صدام حسين .. أسرار قصيدة 3030 من ديوان “سيدا” للشاعر أحمد السعيد

0

صدام حسين .. أسرار قصيدة 3030 من ديوان “سيدا” للشاعر أحمد السعيد- محمود عبد الناصر- شاعر وبوكتيوبر مصري

ستسمع هذا الاسم كثيراً لو انك نشأت عربياً. لكفوف الشمس علامات فى قفاك. بجانب انه اسمٌ لواحد من اكثر زعماء العرب اثارة للجدل . فى الغالب ستسمع اسمه مقترناً بمدائح مهولة وستمع اسمه ايضاً من البعض مقترناً بأوصافِ المجرمين . سيتردد فى ذهنك مشاعر مختلطة بين الفخر والحزن والحسرة . وبين البغض والكراهية. لكن اكاد اجزم انك لن تشعر بالشفقة . لن تشعر بالبؤس والحيرة . لن تدمع عيناك. إلا إذا كان هذا الصدام هندياً !

لن تجد مكاناً على وجه الارض يمتلك ثراءً واختلافاً على جميع الاصعدة اكثر من شبه القارة الهندية. ستجد هندياً يعمل كرئيس تنفيذى لأكبر شركات العالم وستجد آخر يذوب فى صحراء الخليج العربى كعامل انشاءات. ستجد احدهم يعبد الله واخر يعبد المسيح وثالثٌ يعبد البقرة ورابع يعبد الفأرة. فى ظل هذا التنوع العجيب لن يكون عجيباً ان تجد شاباً هندياً اسمه صدام حسين.

 (عندما تعطلت احدى الألات فى احد مواقع الانشاءات فى مدينة الرياض واضطر صدام الى المبادرة بتصليحها حدث ما لم يكن متوقعاً).

فى إحدى قصائده العظيمة فى ديوانه “طال الشتات” كتب الراحل مريد البرغوثى

شاعرٌ يكتب فى المقهى

العجوز . ظنته يكتب رسالة لوالدته

المراهقة . ظنته يكتب لحبيبته

الطفل . ظنه يرسم

التاجر . ظنه يتدبر صفقته

السائح . ظنه يكتب بطاقة بريدية

الموظف . ظنه يحصى ديونه

رجل المباحث . مشى نحوه ببطء

.

ليس هناك بيئة تنمو بها تلك النظرة الفردية افضل من الغربة . كل شخص يرى الاخر من عينه هو . فكتابته بالنسبة للتاجر صفقة وبالنسبة للطفل رسمة وكلٌ يسقط مأساته ونظرته وطبيعته على الاخرين . هذا تحديداً ما حدث لصدام . فهو بالنسبة لشركته 400 دولار . بالنسبة لشركة الاتصالات 50 ريالاً شهريا . بالنسبة لوطنه واهله فى الهند بضع الاف من الروبيات . بالنسبة للملكة هو “حامل هوية اجبني” فى عين من قسم شقة العمال صدام يساوى (مترين فى متر ونص). فى المستشفى هو يشغل “سريراً”  وبالنسبة لأحمد السعيد مدير المشروع الذى يعمل فيه صدام

 “8 ساعات انتاج” لا احد يرى صدام انساناً . لعبة الرأسماليه تحول الانسان لقطعة بلاستيكية فى ليجو عملاق .

قُطعت يد صدام . هكذا …بهذه البساطة . وكأنى اقول انه طلب العشاء من البيك وسيألك وينام !

قُطعت يد صدام فى تلك الحادثه حينما تطوع ليصلح عطل الماكينه ليكتمل العمل . توقف الوقت . توقفت الحياة . توقف العمل فى الموقع . سال الدم من يد صدام وشعر الجميع ان هذا الكائن البلاستيكى فى الليجو العملاق يمتلك روحاً.

كتابة الرواية الجيدة .. تعرف على بعض معايير جودة العمل الأدبي

بوليانا رواية كلاسيكية لكل وقت.. هل اقتبست من آن في المرتفعات الخضراء؟

عمر طاهر .. صنايعي الكتابة المصري بين الشعر والمقال ورواية حواديت الثمانينيات

رواية 1900 والتنبؤ بمستقبل أمريكا.. هل الرواية صادقة فعلاً.

وكأنهم تماثيل فى متحف الشمع . سيلان الدم نفخ فيهم الروح. شعر الجميع فجأه انهم بشر وكأن احدهم فصل المبرد وساح جليدهم وضربتهم اشعة الشمس . هذا الصدام بشرى. ونحن ايضاً . اصيب الموقع بعدوى الانسانية فجأة . ولكن باقى المملكة ما زالت تحت وطأة بلاستيكية الرأس مالية فهناك ممرض فلبينى يتعجب من اسم العامل الهندى عندما املاه له مدير المشروع المصرى. فوضى عجيبة اركانها تحمل جينات الانسانية باختلاف طباعها وجغرافيتها.

صدام حسين

ضحك الفلبينى الممرض قبل ما يشوفه الطبيب فيلمّ نفسه

وسألنى تانى ايش اسم

صدام حسين قولتلك

سجل وسامعه فى عقل باله بيصنع الافيه

هندى واسمه ازاى كده ؟

كان ابوه وهو بيكتب اسمه فى الحكومة شارب ايه ؟

.

وهنا يطرح السعيد سؤالاً محورياً.

معرفش ايه ممكن يخلى شخص متغرب ..فقير..ومصاب .. وماسك فى الحياه بطراطيف صوابع كف واحده .. والناس بتتريق عليه !

ولم يقل السعيد ما كان سيزيد الجرح ألماً . صدام مغترب وفقير . والممرض مغترب وفقير . واحمد وهو مدير المشروع مغترب وفقير ولا اشك اطلاقاً ان الطبيب كان مغترباً وفقيراً . ولم يمنعهم هذا من التلبس ببلاستيكية الرأس مالية فسخر الممرض من الاسم واجاب احمد على سؤاله قائلاً

نفس اللى خلاك لما على صوته جوا مكتبك تخصم عليه !

والطبيب ايضاً اجاب هامساً فى اذن احمد

محتاج جراحة سريعة ومخبيش عليك

الجرح غاير والفرص صعبة

وكأن الجميع يشارك بشكل أو بآخر فى اللعبة وفى تلويث هذا الجرح ونقله من ذراع الرجل الى قلبه .

احمد مهندس بسيط قدم من ريف المنصورة الى حر الرياض . هكذا مرة واحدة . يجرى فى دماءه نيل اصيل . شرب الانسانية من مصدرها وقلبه خصب كطين الارض .كان مقدراً له ان يكون مسؤلاً عن صدام والمسؤلية الاكبر القاها على عاتقه بكل بلاستيكية دكتور الجراحة :

“حاول تجيبهاله بطريقة كويسة”

 ورغم صلابته وخبراته ورجولته الا انه كاد ينهار

يقول

كان نفسى ينشق البلاط ويشدنى

ويشده والدكتور وشيزلونج الطوارئ

والخمس مستشفيات اللى اتحدفنا من صباحة ربنا بينهم

عشان مفيهومش جراح اوردة

والطب وتقوم القيامة

تماسك احمد اخيراً وقرر ان يكون انساناً وقد نختلف عن مدى انسانيته هنا

“بيقولك الدكتور هتبقى تمام وهتقوم بالسلامة”

معضلة اخرى ..هل كان يجب ان يكمل المشهد البلاستيكى ويصب الخبر فى اذن المصاب بكل قسوة وكأنه خلاطة الخرسانة . “سيقطعون يدك” ام يفعل ما فعل . يبث فيه طمأنينة زائفة . مأزق كبير . الضحية لم تعد صدام وحده . كلهم اصبحوا ضحايا . الطبيب . الممرض . احمد صدام . “العمالة” هذا هو الضحية الكبرى لبلاستيكية الليجو . هم لبنات بناء الحضارة التى لا ترحم . وكأن كلٌ منهم جاء ليكمل ما فعله اجداده منذ الاف السنين . بناء حضارات مادية زائفة على ارواح الانسان . جاء احمد ليصنع فراعنة جدد وجاء صدام ليضع حجراً فى اخر فى بناء حضارة هندية جديدة . كلٌ منهم يسترجع تاريخ اجداده ولكن فى مكان آخر ولكن بنفس النمط . حضارة لا تعرف معانى كالفقر والحاجة . لا تعرف عن الغربة الا اللغة الهجينة التى تستخدم للتواصل مع اولئك المهاجرين . حضارة لها مظهر عظيم لكنها خاوية . بلاستيكيةً عملاقةً ..هشه.

معضلة اخرى يلقيها احمد عندما يقول

“معرفش كان الذنب ولا الانسانية

خلانى اشوف فى مراية الحمام دموع

متليقش على امضة مدير مشروع”

الذنب ولا الانسانية؟ ما الذى أسال دموع مدير المشروع على صدام حسين؟ الشعور بالذنب، وهذا يكمل بلاستيكية المشهد، ويضيف لأحمد شكلاً جديداً من المشاعر . المشاعر البلاستيكية التى تستدعى ان يشعر بالذنب لمسؤليته عن صدام حتى وان لم يكن مسؤلاً عن الحادث . وان لم يكن حاضراً اصلاً . والشعور الاخر لاحمد الانسان . جرت دموعه عندما افاق وادرك انهم مازالوا بشراً ولم تحولهم قطع الليجو الى بلاستيك صافٍ . ولكنه تسائل اخيراً واكتشف فجوة هائلة فى نفسيته !

هل كان لابد عشان تشوفه آدمى ..يقطع دراع ؟

اااهٍ يا صدام . حتى انا انهيت الكلام دون ان اعطيك اهتماماً كافياً . انخرطت فى التساؤلات ومعضلات الاخلاق والازمات النفسية التى لحقت بالجميع بعد اصابتك ولم اتكلم عنك.

يراودنى دائماً مشهدك وانت تشكر احمد على المساعدة والسهر . وتسلم عليه بيدك اليسرى . تحولت من عائل لأسرة يرى فيك كل افرادها املهم فى العيش.

مجرد العيش وليس الرخاء والرفاهية التى تصنعها لغيرهم هنا . الى مجرد عالة عليهم . سترجع الى الهند فاقداً ليس ذراعك فقط . سترجع فاقداً قلبك ايضاً.

سترجع حاملاً هماً جديداً . وسؤالاً جديداً يتردد صداه فى آذان الانسانية . لمذا يحدث كل هذا؟

ويظل صاحب المأساة مهمشاً حتى اذا قصدنا ان نتكلم عنه . اسف يا صديقى صدام . ارجو ان تكون بخير هناك خلف المحيط !

 تعرفي على عالم سارة نشأت: دي نصايحي لأي بلوجر عاوز ينجح.. وده رأيي في جروبات الماميز.. والفولورز أذكياء جداً جداً

رامز جلال والسوشيال ميديا في شهر رمضان .. والجدال المعتاد حول برنامجه الجديد

 قصة ياسمين يحيى مصطفى مع وكالة ناسا .. لماذا أطلقت الوكالة الدولية اسم الطالبة المصرية على كويكب لها؟

200  ألف ريأكت أغضبني على بوست التهنئة ! تفاصيل ترقية مدرس بكلية العلوم التي أشعلت موقع فيسبوك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.