلة مطاط لزج تنثال بين أصابعي وتلتهم رأسي، كلما فكرت في حيلة للتخلص من الآخرين أجدهم أكثر حضورا مما سبق، في هذه الصحراء يكون عليك أن تحمي نفسك من خطر الطبيعة ومن خطر الحرب الدائرة منذ سنوات، لكن خطر الناس ورعبهم يتنامى في داخلي كعشب شيطاني. من أين جاءت أسطورة الشيطان المظلوم معنا نحن بني آدم! إنني خائف! نعم خائف من الشر الذي ينمو داخلي من ثقة الذكاء وقدراتي التي يسخرها السواد. كان سامي يحدث نفسه كلما مشي على جسر الوادي. اسم سامي نادر في عائلته وعشيرته بل وقبيلته، سبب له حساسية لأنه يطلق على الفلاحين.

***

حديقة الفحم

أعطى أبوه قرشا لكل واحد من أخويه ليشاهدا مباراة كرة القدم في بطولة كأس العالم في تلفزيون بالأبيض والأسود ماركة تليمصر تملكه عائلة فلسطينية في القرية مقابل تعريفة نص قرش فلم يكن التلفزيون موجودا إلا في بيتين من بيوت هذه العائلة التي احترفت البقالة وبيع الخضروات والفول المدمس والطعمية، وعندما طلب من أبوه قرشا كأخوته رفض أبوه وقال له نام أحسن لك. لم يعترض، ولم يصرخ مثل أخيه الأصغر جلس في الحجرة المظلمة غاضبا وساهما، سمع أمه تقول لأبيه: ليه ما اعطيته قرش زي إخوانه. قال لها يا امرأة، أنت عارفة أن عيونه فيها حساسية والتلفزيون غلط علي عيونه. أحس برغبة في البكاء ولكنه لم يبك، حين نادته أمه ليتعشى بشريحة من البطيخة ورغيف خبز خبزته على الصاج ادعى أنه نائم. قالت: مبسوط، نام من غير عشا. كان أخوته يقصون أحداث المباراة ويتعصب كل واحد منهم لفريق أو لاعب، يجلس صامتا، نظرت له أمه بحنان وحاولت أن تواسيه: خذ لك قرش. أيش أسوي بيه يا أمه. اشترى لك بيه حاجة تأكلها. مش عايز. التقط قطعة فحم من الراكية ومشى تجاه السور الطيني الذي يحيط بالبيت مسافة عشرين متر عرضا وثلاثين مترا طولا رسم عليه دوائر متصلة ببعضها وفي منتصفها عين باكية ويكتب اسمه بخط جميل ثم يطمسه باللون الأسود. صرخ فيه أبوه: بهدلت ايديك والحيط يا ولد ارمي الفحمة.

***

الكي بالنار

ضوء الشمس يؤذي عينيه، كان ينظر في الأرض عندما يمشي بسبب ذلك، عندما أصابه الرمد الربيعي وضعت جدته على رأسه قنعة أمه السوداء وأمرته بعدم الخروج من الحجرة والنوم طوال اليوم، كانت صخب أخوته وأطفال الجيران وهم يلعبون يجعله يبكي، القذى يغمر عينيه، بعد يومين ألتهبت جفونه مثل حبة بندورة ولم يكن يرى شيئا بسبب التورم حول عينيه، أخذته جدته لقريبة لها لتعالجه، قالت: هاتي حجر شافه من عند العطار بكره وهاتيه. في ضحى اليوم التالي ذهبت به جدته جلسن يتسامرن، شعر بالملل والغضب، نظرت له المرأة وقلبت جفنيه وبقطعة من قماش الصوف خدشتها بعدما سحنت حجر الشافه ثم ذرته عليها اشتعلت جفونه كان مثل فلفل، لم يصرخ، بكى ولم يتبين ذلك، مسح دموعه وأنفه في طرف ثوبه, ثم زادت حالته سوءا. وعندما رآه صديق والده عميرة قال: يا رجّال، أكويه، حط مسمار في نار الراكية ولما يحمرّ طبعه بيه في راسه، الكي يخلي عيونه يفتحن. صرخ: والله ما انكوي، بكى في رعب وحزن، رفض الكي حتى لا يعايره الأولاد, كما كان أقرانه يعايرون بعضهم بالتشوه في وجوههم ورؤوسهم.

***

البياض الفارغ

يشعر بالغثيان، حاجة ملحة داخله تدفعه بقوة لإفراغ معدته، أحس بثقل رأسه، كانت أفكاره تخبو كضوء شمعة في الريح، ما هذا الألم الذي ينهش رأسه! ليس صداعا، ولا كدمة؛ إنما هو أثر سقوط من علٍ، أصابع معدنيه تمسك جبهته حتى منتصف ظهره. تحامل على نفسه ووصل الطاقة في جدار الغرفة لعله يعرف ما الوقت يخيم علي الدنيا سكون ثقيل كماء الرصاص، لا كلب ينبح ولا نهيق حمار أو أزيز جنادب؛ سكون ثقيل. رفع باب الغرفة ستارة من الخيش دقت من أعلاها بمسمارين؛ فأصبحت كستارة. تنفس امرأته يأتيه هادئا منتظما زاد من إحساسه بالملل أولاده ينامون على الحصيرة المصنوعة من عيدان السمار أشتراها من بنها وهو عائد من سوق أمبابة خرج إلى الباحة الواسعة أمام الغرفة الوحيدة التي ينام بها وزوجته وأولاده جلس مسندا ظهره إلى الحائط أخرج علبة تبغه الصفيح فتحها وأخرج دفتر البفره وضع ورقه رقيقة بين أصابعه وباليد اليسرى وضع قليلا من التبغ في الورقة لفها بحرص ثم بلل طرفها بلسانه ومسح عليها بأصابعه يحب جدا هذه العملية يقوم بها بحب وسرعة وضع السيجارة في طرف فمه وأخرج القداحة من جيبه واشعلها مص الدخان بشبق نظر إلى جمله البارك تحت الشجرة في الباحة كان يجتر في نعاس زفر الجمل عندما أحس به ولكنه لم يكن في حاجة ليتملى به يشعر بهذا الشعور دوما كلما نام مع امرأته. منذ أعوام أخذت أمه ولده البكري حميد وذهبت مع الذين هجروا في النكسة، امرأته لم تعترض، بكت، كيف تأخذ ابنها منها؟ ولكنها رضخت لأمري. ترى كيف هو الآن؟ أمي جعلته ابنها الذي لم تلده بعدما نضب رحمها لا ترد له أمر ولا أحد يقرب ابنها أو يجرؤ على زعله تصطفيه بالطعام والشراب، زوجته عندها الآن ثلاث ولدين غيره فلم تعد تبكي حنينا لولدها واستسلمت للأمر الواقع.

***

دعوة الأم

وقف يتأمل وجهه في مرآة الحمام، وجد أن عينيه قد اتسعتا وبرزت وجنتيه كثيرا؛ برر ذلك بالإجهاد؛ فالعمل المتواصل من السابعة حتى السابعة في التدريس؛ يشعره بالبؤس الغارق فيه. كثيرا ما دعت أمه: ربنا يا بني يكرمك بالوظيفة وتقعد على كرسي باشا دا أنت مش حمل بهدلة. ابتسم ساخرا من دعوة أمه. جلست بجواره وقربت مقعدها. كان حضورها طاغيا ورائحة أنوثها تفغم أنفه. بدأ  العمل في تقدير درجات أوراق امتحانات الطلاب، اختارت العمل في مجموعته وتعمدت الجلوس بجواره، كلما تحرك ذراعه في الحركة الدائبة أثناء الكتابة في ورق التصحيح؛ يحتك بذراعها، أول الأمر ظنّ الأمر عفوا؛ ولكن تكرر الاحتكاك العفويّ ثلاث مرات. فكر ربما لا تقصد، ومن الممكن أن خياله المريض الذي يصور له أنّه دونجوان يفتن أي امرأة بسهولة. يتحدث دوما بثقة في أمور عامة عن  الحياة والناس والتردي الذي سقط فيه الناس. باغته رأيها: إن المثقفين معقدين ودمهم تقيل. فوجئ ولكنه ضحك بصخب، وقال نحن جميعا مرضى نفسيون. قام بتكاسل شعر بوخزات الألم في كتفه ورقبته؛ بسبب الجلوس الطويل والانحناء أمام الورق، حاول أن يبدو طبيعيا حتى لا يلحظ أحد توتره، وارتجاف شفته السفلى عندما يغضب، خرج ليلتقط أنفاسه المبهورة بفعل الغضب. زملاؤه ينادونه بالدون جوان؛ يجيد الحديث مع زميلاته، وبينهم شراكة في: الساندوتشات، العصائر، دفاتر التحضير؛ لكنهم لم يلحظوا شيئا مهما: إنه كأسطوانة كومبيوتر للقراءة فقط، لا تحمّل على أي جهاز آخر؛ فهن معه في أمان أمام الجميع، لأن المستر متزوج وله أولاد! 

خطر الشغف

يتلاشى الشغف مثل دخان يتطاير في الهواء، ربما تبقى رائحته عالقة بعض الوقت في الفراغ، تنطفئ الجمرة الملتهبة بمهل مع الوقت، في فورة الحب لا يدرك أن من يحبها امرأة عادية مثل كل النساء، بل إن عرق إبطيها ينشع في بلوزتها، والزغب ينتشر على ساقيها فتعاني من آلام نزعه بالسويت ساعات. سيلاحظ بعد ذلك أنها لا تجيد التعبير عن مشاعرها، فهي غالبا تحتد في التعامل مع من حولها بدون مبرر يستحق كل هذه العصبية التي تصبغ نبرة صوتها، قد يكون قلقها من اللعنة التي أصابت العائلة المفككة: أب سكير، يدخن بشراهة، بحظ قليل من وسامة أورثها لأولاده، وأم كسولة بإيقاع بطئ تنام كصخرة حتي وقت العصر، لا تشغل نفسها بإعداد الطعام إلا في المساء، جعلها هذا عصبية في الرد علي من يكلمها في المواقف المختلفة، كأنما تحاول أن تثبت ذاتها المشتتة، في بيت لا يلتقي أفراد عائلته إلا في منتصف الليل أو لا يلتقون، إذ يعودون من العمل متعبين، لا يتكلمون إلا لضرورة، ثم يدخلون للنوم دون أن يتشاركوا الطعام إلا في أيام الإجازة. ذاكرة الجسد عصية مزعجة ولا تخفت، يتذكر رائحتها المثيرة رائحة الأنثى الشبقة، يتذكر رهان القبل وهما يلعبان لعبة وصلة علي الهاتف؛ إن أجاب الإجابة الصحيحة يقبلها، وإن هي خسرت أيضا يقبلها، رغم السرير الرث الذي ينامان عليه كانا مستمتعين، وذلك لا يحدث كثيرا، يتذكر دائما في لحظة مضيئة توتر ساقيها لحظة النشوة وصرختها الخافتة، طريقتها في الآكل ومصمصة أسنانها بصوت مسموع وهي تنظر للآخرين بفضول في المطعم، الجسد يتذكر مثل طفل لحوح وكثير البكاء طوال الوقت، مطالبا بالكثير، متع المغامرات التي كانت تتم خلسة في فنادق رخيصة في الغالب علي فترات متباعدة.

الآن، يدرك أن ثمة كذب يترسب كأحماض كاوية في الصمت، في هذه اللحظة تنط الخيانة بوجهها القبيح حين يشم رائحة الرجل الآخر في صوتها. للحب طعم صراع ديوك لا ينتهي إلا بفقأ عين الديك الآخر، دائما ما يتصور الحب هكذا، احتياج باهظ يجعل الإنسان يقف مرتبكا علي حافّة خطرة ويحدّق في هوّة سوداء بعيدة. أحسّ شيئا ناقصا لا يدركه بعقله، لكن ذكاءه الوجداني يلتقطه بكثافة مزعجة، حتى في ذروة الرغبة الجنسية وهي ممتلئة به كان هناك شيء ناقص. يناور كقناص، ليعرف المدخل لنقص المرأة، يتسلل إليه بنبل كاذب متقن، بعد بسنوات أدرك أن جسدها الرشيق المثاليّ مقصلته، حين قشر حنينه ورغباته التي كانت تنمو كعشب شيطاني مرعب ومؤلم، حاول أن يبكي لم يستطع، كلما وقف أمام صورتها علي شاشة اللاب توب يفكر لماذا يحتاج الحب لخيانة وكذب كي ينضج؟ لماذا لا نبصر الحبيبة إلا بعدسة مكبرة لا تستطيع الإلمام بصورة كاملة، واضحة، وحقيقية، مع الوقت يصبح الجسد الأسطوري غير ملفت للنظر وعادي برائحة عرق تنز من إبطيها وتنطبع علي ملابسها التي بلا طريقة مميزة في الأناقة، ومشيتها الغريبة إذ يميل جسدها ناحية اليمين وتحرك ذراعا واحد بشكل أخرق، وتدفع قدم بتباعد بسيط عن جسدها جهة الخارج؛ مشية لا أنوثة فيها. في هذا الأصيل الصيفي يتذكر سامي ذلك الشغف الذي ضرب جسده لسنوات، الغريب في الأمر أنه كلما عرف امرأة لفترة وحدث بينهما تقارب يجد فيها صفة يكمل بها صورة امرأة مثال في ذهنه، أنهن غالبا ما يشعرن ناحيته بانجذاب هادئ ومتوتر، ربما بسبب طريقته المبالغ فيها في الحميمية أثناء الحوار حيث يناديهن بأسمائهن دون ألقاب، ويستثمر معرفته ومعلوماته الغزيرة في الحديث في أكثر المواضيع عمقا، وحلّ مشاكلهن بلغة مخادعة توحي بلغة العلم، ثم يصبح هذا بعد ذلك عبئا منفرا. فنجان قهوة بارد أمامه علي الطاولة الواطئة، الهاتف صامت بلا إشعارات، يبحث في مواقع التواصل الاجتماعي عن شيء ما يشغله عن هواجسه والتفكير في الماضي. لماذا كلما بدأ علاقة مع امرأة تنتهي هذه العلاقة نهاية مبتورة! صرخت فيه: أنت متسلط، دعني اتنفس يا أخي، لست قاصرة، وقادرة علي إدارة حياتي. بدا ذلك غريبا وصادما له، أحاول أن أبعد عنها خطر الرجال الطامعين فيها، الذين تستفزني دائما نظراتهم النهمة إلى جسدها، وغمزهم كلما مرت أمامنا، يشعر أنها يستمتع بهذه النظرات الفضولية. ارتجاف يده عندما يحاول أن يزرر قميصه وانفلات الزر من العروة، يجعله عصبيا، كانت يدا أبيه ترجف بعنف قبل أن يموت ميتته الغريبة في خليج الماء، حتي أنه لا يستطيع أن يمسك بكوب الشاي دون أن يتناثر الشاي علي يديه وثيابه. إن كان ذلك نذيرا، فلماذا لا ينسى هذا الجسد وتظل ذاكرته ناصعه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.