10 أجزاء حصرية من كتاب “الشاعر والطفل والحجر” للشاعر الكبير فتحي عبد السميع

0

1ـ نحن الجذور

أنظر للمشهد الشعري خاصة إنجازات قصيدة النثر، فأراه ثريا جدا ومتنوعا ومتجانسا تماما مع اللحظة التي نعيشها. هو بحاجة فقط للنظر إليه بشيء من التفتح والهدوء وتجاوز الأفكار المسبقة ولو مؤقتا، كما أنه بحاجة إلي فعل نقدي جاد، وهو ما لن يحدث قريبا.

المشهد الشعري  بحاجة إلي سقوط جدران غليظة تبعد الناس عن الشعر، كما أن الشعراء أيضا بحاجة  للهدوء، فلم يعد هناك مبرر للانشغال بكسر شيء من أجل الفرح بكسر شيء، أو الدفاع المستميت عن شكل معين.

بعضنا وقد خرج من عبودية قرون طويلة، وصار سيدا أمام الورقة البيضاء لا يصدق الوضع. بعضنا يصدقه بهيستريا  من يحمل صراخ آلاف الأجداد، وآلاف الجروح التي يجهل مواضعها. لقد سقط من القيود ما يكفي لنضج أكبر، سقط من الأوهام ما يكفي لكي ننتبه  للشعر علي نحو أفضل وأعمق، وخلت الساحة الذهنية من الأصنام  بما يكفي لجدية أشد وصرامة داخلية أقسي من صرامة الوزن والقافية، صدور ديوان لم يعد يعني شيئا، حضور مهرجان لا يعني شيئا، الرغبة في الحصول علي اعترافات بتجربة ما  لا يعني شيئا، المناخ خارج الورقة أسوأ من الرهان علي شيء، سقوط المراهنة هدية أيضا ولا بد من استغلالها.

لم يعد في وسعنا الآن أن نصير  شجرا، في وسعنا أن نكون جذورا تحت الأرض وهذا ما نفعله بضراوة ، بحرية داخلية أكبر، لسنا بحاجة إلا للطين، الطين فقط ، الطين الحقيقي، حين نحاول رفع رؤوسنا والتطلع في الهواء سنموت،  وخسارة الغصون يمكن أن تعوض، بتر ساق الشجرة يمكن أن يعوض، العبرة بالجذور وهي تسري في صمت، ولا تعرف جهة محددة تقصدها، الجذور لا شأن لها بأعراف الجهات، ببساطة تزحف في الأعماق، وكلما عثرت علي حجر التفت حوله مثل شبكة وصار في قبضتها، نحن جذور فيما يحسبنا الناس أبعد ما نكون عن الجذور، نحن جذور وحسبنا أن نحافظ علي أنفسنا.

“كتب عن الفراعنة” أحدث إصدارات هيئة الكتاب

“هاروكي موراكامي” روائي لم يفكر في الكتابة!

2ـ الشاعر صائد الغزال

ماذا بوسعي أن أقدم  غير نصوصي؟  تجارب الأصدقاء وكثير منها ناضج وحيوي ومتميز تحتاج لفعل نقدي كبير، ولست مستعدا للتنظير ولا أعتقد بأني مؤهل بما يكفي، كما أني أخاف علي نفسي من التنظير، وإن كنت لا أكف عن البحث في قيمة الشعر وجدواه، لكنني في الحقيقة أكتب وفق مفهوم البركة، أجلس كل يوم لثلاث أو أربع ساعات في حجرتي لأقرأ أو أكتب،  وطوال اليوم أكافح من أجل أن لا تسقط من علي وجهي نظارة الشاعر،جثة أصير لو سقطتْ، لا أريد من الشعر سوى إصلاح حياتي، وقد نجح بامتياز، صارت حياتي  ثرية جدا مع الشعر. 

أقرأ وأتأمل وما يقتحمني أكتبه كما يريد هو،  ثمة دور للقراءة والتأمل طبعا لكنني لا أعرف الغزال  التي ستسقط في شباكي، الغزلان تجري هنا وهناك وأنا أجري وراءها حتى تسقط  غزال في حضني.

ما تعجبني تهرب مني، وما تسقط في شباكي  تفتنني حتى لو كانت عجفاء هزيلة، في كل الأحول نحن لا نصطاد الغزال التي نريد، لا نصطاد أبدا أفضل غزال في القطيع.

أريد  غزالا من أي نوع ، يكفي أن أشعر بأنها غزال لا سحلية أو أي شيء آخر،  لا يهم إن كانت الغزال بحجم نملة أو فيل، لا يهم إن كانت بلا جلد أو تحمل درقة. أعرف الغزال ولا أهتم  بالمقاسات كثيرا.

أخاف من التنظير لأن تجارب سابقة ملكت كرابيج من خلال التنظير، بعضهم صنع  ريادة بكلمات نقلها وشغلت من النقاش أكثر مما شغلته نصوصه ، بعضهم خنقه تنظيره، أخاف لأنني لا أعرف أية غزال ستجري أمامي غدا،  ولأنني لا أبحث عن ريادة أتقدمها ، ولَّي زمن الرواد والنجوم، أعوِّل فقط علي نصوصي، ولا أجد مبررا لحمايتها بالتنظير، ما جدواها إن ظلت خرساء أمام قراءة متفتحة تتطلع بجدية واحترام ودون أفكار مسبقة، ما جدواها إن لم تكن  حية تسر الناظرين، هل تحتاج سمكة غير اضطرابها في الشباك لتقول أنها حية وتفتتنا، وهل تكون ميتة لمجرد أن المتطلع أعمي لا يبصر اضطرابها؟ أنصالي تكفي بالكاد لأحادي بها نفسي، لأصوبها باتجاهي، أنا عدو نفسي الأول.

3ـ وردة القيامة

أحيانا أكتب كمن قامت القيامة وفي يده فسيلة، يزرعها، ولا يفكر في القيامة. في يدي فسيلة أزرعها ولا أبالي بكلام الأرصاد عن جرم سماوي يصدم الأرض، أزرعها ولا أنتظر شيئا، لكنني أزرعها بعناية  من ينتظر منها جذعا طويلا، وفروعا متشابكة، وثمارا حلوة، عناية من يزرع  وخياله مع أحفاد يجنون ثمرها، مع غرباء يأكلون منها دون أن يسألوا عن زارع الشجرة، وإن سألوا لا يجدوا إجابة، القيامة قائمة بالفعل، وفي يدي ما أحسبه فسيلة، أغرسها لا مباليا بمصيرها، لا مباليا بقيامة قامت.   

      أزرعها وأقطف منها في نفس اللحظة ما يكفيني، في يدي نبتة سحرية، تسري ثمارها في عروقي وأنا أنبش الأرض تمهيدا لغرس بذورها الصغيرة. 

4ـ بإصبعي أكتب في الهواء

    في أوقات كثيرة، تخطر في رأسي كلمات، صورة تعجبني، أتابع الكتابة في المخيلة، أعجن الجُمَل وأحبكها بهدوء، أتابعها حتى تكتمل، أو حتى آخر ما يمكن لجهدي بلوغه من اكتمالها، أعيش معها لحظات جميلة، ثم لا أدونها،  نعم لا أدونها،  أعيش معها وقتا وأتركها تتبخر، أحيانا أكون سعيدا جدا وهي تتبخر،  خاصة حين أكون معجبا بها، كأنني أنتقم بتركها تتبخر، لا أجد مبررا لكي أتعب نفسي وأكتبها.

مرة أقول: هل هناك من يترك مصالحه ومشاغله ليسأل عن قصيدة لي؟ من يقرأني، يقرأني بالصدفة، أو بالخجل، أو يسمعني مضطرا. وفي كل الأحوال يظل استثناء نادرا.

أتخيل شخصا يستيقظ من نومه ويشعر بأن حياته بحاجة إلى قصيدتي. أتخيل ذلك وأضحك،  أضحك من قلبي، لا يحدث ذلك مع شعراء كبار إلا نادرا جدا حتى لا أعمم، لماذا أكتب لمن لا ينتظر مني شيئا؟

مرة أقول شيئا آخر: لماذا أجهد نفسي من أجل لا شيء، أو من أجل  كائن وهمي  أتخيله قارئا جادا ومتفتحا وحساسا ونزيها.  أتخيله وهو يشتمني حين يتورط في قراءة سطرين لي ولا يجد ما يشجعه علي المواصلة، يشتمني وهو يجد كلمة قلقة وليست في مكانها الصحيح، يشتمني وقد رآني أصطاد شيئا جميلا  وأفسده  بغباوتي، يريدني في منتهي الدقة، يريدني مدهشا، يريدني عميقا، يريدني مسيطرا تماما علي أدواتي، ويريد يدي لترفعه عاليا من حياته المعتادة لحياته الحقيقية، وحين يشعر برخاوة في يدي، ويجد ها لا تحتمل رفعه إلى سمائه يشتمني.

أكتفي كثيرا بممارسة الكتابة دون قلم أو ورقة، وفي لحظات قليلة أندم علي عدم الكتابة، أندم ندما خفيفا وعابرا وأتساءل عما يبرره.

في لحظات أخري أحاول استعادة ما كتبته بإصبعي في الهواء دون أن أخرجها من جيبي، أحاول  استرجاع ما تبخر ولا أستطيع، لا أحزن لفشل المحاولة. ما لن تكتبه اليوم، لن تكتبه في يوم آخر.

          بإصبعي وهي في جيبي أكتب كثيرا، لا أجد مبررا لمسك القلم والكتابة ، النص الذي يغويني لا يهم أحدا غيري، لا أحد ينتظره، لا أحد يفكر في حمله مثل رضيع  ويسهر عليه، يحدث هذا معي كثيرا، وكلما مرت الأيام كلما زاد ميلي لذلك، لا أحد ينتظر قصيدتي  هكذا أصيح، لكن كائنا وهميا يردد خلفي “العالم ينتظر منك قصيدة جيدة”.

عناوين كتب مثيرة للجدل عربية وإنجليزية.. الهلس والقبيح والمُثير!

كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه؟ على طريقة بيير بايار

كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه؟ على طريقة بيير بايار

5 ـ يلوحون لي وهم لا يشعرون

موظف يعمل في المحكمة حتى الثالثة عصرا، ويعود ليومين كل أسبوع ليعمل في الفترة المسائية لموعد مفتوح قد يصل إلي الفجر، إنسان  بسيط وبلا أحلام كبيرة، يعاني مما يعانيه أي (مواطن) في ظل أوضاع عربية تقود إلي الجنون. قلب يحاول أن يعثر علي هواء في مناخ موبوء، كائن يقاوم موته بالشعر. وكل يوم يرتفع الشعر في نظره.

كم أنا مملوء بالتشوهات، وغارق في الأكاذيب، تلك هي الحقيقة الأساسية التي كانت تهزني، فما من فرصة لشاب يعيش في ذلك العصر، دون أن يكون محصنا من التشوهات، والأكاذيب، والتي تنهمر عليه من كل الجهات بداية من السياسيين الكبار، وصولا إلى العائلة والمدرسة.

    شاب  ضرير وضع يده في يد الشعر وراح ينظر بقدر ما يستطيع مؤمنا  بأن الشعر قرين الرغيف والوردة معا، وأنه متغلغل في اليوم ، كل اليوم، وفي قلوب كل الناس وفي كل مكان، و في كل الثقافات، الشعر روح العالم، و ثمة أباء حقيقيون كانوا يلوحون لي وهم لا يشعرون وكنت أهتدي بهم.

6ـ في حضرة شاعر الربابة

    ارتبط الشعر في طفولتي وصباي  بشاعر الربابة الذي كنت أسمعه في المناسبات المختلفة، أو عبر أشرطة الكاسيت التي كانت تدور في بيتنا وبيوت الجيران.

    أسمع شاعر الربابة وأنا أمشي في الشارع، وأنا ألعب، وحتى هذه اللحظة التي أكتب فيها تلك الشهادة ـ يأتيني صوته ضعيفا وواهنا من البيت المواجه لبيتي.الرجل الذي يسمعه يجلس بجواره عدد من الجيران، تركوا التليفزيون  بفضائياته الكثيرة وخرجوا إلي الشارع معولين علي شاعر الربابة.

تقلصت مكانة شاعر الربابة الآن، فالأفراح التي كانت تعتمد على ليلة القرآن وليلة الربابة، صارت تعتمد على الـ ” دي جي” والأغاني الحديثة أو الشبابية كما يطلقون عليها.

في صباي،  كانت مكانة شاعر الربابة أكبر بكثير،  وكان حضوره طاغيا، ولم يعد حضور الهلالية شائعا بكثافة، لكن البقايا توحي بما كان عليه الوضع، عندما كانت ترن في أذني كلمة الشعر للمرات الأولي.   

أسمع شاعر الربابة، وأسمع مقتطفات من السيرة الهلالية  يرددها حتى الآن بعض المحيطين بي، لقد سمعتها بلا قصد وسمعتها بقصد وتركيز، وأحببت شاعر السيرة، وكان فيها ذلك العناق بين السرد والشعر، كان فيها الهرب  مما جري للأبطال، والقيام بتعليقات تفتن السامع .  هجاء مباغت للزمان يحمل في طياته هجاء لكل ما يعكر النفس ويعصف بالكيان ويزرع الحلوق بالحسرات . ثمة صبوة للجمال وغزَلا يتنفس في ظل حياة قوامها الشقاء والقسوة، في السيرة الهلالية كان يتعانق السرد مع الشعر عناقا حميما، فالسرد شعر والشعر سرد، وقد أعجبني جدا ذلك العناق، الذي وجدته أيضا في فن الموال. 

ما زال يعجبني شاعر الربابة، اسمع عن حفلة له فأذهب، وأحتفظ  بتسجيلات لعلي جرامون، وجابر أبو حسين، وسيد الضوي، أعود إليها أحيانا فأجد فيها شيئا لا أجده في سواها، كما أعود إلى الرنان  النموذج الجميل  لفرقة الموالدية التي كانت حفلاتها كثيرة في طفولتي وصباي أيضا ، الرنان هو الآخر يقدم تزواجا رائعا بين الشعر والسرد.

أحببت شعراء السيرة الهلالية، لكنني أنظر للشعر باعتباره أكبر من إثارة إعجاب  السامعين، والنزول إلى رغباتهم، كان الشعر أكبر في تقديري من شاعر الربابة، شاعر الجمهور العريض، المحترف طالب المال بشعره، والمستعد لتنفيذ رغبات الآخرين لا ما يريده الشعر، والذي ينهل من مخزون ثابت، وإن انحرف عنه قليلا، الشعر لا يوجد في الماضي فقط، الشعر الحقيقي موجود في تلك اللحظة، هذا هو شعرنا الحقيقي، وليس ضروريا أن يكون حقيقيا لآخرين في المستقبل، ستكون لهم لحظتهم، وإن تميز الشعر ببعد سحري، يمكنه من عبور القرون، لأنه يرتبط أيضا بنبع إنساني يوجد  في كل الناس  باختلاف ثقافتهم.

تجاوز سُدة القراءة مع 4 أساليب و4 كتب!

عناوين كتب مثيرة للجدل عربية وإنجليزية.. الهلس والقبيح والمُثير!

تجاوز سُدة القراءة مع 4 أساليب و4 كتب!

7 ـ  تقول أمي شِعْرَها وتنساه

رغم فتور علاقتي بالشعر الشعبي بعد أن فتنتي النصوص الشعرية الجديدة. ظلت هناك هيبة قوية، وفتنة بالغة  لمشهد جدتي، أو خالتي أو أمي وهي “تعدّد” بمفردها  في زاوية.

الجنوبية تذهب إلى “العديد”  كلما غمرها حنين لا أعرفه، أو عصفت بها عواصف الحياة. كنت أمر بالجسد المقرفص والوجه الناظر في موضع سجوده لو سجد، وأشعر بالشؤم فأمضي مسرعا، أمضي لألعب الكرة، منزعجا من ألحان تلك البكائيات الشعبية.    

  أفكر على فترات وبشكل مفاجئ، في تلك الكلمات التي تصبح حضنا وملجأ وإكسيرا يعيد لأجساد النسوة حيوية لا يعيدها سوى العديد.

   كانت أمي تضحك علي أتفه الأسباب بعد خروجها  من نوبة عديد نظن خلالها أن الأم  علي مشارف توديع العالم.  

   فيما بعد اقتربت منها لأجمع مخزونها من ذلك الفن معتقدا بأنها تحفظ الكثير والكثير، وفوجئت أنها لا تحفظ الكثير، وعرفت أنها كانت تنطلق من المحفوظ  لتقول قولها هي. كانت تُألّف ولا تبالي بما تألفه،  تألفه لنفسها في لحظة معينة وتتركه يطير.

   فيما بعد تابعت المزيد من كلمات العديد، تابعت حدتها، وتكثيفها وصورها وجرأتها، واقتحامها للمحرم وهي تخاطب الموت، ولا مبالاتها بالوزن كما أنزل، وخروجها علي بناء “العدودة” نفسه  بلا مشاكل.

   تابعت عجز المتدينين عن فعل أي شيء أمام صيحات الجذع وبسالة من يكلم الموت وجها لوجه وندا لند، تابعتها بينما كان يتسرب في أعماقي وعيا بالشعر لم أعرفه من خلال الكتب، تراني لم أتأثر بذلك ؟ تراني تأثرت به وخنته ؟ إلي أي مدي يمكن أن يتجاوز المرء ما هو متغلغل في أعماقه ومازال يؤمن به ؟

أن تكون كاتبًا وذا “فانز” ولا تجيد الإملاء

كتب الدكتور محمد طه بين القيمة وتحقيق الجماهيرية.. روشتة جاهزة للقراء

8ـ الشعر والشادوف

    رجل يروي الحقل بالعود ” الشادوف”.

   سمعته أول مرة  ولم أره، سمعت صوته ولم أفهم كلمة واحدة، لم أتبين كلمة واحدة ، حتى أنني كنت أظن في البداية أنه لا يقول شيئا، يعوي فقط عواء آدميا جميلا ومليئا بحسرة ووجع حاد، فيما بعد تساءلت عما يفعل، عرفت أنها كلمات، بعضها محفوظ، وبعضها يتم ارتجاله.

   ري الحقل بالعود عمل شاق جدا،  يظل العامل طوال ساعات يرفع المياه مستعينا بتلك الآلة التي استخدمها جده منذ قرون بعيدة، وسط حرارة الشمس أو برودة الجو بلا ساتر سوي ملابسه المبللة وبلا معاون سوي صوته. غناؤه وسيلته لمقاومة التعب والوحدة، وتحرير البدن من سطوة الوقوف في موضع واحد، يميل لأسفل وينفرد، هكذا إلى مالا نهاية.

   تدور في فمه جمل قصيرة جدا، لكنها تتمدد في عوائه البطيء حتى لا نكاد نميز أحرفها ، وكما كانت تفعل أمي يفعل هو، يرتجل أكثر مما يحفظ بكثير، لا يعنيه جمهور، هو وحده الجمهور، وعابر في البعيد قد يعلق، لكن تعليقه لا يصل.

  يأنس  بغنائه  حتى لو كان أجشا، يغني محصنا من نظرات الإعجاب، أو النفاق . يطرح مشاعره وأحاسيسه ويصنع جمالا في قلب الشقاء، بعضنا يصوغ نفسه  بحيث تعجب الآخرين حتى لو أدي ذلك إلي قتلها.

  يروي حقله ويغني  وقد صار جزءا من الطبيعة المفتوحة حوله، كأنه طائر يقف علي غصن عفي  ويطلق صوته الحر في البراح الممتد وما يحمله من سماء وشمس وشجر،  وحيدا يغني غناء الرجال و هو يقاوم البؤس والشقاء والفقر والقهر بصنوفه ، وحيدا  يغني للحياة.

لقطات فوتوغرافية لتجارب مثيرة وخافتة وموحشة.. مراجعة كتاب الكاتبات والوحدة

ملخص كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية

شيرين هنائي: هذه هي الأسباب الحقيقية لأزمتي بعد وفاة العراب.. وشبح روايات الرعب لا يكون شبحاً دائماً

9ـ ضرورة البحث عن الصفر

  ضاعت خمس سنوات من حياتي الشعرية قبل أن أعرف الفرق بين الحرف الساكن والحرف المتحرك، وبعد أن بدأت عام 1987 عشت طوال خمسة أعوام وأنا أتقلب في أسئلة الشعر، محاولا التركيز في ما بدأ يستقر في ذهني عن الشعر الجيد، ولم تكن خطواتي تتحرك في خط مستقيم، فقد كنت أتساءل كثيرا عن العناصر التي لابد من التركيز عليها بعد إجادة الوزان، وإن لم يقتصر على كل البحور أثناء الكتابة، فقد أهملتُ البحور المركبة، بعد كتابة بعض القصائد السيئة والتي لم تكن تعبر عن الشعر بقدر ما كانت تعبر عن ثأر شخصي مع العروض، وبعد تفضيلي لشكل التفعيلة، أو الشعر الحر كما كان يسمى وقتها.

 هكذا بدأ تركيزي يأخذ شكلا تجريبا، فتارة أهتم بالجمل المنحوتة نحتا ومرة أهتم بالقوافي الحرة، و مرة لا أجد في الشعر شيئا يستحق سوى الصور الشعرية الغريبة، ومرة أشعر أن الشعر أكبر من الصور الشعرية، وأحاول أن أكتب قصيدة بلا وزن، أو مجاز، لكن تركيزي الأساسي كان على كتابة النصوص  الموزونة، ولا ألقي غيرها في الأمسيات، وفي نفس الوقت لا أنظر لما يخلو من الوزن باعتباره خارجا عن الشعر، وكان بعض الأصدقاء يستغربون ذلك ، مادمت أجيد الوزن فلماذا أتعاطف مع الأعداء! 

      في لحظة ما ـ دعوني أختصر ـ  رأيت أن الوقت المناسب قد حان لكي أبدأ، من صفر ما ، صفر أحاول التخلي فيه عن كل ما اكتسبت، أقول أحاول ـ  متلمسا شخصيتي أنا، وباحثا عن تصور للشعر يناسبني أكثر، فمهما كانت فتنة وسطوة بعض التصورات، إلا إن اقتفائها لمجرد التحقق في ظلها لا يعدو أن يكون قتلا للذات، ثمة ما يصلح لسواي ولا يصلح لي، ما يرفع تجربة ويهدم أخري، ثمة ما يميزني أو ما يليق بي  وعلي أن أبحث عنه بهدوء، أن أترصده بعينيّ لا بأعين أخري، لي ذات وحسبي  أن أرفع من فوقها الطوب والنفايات.

ثمة أفكار كثيرة كانت تتسرب إلي أعماقي خلال تلك السنوات وكانت تتراكم لتتجمع في قرارات داخلية ، ثمة قناعات تترسخ مثل:

 ـ الموت الحقيقي  في تقليد أو نسخ أو تكرار الآخر أو حتى الأنا التي أنجزتُ في قصائدي.الشعر أكبر من كل تصور عنه، والحياة هي المنبع والمصب. كل إنسان ـ وبالتالي كل شاعر ـ هو إضافة حقيقية ووحده يحول واقعه إلي وحل أو جواهر،  وغيرها، ومع المزيد من التأمل كانت تسقط طموحات، وتتكشف مسالك، وتتلاشي تصورات وأوهام، وتظهر مبررات للعلاقة بالشعر تبلي معها الرغبة في الحصول علي لقب شاعر. وتتكشف حماقة السعي في طريقي بأقدام الآخرين وأمل الوصول إلي ما وصلوا إليه.

10ـ الخيط في يدي

هكذا كانت تتبلور بعض التصورات التي شجعتني لأن أكتب وأنا في صفر ما في عام 1992: “خذلني الوقت، وخسرت كل شيء، حائط أخير تبقي ، أنت يا ربة الكتابة، فرممي جسدي، تغمدي بحنانك كل فضائحي، ولا تدقي آخر مسمار في نعشي”.

بعدها شرعت في كتابة نصوص مجموعتي الشعرية ( الخيط في يدي) والتي صدرت عام 1997 في سلسلة إبداعات عن هيئة قصور الثقافة بعد انتظار الدور لثلاثة أعوام تقريبا.      

       كانت المجموعة صادمة لمن اعتادوا علي قصائدي الموزونة،  الشاعر الذي صفق البعض لقوافيه المنحوتة بإحكام كان غائبا، المجازات الكثيفة والصور الشعرية  والتركيبات  المعقدة المهيبة اختفت، الذات الأسطورية الفذة غابت و حل محلها موظف صغير يحكي عن عجائز يترددن علي مبني المحكمة طلبا لحقوق  صغيرة خطفت منهن.

الرائي العليم يقر بفشله ويطلب بداية متواضعة وبسيطة، يخلع نعليه ويسعي للسير في الطين، لقد أرسل لي أحدهم خطابا قال فيه أنه كان يسمع عني، وكان يحلم باقتناء ديوان لي حتى عثر علي ديوان “الخيط في يدي” ، مطبوعا علي ورق جرائد لا يليق بالدرر، وآلمه  أن سعر الديوان نصف جنيه وهو ثمن بخس لمن وهب حياته للشعر.

حمل الديوان وعاد إلي بيته مسرورا، لكنه حزن عندما قرأ، حزنَ وندم علي الخمسين قرشا التي ضيعها فيما لا يساوي ، هكذا قال في خطاب أرسله لي، لماذا لم يتجاهل الأمر؟ أية كارثة لاحت له فسهر قلقا، وراح يخط رسالة طويلة، وينتظر الصباح  ليذهب إلى مكتب البريد؟

كان من الممكن أن أضمن مثل ذلك  القارئ،  لو كتبت ما أعرف أنه سوف يرضيه، وما أسهل ما يرضيه، لأنه على الأقل معروف.

لم يكن موقف صاحب تلك الرسالة هو الوحيد، ثمة أصدقاء دعوني إلي التوبة، وكنت أعرف ذلك مسبقا.

شاعر (حداثى) أحبه وأحترمه، من المقربين إلى كان في بيتي، و رغبت في عرض قصيدة عليه من الديون الجديد الذي أتحفظ في عرضه.

“عجائز إسماعيل” هكذا قلت العنوان ورحت ألقي النص الطويل نسبيا. والذي يدور حول موظف صغير في المحكمة، يحكي تجربته مع عجائز يخسرن قضاياهن.

استمع صديقي، وانتظر بفارغ الصبر، ليقول بمنتهى الحسم  وبالحرف الواحد : “هذا ليس شعرا، إنه قصة ، وقصة رديئة “.

لم أفكر ثانية في عرض ما أكتب علي أحد ممن حولي،  لم أفكر في نشر شيء منها ، كانت شبكة الإنترنت وقتها في علم الغيب، و لم تكن النوافذ تسمح بنشر تلك النصوص إلا نادرا جدا، باستثناء مطبوعات غير دورية يطبعها بعض الشعراء بقروشهم، لكنني كنت بعيدا عنهم بسبب إقامتي في قنا،  وبالفعل لم أنشر من ” الخيط في يدي”  قبل صدورها سوي ثلاثة نصوص قصيرة في مجلة القاهرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.