“أسنان بيضاء تلمع” قصة قصيرة للكاتب شريف العصفوري.. حصرياً على آخر مترو

0 95

أسنان بيضاء تلمع قصة قصيرة للكاتب شريف العصفوري.. حصرياً على آخر مترو

يحب أن يكتب يومياته ، هيئته لا توحي بما صال و جال في شبابه، جيله من حارب وعبر و سّرح، أكاليل الغار محجوزة للكذابين أو الصامتين عن الحق، لم يعد هناك حظ، فلو كان له حظ لأنجبت أمه بنات فقط إلا هو، أو ما قامت حروب إلا بعد اطمئنوا أنه إما صغير يحبو أو شيخ فقد أسنانه. ولكنه تخرج من الجامعة عام ١٩٦٨، متزامنا مع حاجة الجيش لمثله.
المهم عاش تجربة الحرب، و رأى الموت و الجرح و النجاة، الصعوبة و القسوة و الفوضى و الحظوظ كلها ، ست سنوات قضاها منها خمسة كضابط احتياط ، انتهت الخدمة و صار حرًا طليقا ، انسان مدني مرة أخرى و يطالبه الجميع بتكرار حلقة الحياة ، من الزواج و الانجاب ، القلق على الأطفال من الحمى ، و الجري بهم إلى الطبيب، خسران النوم بالليل، وزيارة الناظر ووكيل المديرية لاستثناء دخول الحضانة، و التحويل من فصل إلى فصل . لكن مشكلة بسيطة حدثت أثناء الحرب ، ازمة سكن خانقة ، و لم تعد المحافظة توزع شقق على الشباب ليتزوجوا ، صار هناك قوائم انتظار ، ربما يأتي دوره قبل بلوغه سن المعاش ، المرتبات صارت شديدة التدني بعد ثباتها لعقود ، كل شئ صار غاليا ، إلا الإنسان .
لم تكن له تجارب نسائية ، و لا حتى معاكسات بنت الجيران ، لا البنت في الشقة المقابلة ، و لا التي شباكها على المنور ، و لا ساكنة الشقة التي تحت شقة أسرته ، خاصية مميزة ازدادت تأصيلا لديه هو “سماع الكلام ” تصديق النظام ، سواء صنع النظام بابا في البيت أو الناظر في المدرسة ، أو القائد في المعمعة. الزواج ساعتها لم يعد يشترون الرجال ، الجميع يبيع الآن ، و لكل سلعة ثمن ، العروسة يلزمها مهر و شبكة ، و الزواج حده الأدنى شقة ، و يلزم الشقة أجهزة كهربائية ، الثلاجة و الغسالة و البوتجاز و السخان إلى جانب الأجهزة التناسلية.

القوى العاملة هي الجهة المنوط بها التوظيف ، ليس مشهودا لها لا بالكفاءة و لا الرؤية و الرجاحة و لكنها عمياء كالعدالة ، خريج كلية العلوم لابد انه مدرس ثانوي شاطر !بالنسبة لعصرنا ربما كان التعيين العشوائي جنة و خرجنا منها بأكل تفاحة الحرية و السعي، التعيين في وزارة التربية و التعليم يأتي بعد اعتبار سنوات تجنيده سنوات مضاعفة ، و لكن مرتبه بالترقية و العلاوات ٤٨جنيه ، يستطيع ان يدخر ربعه ليستطيع الزواج في منتصف القرن التالي . الأنبياء التوراتيون عاشوا تسمعآئة سنة و أنجبوا بعد سن الثلاثمآئة، ربما يستطيع ذلك.

الإعارات إلى الخارج قليلة و لا تعمل إلا بالوسائط و قوائم الانتظار ، يستطيع التقدم في مديرية التربية و التعليم ، و من المؤكد أن يأتي دوره قبل بلوغه سن المعاش ، نظرا لهروب المدرسين بعد معاينة الظروف ، تم استخراج قانون يمنع سفر موظفين الحكومة إلا بموافقة الحكومة ، و يعطى المأذون له ورقة صفراء ، تسمح لحاملها بتجاوز ضباط الجوازات ، تصاريح السفر الصفراء محدودة بشهر للسفر و بمدة صلاحية محدودة.

استجمع مائتي جنيه، و تقدم لشركة سياحية تنظم رحلات لليونان ، و استخرج الورقة الصفراء، سافر اليونان، و أعطي جوازه فالشركة المنظمة متخصصة في تهريب الموظفين إلى الخارج، واستطاع العمل في ليبيا والسعودية والعراق، و بواسطة مدخراته تزوج وأنجب ابن وابنة.

وعمل على تعظيم مدخراته و العمل في وظيفتين، حتى يجهز ابنته لعريس فعل والده نفس الشيء.

تذكر أسنانه البيضاء اللامعة في صورة زفافه، و هي تشبه نفس ابتسامة العروسة ابنته، ولها نفس الأسنان البيضاء اللامعة ليلة زفافها ، فلقد حارب ثلاثين عاما في الحياة المدنية ليزف ابنته لتأخذ لواء المعركة، هزم جأشه فكرة فراقها، و جلس يكتب يومياته، فامتلئت مقلتيه بماء مالح، زرفه كحنفية خزان المياه في المعسكر التي لم تحبس الماء رغم ندرته، سقطت دموعه على دفتر يومياته، وذابت الحروف و نسيج الأوراق بتأثره، فالإحساس شيء.

وكتابة الأحاسيس شحنة مضاعفة من التأثر و الاكتواء بالسخونة. ضحك و بكى، بكى وضحك وكتب في آخر سطر في اليومية: أمس تم زفاف كريمتي إلى نجل المهندس فلان في دار قوات الحرب الإلكترونية، و العروسة جميلة بأسنان بيضاء لامعة مثلي.

أسنان بيضاء تلمع قصة قصيرة للكاتب شريف العصفوري.. حصرياً على آخر مترو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.