المجهول.. بين أحلام مستغانمي والبارودي وغسان كنفاني

0 67

المجهول.. بين أحلام مستغانمي والبارودي وغسان كنفاني- منار النمكي- قاصة مصرية:

المجهول ذلك الخوف الذي يدفعنا للركون الذي يسلبنا من قدرتنا على السعي والحركة.. الذي يثبتنا في أماكننا، ويجعل قلوبنا ترتعد وأفكارنا تضطرب.

ولكن هل يحتاج المجهول إلى تعريف؟ وهو الذي يحمل بداخله كل معاني عدم المعرفة.. وجدت أنه من المضحك بحثي عنه في المعاجم، -فهي لم تزدني به معرفة- ، ورد في معجم أكسفورد أنه” غير معروف ومشهور، خامل الذكر، خفي الاسم، غير مسمى” وأتبعته بمعجم المعاني الذي فسر المجهول بقوله “غير معروف – غير معلوم”.

ومن ثم وجدتني أتساءل هل يستحق ما نجهل كل ذلك القدر من الخوف، ماذا لو كان ما نجهل أمر به خير، أليس قضاء الله كله خير؟ فلم نخاف مادامت أمورنا معلقة به؟

ثم استوقفني قول الأديب غسان كنفاني “قد لا يكون الموت بتوقف النبض فقط، فالانتظار موت، والملل موت، واليأس موت، وظلمة المستقبل المجهول… موت”.

أؤمن أن الخوف من المجهول مؤلم، ولكن لم نضعه دائما في إطار الأشياء السيئة، أليس علينا السعي فقط دون الارتكان للخوف والقلق؟ هكذا نؤدي ما طلب منا، نبذل جهدنا ونسعى أن يكون مميزا ومؤدى بأفضل صوره، ثم نترك النتائج يقررها القدر:

فلو علم إنسان ماهو كائن .. لما نام سمار ولا هب هاجع

أدرك أنني الآن ولشيء لا أعلمه أنظر للمجهول نظرة تفاؤل، ولكن حتى لو قررت التشاؤم هل سيغير ذلك أي شيء؟! من منا الأكثر خوفا الرجال أم النساء ؟

وفي هذا الشأن أستعين بقول أحلام مستغانمي ” على النساء أن يشفين من خوفهن الأنثوي من المجهول، فليس الرجال أقل منا خوفا ولا أكثر طمأنينة، هم فقط أكثر خيانة، وتنصلا من وعودهم”.

فالكاتبة عللت لعدم خوف الرجال (بالخيانة والتنصل من الوعود )… وكأن ذلك أكبر علاج للخوف من المجهول.

حسنا لا أحب حين يتم نسب شيء للرجال أو النساء واستخدام معه أفعل التفضيل، فلو كان أكثر الرجال خونة فمع من يقومون بالخيانة؟ أليس مع النساء؟ . إذا فبعض النساء من الأكثرية الخائنة والمتنصلة من وعودها! والخوف من المجهول أمر فطري بل إنه حتى ظهر في تساؤل الملائكة حين خلق الله آدم ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”.

والخوف من المجهول كذا شعور منطقي إذ كيف نطمئن لأشياء لا نعلمها . وما قد يكون مجهولا عند بعض الأشخاص، قد يكون معلوما عند غيرهم ، فمثلا نحن لا نحيط علما بكل ما يحدث على الأرض بل وحتى لكل فرع من العلوم متخصصوه الذين يساعدون الناس على إزالة الجهل بعرض ما توصل إليهم من العلم .

الخوف من الظلام دفع الإنسان للتمسك بقبس من النار لا يفارقه حتى طور طرقا للحصول عليه متى أراد. الخوف من جفاف النيل دفع الفراعنة لإلقاء أجمل الفتيات في المياه ظنا منهم أن هذا سيوفر لهم مايحتاجونه.

والخوف من الموت دفع الإنسان للبحث عن طرق تزيده قوة ومناعة فبحث حتى اكتشف اللقاحات.

والخوف حتى من مصير مجهول في الآخرة قد يدفع شخص ما لاعتناق ديانة والامتثال بما فيها حتى يجنب نفسه ماليس له به علم.

كان المجهول حافزا يدفع الإنسان على مر التاريخ للتطور وتغيير استراتيچياته واكتشاف أماكن جديدة … وعلى النقيض يدفع الآن المجهول الناس للتخطيط -لليوم الأسود – وفقا لوثائقي ناشيونال جيوغرافيك فهم يقومون بتخزين الأطعمة وبناء الملاجيء المحصنة..

وعلى كل سيظل المجهول والخوف منه محرك للإنسان ودافع له فتظهر بذلك سلوكياته العدائية كما تظهر سلوكياته التكيفية الاعتيادية.

وما بين المجهول والمعلوم يتعلم الإنسان دروس حياته التي تزيده وعيا وعلما وعمقا.. لكنه لا يكف كذلك عن إفساده وتعنته وظلمه لبني طينته وغيره من الكائنات.

المجهول.. بين أحلام مستغانمي والبارودي وغسان كنفاني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.