“أصدقائي الآباء”.. قصة قصيرة حصرية للكاتبة تيسير النجار

0

“أصدقائي الآباء”.. قصة قصيرة حصرية للكاتبة تيسير النجار

لدي ولع كبير لمعرفة كيف يبدو الأب الجيد، ذلك الشخص الذي يشبه العنقاء في حياتي، لم أره من قبل عن قرب أو أعيش معه، نعم ذلك الرجل المسئول عن عائلته ويوفر كل ما يحتاجون إليه، هو الذي تبكي ابنته أمامه وربما في حضنه، فيرد قائلًا: “لا تبكي طالما أنا على قيد الحياة”.

ذلك المشهد يأسرني، بل ويلفت انتباهي أكثر من القبلات والمشاهد الساخنة، وفي رأيي تلك الابنة ستصبح عاشقة جيدة لأنها تعرف ما هو الحب وكيف يكون.

فضول عظيم حول ما يقوله الأب، وما يذكر الأبناء من كلماته بعد سنوات طويلة، حين أجد منشورًا على أحد مواقع التواصل الاجتماعي يتساءل عن الجملة التي تذكرها عن والدك، لن أبالغ لو أخبرتك أنني أقرأ كل التعليقات التي ربما تتجاوز الألف، وتفيض دموعي من التعليقات الحزينة على الآباء الراحلين ونصائحهم ونظرتهم الثاقبة، وأستكمل بكائي عند قراءة التعليقات عن الآباء الذين كانوا عقبة في حياة أبنائهم.. مثل أبي.

محيي الشرقاوي والحياة بعد فيلم فول الصين العظيم.. قصة قصيرة لأشرف ضمر

وفي طفولتي كنت أسمع عنهم من الأصدقاء وأطفال الجيران، وحين كبرت صرت أسمع منهم، فقد تعرفت على أحد الكتاب بسبب قصة عن الأبوة، وهو أب لطفلة في الثامنة من عمرها، عرفته من خلال القصة القصيرة التي كتبها عن قتله لابنته خوفًا عليها من الحياة، وكان ذلك سبب التعارف بيننا، استراح ليّ وقال إنه كان يضرب والده قبيل وفاته، وكان شيخًا طاعنًا في السن مصابًا بمرض آل زهايمر، وسألته عن السبب، وأجاب لأنه كان يضربه في طفولته دون سبب، وأفسد عليه شبابه وحياته.

أكدت له أن الذي كان يضربه ليس من أفسد طفولته، فوالده ليس في وعيه، وذلك انتقام في غير محله، قال بحجة يعدها قوية إن هو أيضًا تغير ولكن ما زال الطفل بداخله وهو يثأر له.

في حالتي كان الوضع مختلفًا خلقت بداخلي أبًا بديلًا، أجمع صوره من هنا وهناك، أحلم بأنني أتشاجر معه وأقسم بأنني لم أختره، ولو كان بيدي الاختيار كنت سأذهب لأب أكثر رحمة وذكاء، وبالطبع يكون أكثر ثراء، حتى أعيش الحياة التي حُرمت منها بسببه.

أنتقم منه بنجاحي، بقدرتي على الحياة بالرغم من كل شيء، أنتظر اليوم الذي سيحتاجني فيه ويدرك أنني أفضل منه.

وقت مرضي، وقد اقترب مالي على النفاد؛ لأن علاجي استدعى ما يقرب على عام، وهو بجواري مغلول اليدين، لم يقدم ولو جنيهًا، تركت العمل لأن حركتي كانت صعبة والألم شديد، تذكرت كل ما يمكن أن يساعدني، حقائبي القديمة وحافظات نقودي، جيوب ملابسي الشتوية، داخل طيات كتبي، عساي نسيت جنيهات هنا أو هناك، وأخيرًا ذهبت إلى البنك، حاملة بيدي شهادة استثمار بخمسين جنيهًا، كنت قد حصلت عليها مع شهادة تقدير في المرحلة الإعدادية، وانتشر الخبر في القرية أن رغد قد حصلت على مليون جنيه؛ لأنها شهادة يتم السحب بها على المليون جنيه، والآن أقف أمام المصرفي أطلب منه الخمسين جنيهًا وأضحك ذكرى تلك الأيام، بجواري رجل بيده شيك قدمه للموظف، وفتح حقيبته ووضع الرزم بها، كانت فئة المئة جنيه.

ربما التفاتتي كانت كاشفة لاحتياجي وغضبي، قال الرجل مبادرًا : “انتِ أغنى مني، الخمسين جنيه بتوعك لكن الآلاف دي مش بتاعتي، دي فلوس الشركة وأنا مجرد موظف”.

مسابقة القصة القصيرة من Parsec بجوائز نقدية

ابتسمت ولم أجب، ما زال غضبي موجودًا، هو موظف ولا بد أنه يصرف راتبه على أطفاله، ولن يدعهم يحتاجون لآخر خمسين جنيهًا لن تكفي لشراء الدواء.

ذات مرة أصابني مغص معوي شنيع، لم أقو على الوقوف، تكورت على نفسي في الأرض وكنت أصرخ من الألم، ركضت أمي نحو غرفته وهو بداخلها، وطلبت منه حقنة مسكنة، سمعته وكتمت صرخاتي؛ لأن نصل كلماته كان أشد ألمًا من المغص.. “تاخد الحقن من هنا ولا بتدفع تمنها ولا بتجيب بدالها”، لم يقلق بشأني، بالرغم من تغير حالي وأصبح يأخذ مني بعض المال، لكنه لا يشبع ولا يعرف الرحمة.

اللعنة!

 في رحلات بحثي عن الآباء، عيناي لا تخطئ أبًا، وجدت رجلًا يقف في اعتصام سلمي مع بعض الناس، وهم يحملون لافتات (الحرية لعلي الفاروق)، بحثت عن علي هذا، وجدت أنه ممثل شاب تم إلقاء القبض عليه بلا سبب منطقي، وذلك الرجل هو والده، (وليد الشاملي)، الغريبة أن علي لا يحمل لقب والده، تعرّفت على والده عبر رسائل دعم أرسلتها إليه، وخرج علي براءة بعدما رفض والده العفو الرئاسي من الرئيس الراحل محمد مرسي.

قال وليد إنه حزين لأن ابنه اختار لقبًا مختلفًا عنه، لكنه يحترم قراراته وذلك نهج تربيته له، حدثني عن النهج أكثر بجملة مقتضبة لم أنسها أبدًا، “أعطي كل الحرية لأبنائي، وأجعلهم يتأكدون أنني موجود دائمًا عند حاجتهم لمساعدتي”.

سألته: “ألن تضرهم الحرية الكاملة؟”.

فقال: “إن الضرر كله يكمن في الخوف”.

بالفعل مشكلتي الحقيقية أنني خائفة دومًا، من رد فعل أبي وشماتته بي، خائفة أن ليس لدي من ألجأ له وأطلب مساعدته في أزماتي؛ لذلك أتفادى الأزمة والوقوع فيها، مسالمة دومًا ومهادنة حتى وإن كان ذلك ليس من طباعي الأساسية.

أشعر وكأن حياتي ما هي سوى بصقة، مضغة لاكها فم ما لا أعرفه ثم عافها وبصقها، وصارت حياتي ووجدت نفسي متورطة بها، لا سبيل لإصلاحها، لن تعود إليها الطزاجة مهما فعلت، ربما ذلك ما دفعني للتقرب من الآباء؛ لأن في طفولتي كانوا الصغار يقولون “سأخبر أبي” عند كسر أي لعبة أو التورط في أي مشكلة، وصلت إلى الخامسة والعشرين من عمري وقائمة أصدقائي كلها من الآباء، لكنهم لم يصيروا آباء لي، كانوا رجالًا وكنت أنثى، أراهم في صورهم التي لا يراها أبناؤهم.. صديق وحبيب وعاشق ومتحرش ورجل عابر على أنثى ثرثارة.

بعد سنوات البحث والضياع، عرفت أن الأب حين يضيع لا يعود.

“أصدقائي الآباء”.. قصة قصيرة حصرية للكاتبة تيسير النجار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.