جزء حصري من رواية “صديقة” للكاتبة دعاء العربي

0

لا يعرف حانيًا في حياته الآن سوى شجرة الصفصاف الكبيرة التي ضمته، يلتصق بها ويئن كطائر جريح، يتكالب عليه الجوع وقلة الحيلة، ينتقي من أوراقها، يلوكها في فمه، ليطرد الجوع، حتى يهاجمه النوم، لكن لا نوم هادئ، إذ يضربه الخوف، وترعبه الظلمة، فيزداد التصاقًا بالشجرة، وأحيانًا يتسلقها، يختبئ بين فروعها من الكلاب الضالة وقطاع الطرق.
ظل كذلك حيث لا أحد يلتفت لطفل العاشرة البائس المشرد، كان ينتظر أي أحد، أو أي شيء، وحينما يئس من انتظار الناس، انتظر الموت، لكن حتى الموت خذله. فاضطر إلى مواجهة الحياة، تعلق بتلاليبها، يومًا بعد يوم نبت له ريش وتعايش. عرض نفسه على الناس في أي عمل، لكن لضعف جسده وهزاله، لم يقبلوه. أخذ يقحم نفسه في أعمالهم، ينتظر تحت الشجرة لحين مرور الفلاحين بمواشيهم، مرددًا عليهم: “عنك يا عمي، عنك يا أبوي” يمسك بحبل البقرة، يُلزمها أن تسير بهدوء دون ضربها، حتى تصل إلى مربطها، ينحني على رجليها الأماميتين، يربط كلًّا منهما في (حجلة) ويربط رسنها في الوتد المقابل، راميًا لها ما توفر عند مالكها من برسيم أو خوص ذرة، ثم يملأ الدلو، يحمله بصعوبة، ويمرره لتشرب.

العراب الراحل … كل ما تود معرفته عن العراب “أحمد خالد توفيق”

رواية 9 ملي .. تعرف على ملخص رواية 9 ملي للكاتب عمرو الجندي


ينتهي من ذلك، ثم يجري بخفة على مواشي فلاح آخر، يكرر نفس فعلته وأحيانًا يزيد بحلب بقرةِ آخر، إذا طلب مالكها. يفعل ذلك مقابل أن يرسل إليه واحد من الفلاحين، كسرة خبز وقطعة جبن، أو صحن مش، وأحيانًا يزيده الكريم بقدر لبن، وأحيانًا ينساه الجميع، فيتكور جوعًا تحت الشجرة، يلوك ورقها حتى يداهمه النوم. في يوم نهشه الجوع، ففكر كيف يتخلص من الجوع دون الحصول على طعام، فرقد يضم رجليه ناحية بطنه، ثم وقف على يديه رافعًا قدميه إلى أعلى، بل مشى خطوات بهذه الكيفية، ظنًّا منه أنه بذلك يطرد الجوع.
التف حوله الصغار يشاهدونه ويضحكون ملء أفواههم، سعد بوجودهم، فزاد بحركة أخرى، وهي أن يقف على يد واحدة.

حبس الأطفال أنفاسهم تحسبًا لسقوطه، لكنه لم يسقط، وحينما سمع تهليلهم وتصفيقهم، أضاف حركة ثالثة، وهى أن يقوس ظهره وينقلب للوراء، وكلما انبهر الأطفال، فعل حركة أخرى، وأخيرًا قفز ليمسك بفرع الشجرة، ينتقل من فرع إلى فرع بحركة دائرية، بخفة الطيور ومرونتها، كأن جسده خالٍ من العظام.. ومن هنا لقب بـ”الطاير”.

هكذا أصبح الطاير جزءًا من الشجرة، وأصبحت الشجرة جزءًا منه، بعد أن انقطعت شجرته الآدمية، حيث ماتت أمه وهي تلده، ومات أبوه وهو في الخامسة من عمره، فرعاه أخوه الصاوي من بعدهما.

كان أخوه الصاوي حنونًا، عطوفًا عليه، يوفر له كل طلباته، ولا يبخل عليه أبدًا، بل يفضله على نفسه.
يتذكر يد الصاوي وملمسها الحنون التى كان يدلك بها يده الصغيرة، ليشعر بالدفء، وكيف كان يقشر له وحدات البرتقال التي كان يستعصي عليه تقشيرها، يد الصاوي كانت تمسح دمعه، وتربت على ظهره، وأخيرًا ترفعه على ظهره، ليلهو ويبتسم، ورغم أن الصاوي كان يكبره بخمسة عشر عامًا، فإنه كان يجثو على قدميه، ليلعب معه.
يد الصاوي كانت تقبض على يديه، ويمشيان لمسافات طويلة، يفسّحه في الموالد، يشتري له الفول السوداني والحمص والجلاب، ويرى الطاير كثيرًا من الحركات البهلوانية، فيفتح ثغره دهشة.
يتذكر شجار الصاوي مع زوجته، بل وسبّها إن قصّرت في خدمة الطاير أو تأخرت في تلبية طلبه. كان الصاوي بمنزلة أم بعد الأم، وأب بعد الأب، وأخ من أفضل الإخوة، لكن ذلك لم يدم طويلًا، حيث تورط الصاوي في الديون، بعدما وقع في شرك الربا، خسر تجارته، وطارده الدَّيَّانة، وحينما عجز عن السداد، وُضِعَ في السجن.
ذلك لم يشف غليلهم، استولوا على بيته، وطردوا زوجته وأولاده، ففرت بهم إلى بيت أبيها في قرية مجاورة، تاركةً “الطاير” في العراء. * اعتاد الطاير أن يكرر حركاته البهلوانية، ليبهر أي حضور، بل تطور الأمر معه وحازَ أهميةً، حينما بدأ يجني من ورائه مكاسب، فكثيرًا ما يقسم مع أحد من الصغار شطيرة بالزبدة البلدي، أو ينال من أحدهم حفنة كشك.
فوق ذلك أمِن أذى الصغار له، كاسبًا ودهم. جميعهم يجحظ عينه، ويفتح ثغره دهشة، لما يفعله من حركات، محاولين تقليده والتعلم منه، يجلسون معه لوقت طويل تحت الشجرة، بعدما كانوا يقذفونه بحجارتهم في الذهاب والإياب.

جوائزة البوكر تعلن القائمة الطويلة 2021 .. تعرف الآن على أسماء الروايات التي جاءت في قائمة البوكر 2021

رواية الفيل الأزرق.. كل ما تود أن تعرفه عن الرواية الشهيرة “الفيل الأزرق” لأحمد مراد

سعد “الطاير” بمكانته الجديده التي تكرم الله عليه بها، فتقيه شر الجوع، وإن كان يأمل اقتناء ثوب يحميه من لسعات البرد وضربات الشمس، بدلًا من القديم البالي الذي يرتديه.

يتوسل ويلح علي “موريس” ليأخذه معه إلى سوق الماشية، ليساعده في الربط والحل، أو يرجو من شيخ البلد، أن يسمح له برعي غنمه.

تمدد تحت شجرته في ظلمة الليل التي لا يتخللها سوى نقيق الضفادع، يسمع صوتًا ينادي باسمه، يفتح عينيه، ليرى شبحًا قادمًا نحوه، كان قد تعود رؤية الأشباح، في كل مرة يغمض عينيه، ويخفي وجهه بيديه، ثم ينام، لكن هذه المرة كان الشبح مُصِرًّا على مواجهته، فما كان يملك سوى أن يعتدل في جلسته ويواجهه. يا ولد!

نطق بها الشبح، فهدأ “الطاير” الذي تجمد دمه، حيث اطمأن إلى أنه إنسيّ، ورغم أنه يعرف أن للإنس أذًى لا يقل عن أذى الجن، لكنه بقيَ صامتًا. كرر الشبح نداءه حتى اقترب على بُعد مترٍ منه، لم يرَ ملامحه، لكنه ميَّز صوته المبحوح، فقال: عم موريس. _ فز قوم يا واد، هتودي معي عجول للست دلوقت! علق الطاير قائلًا: دلوقت؟! _ يا واد قلت لك أيوه، اشترطت عليّا يكونوا عندها قبل طلوع السمس، والفجر خلاص اها. تململ الطاير: طب استنى شوية يا عم موريس، العجول تعذبنا في العتمة دي، ومشوار الست بعيد. _ قوم يا واد كفاية كسل وفقر، قوم! ثم لكزه بالعصا، لينهض الطاير في الحال. سار موريس والطاير خلفه.

موريس رجل خمسيني نحيف، مصاب بالعرج في إحدى قدميه، لا تظهر قوته وفظاظته إلا مع الطاير، يعمل تاجرًا للمواشي، ذمته خربة، والناس تعرف ذلك، يتعاملون معه مضطرين، لأن أمواله جاهزة دومًا، على عكس باقي التجار المفلسين الذين يقسطون النقود للبائع. يتعامل مع الست بحرص شديد، فهو يعرفها ويعرف غضبها، ويعرف رضاها أيضًا، يسعد بطلبها ولا يتأخر لحظة، ورغم أن الست تبخل عليه مثله مثل الكثيرين، وحراسها يعاملونه أسوأ معاملة، فإنه يعتز بمقابلتها ويفخر أنه يتحدث معها شخصيًّا، محاولًا نيل رضاها وكسب ودها، ليأمن غضبها وتقلباتها.

حينما أرسلت إليه في طلب ذبائح، لم ينَمْ، خائفًا أن يتأخر عليها.

يأخذ الطاير معه عندها، هو يستغل الطاير ومرونته، يستغل كونه وحيدًا وشريدًا، فيأخذه معه، يقود المواشي لمسافات طويلة دون مقابل، إلا من قليل من فتات الطعام، يعطيه له في الطريق، ليواصل السير، وهو لا يكف عن تعنيفه وتبكيته، بل وضربه إن تغير مزاجه، ومع ذلك أحبه الطاير، وأحب أن يذهب معه، مناديًا إياه صدقًا بكلمة ” عمي”.

يغفر الطاير لموريس جشعه وإجحافه وكل شيء، لمجرد أنه يأخذه معه إلى سراي الست، ليرى الطاير عالَـمًا غير كل العوالم التي يعرفها أو يسمع عنها. انطلقا.

كلٌّ منهما مُحكِمٌ قبضته على حبل عِجل، وسارا متجاورين في الظلام. بين شد وجذب، هما يضربان، والعجول ترفس. جف ريقهما وتعبا، والطريق طويل ومظلم من الترعة الغربية إلى سراي الست، فاقترح موريس أن يستريحا قليلًا، ثم يواصلا السير. ربط كلٌّ منهما عجله بإحكام في جذع نخلة، غاب موريس ليقضي حاجته، ووقف الطاير على مجرى ماء، يملأ حفنة يده ويشرب، ثم غسل وجهه ورأسه، غلبته طفولته، فأسقط قدميه في الماء. سمع صوت موريس زاعقًا: يا طااااير.. يا ولد.. العجول اتسرقت يا ولد. جرى عليه حيث جذع النخلة، رأى رَسَنَ العجول دون العجول، فهدأ قليلًا: “العجول هربت يا عمي ما اتسرقتش، رسنهم سليم مش مقطوع، نطحوا بعض لحد ما خلعوه”.

ولول الرجل الخمسيني، أخذ يندب حظه، وقف يسأل طفل الثانية عشرة، ماذا يفعل، فهو ابن الشجرة، بقي عامين تحتها يراقب ماشية الفلاحين ويربطها.

ظل يندب مرددًا: “العجول ضاعت يا ولد، ماذا أقول للست يا ولد؟ أين أبحث عنهما في هذا الليل الكاحل؟ ومن أين أسدد ثمنهما يا ولد؟ سيقتلني رجال الست يا ولد، العجول جريت في غيطان الذرة والقصب والجو مظلم، لم نعثر عليهما ثانية يا ولد”.

في كل سؤال كان يضرب على رأسه ويصرخ. تركه الطاير لولولته، وتسلق النخلة لمنتصفها، أخذ يقلد صوت البقرة، رد عليه العجل بصوته من بعيد، جرى موريس على مكانه، قفز الطاير على الأرض، فك الحبل من جذع النخلة وتبعه، تحلقا حول العجل، حتى أمسكوا به، ربطه الطاير بإحكام وأعطاه لموريس، وانطلق ليبحث عن الآخر، الآخر كان أسود من الليل الكاحل، وأكثر عنفًا وقوة، من المؤكد أنه هو من بدأ بالتناطح.

ظل يبحث عنه حتى لمعت عيناه الحمراوان من بعيد، بالقرب من بركة ماء، جرى نحوه الطاير حتى أصبح في مواجهة معه، حاول أن يرمي الحبل على رقبته، ليمسكه، لكن العجل هاج وماج، أخذ يضرب بأرجله ضربات متتالية، فرفع الطاير عليه العصا، وضربه على وجهه ضربات موجعة، ليتمكن من رمي الحبل على رقبته، وأخيرًا أمسك به، مشى به خطوات مناديًا موريس، وإذ فجأة ثار العجل، فلت من يده، نطحه برأسه الضخم في بطنه، ثم أزاحه ليسقط في بركة الماء، ثم داس عليه بقدمه، وجرى مبرطعًا.

انكفأ الطاير على وجهه في البركة، ظل يتألم، ويتأوه، فاقدًا القدرة على الحركة وعلى الاستغاثة، فقط يتحسس خيط الدم الرفيع الذي يسيل من فمه ويبكي.

بقي الطاير لساعات لم يقوَ على الخروج من الماء الآسن، جسده ملطخ بالعفن، تتقافز على وجهه الضفادع دون حول منه ولا قوة، كلما حاول أن يزحف بجسده للخروج، توغل أكثر، دُوار شديد أصابه وأفقده اتزانه. ظل كذلك حتى رآه أحد الفلاحين يعمل في ري الزرع، فزع لرؤيته، انتشله مسرعًا من البركة، صب له الماء، ليغسل وجهه من الدم والطين، سأله عن هويته وأهله.

بكى الطاير، أخبره أنه الطاير الذي يقطن الشجرة فوق الترعة الغربية، كان قاصدًا سراي الست مع موريس. حوقل الرجل، سنده حتى ركبه على حماره، أخذه معه إلى البيت. خلع جلبابه المتلطخ، وألبسه جلباب أحد أبنائه، لم يقوَ الطاير على الوقوف على قدميه، كان في حالة شبيهة بالإغماء، أشفق عليه الرجل وزوجته، فأحضرا له الحلاق، الذي سقاه منقوعَ ثوم، وربط رأسه بشريط من الكتان، ناصحًا بتدفئته في الفراش حتى الصباح.

نام الطاير في بيت الرجل وسط أولاده، شعر بدفء، لم يشعر به منذ زمن، تمنى لو عاش معهم العمر كله، ولو خادمًا لهم، شعر بالتحسن في رأسه الذي داسه العجل، ليس بسبب رباط الحلاق، و لكن لإحساسه بالأمان، إحساسه لم يدم طويلًأ، حيث أيقظه الرجل مع أول زقزقة عصفور، ليذهب كما جاء، قام خجلًا من نفسه، شعر بالدوار يعود من جديد، لكنه تحامل حتى وقف على قدميه.

خلع الجلباب النظيف، وتناول جلبابه، لبسه ليذهب، استوقفته زوجة الرجل، عرضت عليه أن يتناول معهم الإفطار، لكنه اعتذر، فأردفت المرأة: معلهش يا ولدي، البيت فيه بنات وانت عارف كلام الناس. لا يعرف ما تقصده تمامًا، أو ربما رفض عقله ما تقصده، لكن في النهاية هز رأسه شاكرًا وذهب. الطريق لسراي الست من بيت الرجل لم يعد بعيدًا، لكنه شاق وبعيد على مرهق ومتعب مثله، يمشي حينًا، ويقف أحيانًا، حتى وجد نفسه أمام البوابة الكبيرة للسراي، خافَ الحرسَ، فإن لمحوه يحوم بلا سبب قوي فسوف يوسعونه ضربًا وسوف ينكلون به، وقف على بعد، ثم حام حول الباب الخلفي للسراي، عادةً، يخرج منه موريس وكل من له تعامل مع الست من تجار، يريد أن يعرف ماذا حدث مع موريس، هل وجد العجل وأتى بالاثنين إلى السراي، أم إنه جاء بعجله فقط، متحملًا تعنيف الست وغضبها؟

ظل يحوم ما يقرب من ساعتين ليعرف خبره، لسوء حظه لم يخرج أحد، تعب فاتكأ على شجرة على بعد من الباب. يدعو الله أن يعرف خبر موريس، قبل أن يعود إلى الشجرة، حتى يهرب من عقابه، إن كان قد خسر العجل.

طأطأ رأسه، إلى أن سمع صخبها، رفع عينيه، وجدها فى الشرفة، تنظر إليه وتبتسم، ثم لوحت له بيدها، بادلها الابتسام، فضحكت بصوت مسموع قائلة: “اطلع”. التفت حوله، خوفًا من مجيء أحدهم، وهمَّ بالرحيل، إلا أنها استوقفته بصراخها، ماااامااا. خرجت خلفها فتاة أخرى، من ملابسها، عرف أنها الخادمة، أشارت إلى الطاير وصرخت: اطلع. بقي في مكانه مذعورًا، فكر أن يجري قبل أن يخرج أحدًا من الحرس، ويمسكوا به، يؤدبونه، إلا أنه لم يستطع من شدة خوفه، ومن رأسه الذي ما زال ثقيلًا يدور، فيمنعه من السرعة.

رواية الجزار .. كل ما تود معرفته عن رواية الجزار للكاتب حسن الجندي

كل ما تود معرفته عن رواية في قلبي أنثى عبرية للدكتورة خولة حمدي

تعرف على أهم المعلومات عن كاتب مؤلفات الرعب الشهير “حسن الجندي”

روايات عربية / روايات اخر مترو / روايات مترجمة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.