أشرف البولاقي.. الواحد المُتعدّد

0

أشرف البولاقي.. الواحد المُتعدّد- عبد النبي عبادي- شاعر وكاتب مصري

لمْ يُسخّر شاعرٌ مُعاصر- في رأيي- قلمه شعرا وسردا ونقدا للاشتباك مع قضايا الثقافة في مصر كما فعل الشّاعر أشرف البولاقي، وقد كان اشتباكه مع قضايا الثقافة مُركزا في مُستويين هُما؛ “قضايا الفعل الثقافي” وقضايا “الثقافة السّائدة” التي تحكمُ كثيرا من الفعل الثقافي في بلادنا. والواقع أن الاختلاف مع البولاقي فيما يطرح أو بالطريقة التي يطرحه بها أمرٌ واردٌ ومقبولٌ لديه ولدى المُتابع المُنصف، لكنني أظنّ أننا لن نختلف حول طاقة البولاقي التنويريّة والتثويريّة التي حرّكته طيلة السنوات الماضية داخل الفعل الثقافي المؤسسي أو بين عشّاقه ومتابعيه من المثقفين والمبدعين الذين سبقوه أو جايلوه أو الذين جاءوا من بعده. لقد استغل الشّاعر كل موقع أو واقعة أو كتاب لطرح ما يؤمن به ويراه نافعا حتّى أنني كنتُ أشفقُ عليه من أن تضيع طاقته الإبداعية في زحام الكتابة بمفهومها العام لكن أيمانه بأن الاحتفاظ بـ “حساسية الكتابة” لا يُمكنُ أن يكون إلا بمزيدٍ من الكتابة والكتابة كما يدفعه وعيه الحاد بقضايا المجتمع المصري ومشكلاته إلى التعرّض لها إيمانا بأن تفكيك مثل هذه القضايا وتحليل أسبابها بُغية اقتراح حلول أو اجتهادات قد يكون هو همّه الأول والأولى خاصّة وأن مُجتمعاتنا لا يبدو أنها تسيرُ في ركاب الحضارة الإنسانية حرّة طليقة، لكنها تسير وفي أقدامها أحجار وأكياس من الرمل العفيّ![1]

رواية 1900 والتنبؤ بمستقبل أمريكا.. هل الرواية صادقة فعلاً.

ملخص كتاب نهاية عصر الخصوصية .. لماذا لا يمتلك المجرمون حسابات على فيسبوك ؟

وأقولُ إنني ما زلتُ أحلُمُ – ولعلّه خير- أن أُعِدّ كِتابا كاملا عن أشرف البولاقي ما وسعتني الطّاقة وساعدتني الظّروف.  ورُبّما يكونُ غيري قد سَبَقَني إلى ذلك، لكنّني لا أريدُ كِتابَ شهاداتٍ ولا قراءات في نصوص أشرف البولاقي، سيكونُ ذلك ضمن الكِتابِ المُزمع بالفعل لأن قراءة نصوص الكاتب بوعي وبأدواتٍ مُناسبة جزءٌ مهم من قراءة الكاتب\ الإنسان كنصّ. وقد تسمحُ لي عزيزي القارئ أن أُنبّهكَ أن كتابتي ليست بغرض امتداح البولاقي أو ذمّه، فهاتان مُهمّتان يسيرتان وأدواتُهما متوفرة لدى كثيرين. لكنّني أريدُ قرءاة “البولاقي-النّص” وتأطيرِ علاماتِهِ الظّاهرة والمُضمرة الخفيّة لأن البولاقي – في رأيي- أصبح ظاهرةً ثقافية تردّنا من جديد لطرح السؤال الذي لم يزل مُهمّا رُغم تكراره ورُغم تعدد الإجابات عليه وهو سؤال “المُثقّف، ماهيتهُ ودورهُ وموقعه من السياق الاجتماعي والتّاريخي والأدبي. وقد نحتاج هُنا أن نُذكّر أنفسنا ببعض المُسلّمات ومنها أن ليس كل مُبدعٍ مُثقّف وإن كانت الثقافة شرطٌ من شروط الإبداع الحقيقي وليس كلّ مُتعلّم مُثقّف إلا إن رأينا أثر ذلك التّعليم في تطوّر وعي المُتعلّم كما أنه ليس كلّ أكاديميّ مُثقّف بالضّرورة إذ تبدو عقلية كثير من الأكاديميين و “ثقافتهم” أقربُ إلى “ثقافة الموظّفين”!

الكاتب والمنفى:الكاتب بين مطرقة الأنظمة الاستبدادية وسندان المنفي

نبيل فاروق.. لماذا تربع على عرش كتابة الجاسوسية سنوات طويلة؟

لقد طُرحت مفاهيم كثيرة عن المُثقّف وما تزالُ تُطرح مُنذ تمّ استخدام مُصطلح المثقّف مع مفهوم العقيدة المذهبيّة الأيديولوجية وذلك في عام 1792م[2] ثم جاءت تعريفات كثيرة تحاول أن تُعرّف المُثقف انطلاقا من دوره في المجتمع. لكنني أرى أن صعوبة تعريف المثقّف، ليس مردّها إلى عجزٍ في المُصطلح أو ضبابية في المفهوم لكن مردّها إلى أن هناك أنواعا مُختلفة من المثقّفين، لا تستطيعُ أن تنفي عن أي واحدٍ منهم لفظة “المثقّف” بينما تستطيعُ أن تُلحق بلفظة “المثقف” الصفة التي تؤطّر دوره، لأنني لا يُمكنني أن أتفق مع جاك لوكوف فيما ذهب إليه من أن المثقف هو كلّ مُشتغلٍ بالعمل الثقافي إنتاجا وتوزيعا وتنشيطا [3]بل واعتراضي على هذا التعريف أنه نظر لتعريف المثقف كتعريف ذي طبقات، نواتُه المبدعون والفلاسفة وهذا صحيح –في رأيي- لكنّه ضمّ إليهم دائرة أوسع من الفنانين والصحافيين والمُحامين والمُعلمين وخلافه وهذا مما لا أجدني متفقا معه. وهو ما رآه من قبلُ المفكّر الإيطالي أنطوني غرامشي عندما تساءل : هل المثقفون طبقة اجتماعية واحدة؟ أم أن كل طبقة اجتماعية لها مثقفّوها؟ وهذا ما يؤكّد ما أرمي إليه عندما اعتبرتُ البولاقي مُثقفا مُتعدّدا. فهو بتعبير “غرامشي”  “مثقفٌ عضويّ “بالتحامه بقضايا مجتمعه وبيئته والجماهير التي يعيش بينها وهو  “مثقّفٌ جماليّ” حيثُ يبرز المثقف الجمالي، باحثًا عن مظاهر الجمال، في الثقافة الشعبية الأصيلة ( كتابه “أشكال وتجليات العدودة في صعيد مصر” نموذجا)، فتلك الثقافة بمختلف تعبيراتها وأشكالها، من أمثال وشم وخط وخرافة، تحمل في طياتها عدة أبعاد جمالية، وهي الأبعاد ذاتها التي يسعى المثقف الجمالي إلى إبراز قيمتها ومعانيها، والتي يغفلها المتطلع إلى الثقافة الشعبية بوصفها فلكلورًا ليس أكثر.[4] وهو المثقّف “الوطني” الغيور جدا على لُغته العربية.

 في ذكرى السيدة راء.. رضوى عاشور كاتبة وأستاذة وأم.

 كيف تربك مغرداً؟ عن الكتابة الإبداعية والشهرة والتحقق

وقد أستطيعُ أن أطلق على البولاقي لفظة “المثقف القلِق” الذي لا يتوقّف عن نقد كل شيء، حتّى ذاتُه لا تسلمُ من نقده.

وقد يعتبرُ البعضُ نقد الذات نوعا من التّشهير لكنني قد أراه – أي نقد الذات – نوعٌ من التطهير  أو التطهّر بمفهومه الأرسطي catharsis وهو ما قد يُخالفني فيه المتخصصون في المسرح والدّراما الذين رأوا فيه – أي المصطلح- انحصارا في الأداء المسرحي الذ ي يعالج عاطفتي الشفقة والخوف ويُعرّض البطل لجرعات متنامية من الألم تدفعه في النّهاية للاعتراف وهو ما يُشكّل تنفيسا  للمتلقّي الذي يعتبرُ نفسه مُعادلا واقعيا لذلك البطل المُتخيّل. فما علاقة ذلك بنقد الذات لدى البولاقي وما ارتباط ذلك بالمفهوم الدرامي للتطهّر؟  لقد نشر البولاقي عددا كبيرا من القصائد والنثريات مؤخّرا عبر صفحته بفيسبوك تحت هاشتاج – يمكنكم البحث عنه – وهو #آخر_ماقاله_الممثل، كانت تلك الكتابات في مُجملها تعرية للذّات ومواجهة حاسمة مع تناقضاتها مع نفسها أو مع الواقع، لقد استخدم بوعي نفس فكرة التطهّر الأرسطي بصعود الممثل إلى خشبة المسرح لتُعرض لنا معاناته التي يتخفف منها شيئا فشيئا وصولا للاعتراف أو يوغلُ فيها شيئا فشيئا حتى الهلاك وإلا فلما لمْ يختر البولاقي أي عنوانٍ آخر لهذا الهاشتاج، حتى وإن كان قد ارتبط عنده بوقائع فعليّة لكن حسّه النقدي للذّات جعل من ذلك الهاشتاج (آخر ما قاله الممثل) إحدى تجليّات نقد الذات والآخر والسؤال حول جدوى الكتابة مُجددا.

نداء الملك بعث جديد لألف ليلة وليلة

” بابا ياجا “.. قصص رعب روسية تشبه تراثنا المصري

وبالعودة إلى مفهوم “المثقف القلق” الذي أطلقه على البولاقي مع لقبي “المثقف الموضوعي”  و “المثقف الوطني”، فذلك مفهوم أطلقه الباحث خالد الحروب في كتابه “المثقف القلِق ضد مثقف اليقين” . ينادي هذا الكتاب بضرورة مواجهة مثقف اليقين بالمثقف القلق وهو في نظري “أشرف البولاقي”  الذي لا يلين ولا يستكين إلى أيديولوجية أو عقيدة فكرية، ولا يستسلم إلى قناعة نهائية. إن مقاربة صوت وصورة المثقف في الحقبة الحالية يأتي في طليعة المهام المطروحة على المثقف القلق، الذي يفترض فيه أن يتسلح بالحس النقدي، وبهاجس المساءلة وأخلاقيات الحوار والمساجلة، ونقد كل الأفكار، والانقضاض على ركودها، حتى لو كانت أفكاره هو نفسه. والحال أن هذا القلق الفكري واللايقين الذي يدعونا إليه خالد الحروب إنما يزداد أهمية وراهنية، ويتصاعد بشكل ملحّ تحت وطأة الأزمات الكبرى، على حد توصيفه، وفي مقدمتها أزماتنا المزمنة، وانتكاساتنا العربية الراهنة.

كتابة الرواية الجيدة .. تعرف على بعض معايير جودة العمل الأدبي

عمر طاهر .. صنايعي الكتابة المصري بين الشعر والمقال ورواية حواديت الثمانينيات


[1] – من قراءة لي في ديوان “يقطر من خناجرهم جميعا” لأشرف البولاقي، غير منشورة، عُرضت في جلسة نادي أدب قصر ثقافة قنا الثلاثاء 5 أكتوبر 2021.

[2] – دكتور مساعد بن سعيد آل بخّات، من هو المُثقّف، الجزيرة صحيفة يوميّة سعوديّة، الأربعاء 2 سبتمبر 2020، العدد17429، الرّياض، ص11.

[3] – محمد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثالثة، بيروت، لبنان 2008، ص 22.

[4] -مصطفى العوزي: مفهوم المثقف من البناء إلى التطوّر التّاريخي، موقع مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث،29 يوليو 2016، تاريخ التصفح 1-12-2021

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.