زيف الكتابة.. الخروج من جنة المفارقات والانزياحات الكاذبة

0 83

زيف الكتابة .. الخروج من جنة المفارقات والانزياحات الكاذبة – منال يوسف- شاعرة وكاتبة مصرية:

في الإبداع، لا يتعلق الأمر أبدًا بأن تكتب، أو بما تكتب عنه، وإنما الأمر كله فيما كتبت؛ تلك الكلمات التي كوَّنت جُملًا، كيف صِيغت، وتلك الصور والتراكيب اللغوية التي صنَعتها الكلمات؛ كيف سطعت، هل كانت نورًا له كينونته، يشع من قلب اضطرمت فيه تفاعلات وانشطرت ذرات بقَدَرٍ ومقدار، أم أنها عكست شعاعات لا تملُكها فأضاءت بنور قد يعجبك، لكنك لا تلبث أن تكتشف أنه منزوع الدفء، يضيء قليلًا حتى انبلاج الصبح ؟ .

يقول اميل سيوران: أن تقرأ يعني أن تترك آخر يجهد من أجلك، إنه الشكل الأكثر لطفًا في درجات الاستغلال.

حقًا؟ ومن الذي سبق في الفعل؟ هل طلب القارئ من الكاتب أن يكتب له؟ وماذا يكون الكاتب من غير قارئه !. يقودنا قول سيوران إلى السؤال الأشهر، لماذا يكتب الكاتب؟ . فإذا أشهر “رولان بارت ” نظريته- موت الكاتب- في وجه شذرة سيوران عن استغلال القارئ للكاتب، وبعد جولات عدة قد يدخل فيها عديد من الفلاسفة والنظريات، لا نملك إلا أن نصل لنتيجة حتمية وهي احتياج كل من القارئ والكاتب كل منهما للآخر. وعليه وجب على الكاتب أن يسطع حتى يستدفء القارئ. وعلى الكاتب أن يكون على درجة كافية من الوعي والإبداع حتى يتمكن من السطوع ولا يقدم للقارئ كتابات زائفة.

والكتابة الزائفة موضوع كبير جدًا على كل المستويات؛ فهناك نص زائف في مجمله، وتركيب لغوي زائف، ومجاز زائف، وصورة كلية أو جزئية زائفة. بل إن الأمر ينطبق أيضًا على الأفكار التي يبدو بعضها عظيمًا، وما إن تتحرر من أسر جاهزيتك للتلقي والقبول حتى تدرك زيفه، أزعم أن تلك الفكرة السالفة الذكر والتي قال بها سيوران هي أحد أمثلة الافكار المزيفة-ولا أعني هنا الأفكار التي قد يكون الكاتب على قناعة بها حتى لو لم تقنعك- عن علاقة بها من المسافات الجسدية والنفسية والفكرية ما لا يسمح بفكرة الاستغلال. يمكن لسيوران أن يضع رأيه في دون كيشوت أو بعض السياسيين أو الموسيقى، يمكنه أن يعبر عن المرض، أو يزعم أن الشعراء الرديئين وحدهم هم الذين يشعرون بالحرية، فنضع تلك الأفكار تحت بند فلسفته الخاصة سواء اتفقنا أو اختلفنا معه.

وفي أمثال الكتابة المزيفة أن تجد نصًا شعريًا يدخلك في تهويمات قد تحمل صورًا إبداعية جزئية جميلة، لكنك في مجمل النص تنتهي بـ”لا شيء”.

لقد دخل وكتب نصه وخرج من دون أن يمنحك شيئًا (هل وجب علينا هنا أن نستدعي سيوران الآن لنسأله: ماذا عن الكاتب هنا الذي استغل القارئ وأضاع وقته وأجهده من دون طائل؟!).

وفي القصة القصيرة جدًا مرتعًا للكتابات الزائفة، فقد وجدها البعض ممن لا يتمتعون بملكة الإبداع وسيلة للعب دور المؤلف، يأتون ببعض الجمل القصيرة جدًا ويتبعونها بمفاجأة مفتعلة يطلقون عليها مفارقة وانزياحًا، لكنك ما إن تنتهي من القراءة حتى تسأل نفسك: وماذا بعد! لا تجهد نفسك في محاولة تقبّلها إذا لم تصل إليك ولم تمتعك، ولا تقلق على نفسك أو تتشكك في احساسك، وكن ممتنًا لنفسك حين يطردونك من جنة المفارقات والانزياحات المزيفة.

أما عن الصور الجزئية التي تلقاها وأنت تقرأ نصًا شعرًيا أو سرديًا فالحديث له شجون،ناهيك عن المجاز- على الرغم من أن المجاز نفسه بخروجه عن المالوف والمعتاد وربما المنطقي، المجاز نفسه بشكل ما لا بد له من درجة مقبولة من منطقية الإبداع- قد تأتي الصور مفتعلة، مصنوعة من دون روح، وقد يدهشك أحيانًا اقحامها بحيث لا تضيف للنص، وربما تسيء إليه ؛ فالأمر ليس في أن تصنع صورًا، الأمر أن يكون للصور قيمة، فقد تكتب جملة تقريرية مُشعة في موقعها داخل النص خيرًا من صورة زائفة تقتله. وفي هذا الشأن الكثير والكثير من كتابات حديثة الطباعة لن نتطرق لها بالأمثلة-وهي الأولى بها- حتى لا يساء فهمنا أو يظن البعض أننا نسعى إلى أن نجرح كتابات الآخرين.

زيف الكتابة الإبداعية .. الخروج من جنة المفارقات والانزياحات الكاذبة – منال يوسف- شاعرة وكاتبة مصرية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.