هل الإنسان حيوان رمزي؟ قراءة في رواية ( رفات نبي ) للكاتب أمير حسين

0

رواية رفات نبي للكاتب أمير حسين.. هل الإنسان حيوان رمزي؟ – الناقد أحمد أبو شادي

الترميز فن يقوم بذاته، انعكاس خيالي للواقع في مرآة الأدب، اشتباك بين الرمز والمرموز إليه لا ينفض ضبابه إلا بوعي شامل بالدلالة ومناطها، نوع من الكتابة يمهد لانزياح القارئ من خانة الاستقبال السلبي إلى خانة المشاركة والتفاعل الإيجابي، فالقارئ يتحكم في السيرورة الرمزية بتأويلاته الخاصة للنص، والتي يصل إليها من خلال ثلاث: انسيابية التقبل للتناص الرمزي وجمالية الارتباط بين الرمز والمرموز له وقدرة القارئ على تكوين إحالات خارجية تتيح له الوقوف بوعي على الدلالة الرمزية.

طاقات الرمز في رواية رفات نبي

الرمز صورة فنية مزدوجة الدلالة مبنية على التشفير، كالمرأة في قصائد محمود درويش، والحارة عند نجيب محفوظ، والغربة عند إبراهيم جبرا، رموز تقيم جسرا بين الواقع والخيال، إيغال في اللاحقيقة يعبر بصدق عن الحقيقة، والرمز في الشعر يختلف عنه في الرواية، فهو في الشعر لغوي نفسي يحاصر الشعور، وفي الرواية دلالي عقلي يجسد الفكرة، في الشعر يلسع بالتكثيف والتسديد، وفي الرواية محمول على التفكيك والإطافة.

الرمز كالمرأة، السهلة تزهد فيها، والمشفرة تيأس منها، والكثير من الوضوح كقليله يضعف الرمز ويخلخه، الرمز البديع كالمرأة اللعوب، ترى فيها ما لا تمسكه، وتمسك فيها ما لا تراه، الرغبة نارا في عيونها، لكنها تعطيك بقَتْرٍعطاءَ اليهود، وكما قال جورج غورفيتش: (الرمز ينكشف مخفيا ويختفي مكشوفا)، لذلك فأسوأ ما كتب نجيب محفوظ في رأيي كان (أولاد حارتنا)، ليس هذا إلا لشدة اتضاح الرمز، رمز كشمس الصيف في الظهيرة، رمز تجاوز حد السذاجة بالبعيد، أما رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) مثلا للطيب صالح رغم جمالها فهي أبعد ما تكون عن الترميز رغم أنف أطروحة جورج طرابيشي، وإصراره على امتلائها بالفحاوى الرمزية.

هل الإنسان حيوان رمزي؟

الفيلسوف الألماني/ أرنست كاسيرر

الزمن.. ملخص رواية رفات نبي

على مساحة زمنية مغبرة القدم انتقى الكاتب أمير حسين جزيرة المنزلة لينصب عليها أبنيته السردية، العالم من بعد نوح والطوفان الأول، قبل أن تتمايز الحقائق عن الأساطير، استُخلق شعب صغير على الجزيرة، ركونٌ في دينهم وقوانينهم إلى ألواح مقدسة حملها لهم البحر الأعظم، تعرف أسرارها كاهنة، وتحكم بسلطتها ضريرة، وينفذ أحكامها ريّس البحارة، ثم يظهر أخو صالح فجأة من العدم، مات صالح فاكتشف الناس أن له أخا عاش بينهم سنوات وسنوات، واكتشف هو أنه موجود، كان ظِلا أراد فقط أن يصبح حقيقة، فأصبح كل شيء، أراد أن يغيّر بعض نفسه، فساقته المقادير ليغير العالم كله، كانت البداية بموت أخيه صالح، فتحرر ظله التوأم، أعلن عن نفسه حين ارتكب جريمته الأولى، أن فكر، وحين فكر تشكك، وحين شك اعترض، وحين اعترض تمرد، ويأبى التمرد دائما إلا أن ينتهي بطوفان، وكما بدأ بدأت النهاية انتهت البداية، لتكتمل دائرة أخرى من دوائر التاريخ الإنساني.

جائزة راشد بن حمد الشرقي تستقبل المشاركات لدورة 2021 في فروع الشعر والرواية والقصة وأدب الطفل والمسرح والنقد والتاريخ

من ظاهر القالب سيرى الكثير أن الرواية ترمز للأنظمة المستبدة ذات الاتكاء الديني، فيفسرون الألواح والريس والضريرة و.. و.. و.. على أنها رموز للسلطة ولشيوخها ودساتيرهم وتفاسيرهم وغير ذلك، لكن الأمر في الحقيقة أبعد وأعقد حتى لو لم يقصد كاتب العمل هذا البُعد وهذا التعقُّد، فرأيُ الكاتب ومقصده الأول من العمل لا يلتفت له كثيرا، يرعى الأب ابنه فرضا ولكن ليس له أن يحتكره، ورواية رفات نبي ابن مميز وعمل بديع مختوم قفله بترميز جيد، والرمز الجيد يفسر بمناطه لا بذاته.

مناط الرمز هو جوهره المخفي خلف ظلاله، يلقي في عقول المفسرين أوحية داخلية وإحالات خارجية عديدة، متحدة الأصل، متنافرة التفاريع، مسوغ باذخ لأطروحات متباينة، فتعدد التفاسير المخلوعة على الرمز دليل ثرائه وشموليته، المهم أن يقف المفسر على المناط ويحدده حتى لا يقع في شباك التفسير الوحيد.

ومناط الرمز في رواية رفات نبي هو فلسفة الصراع الإنساني، هو كيف وأين ولماذا نتصارع، بدا مناط الرمز جليا حين قال الراوي البطل (فرغم إحساسي بالذنب ……لم أتنازل عن التمرد على الريس وكل ما يفعله أو يقترحه.)، وكأن الصراع الإنساني هو أصل العلاقات البشرية، هو السبب لا النتيجة، الفعل لا رد الفعل، إذن ماذا لو فسرنا النص الروائي على نحو مغاير، بعيدا عن السياسة، ماذا لو أعدنا تأطير الرمز لنسقطه على الصراع الداخلي الإنساني، كيف يتمرد الإنسان على ثوابته الداخلية، الدينية والسياسية وحتى الأخلاقية، كيف يرى الصراع المضطرم داخله بين التغيير وبين الثابت، وخصوصا لو تناولنا تلك الفترة التي عقبت ثورة يناير وما حوته من تبدل حال الكثير من المصريين على المستوى الديني والسياسي والأخلاقي.

أو قد نسحب الترميز بإحالة خارجية أبعد، ونسقطه على الصراع الأدبي الضاري بين أحافير النقاد العتيقة، بقواعدهم البالية في النقد، وقولبتهم الجائرة للانهائية الفن، وبين الحداثة الأدبية في الطرح والتناول والتقبل البديهي لمفهوم الحرية واللاحدود، وأقول حتى لو أننا استعرضنا كافة أشكال الصراع الإنساني الأزلي سنجد في الرواية نمذجة ثرية له، فقط لو قمنا بالتركيز على مناط الرمز لا ذاته ولا أثره ولا أُطُره الخارجية.

إثراء التجربة الرمزية في هذه الرواية كان مكفولا من عناصر عدة، منها مثلا استخدام التفاصيل ذات الدلالة، كأن يصف البطل نفسه (دأب الناس ينادونني بأخو صالح …… كنت أول إنسان ينسب إلى أخيه)، نسب المرء لأخيه تفصيلة تبدو هامشية في الرواية، لكنها تعطى ظلالا وارفة ذات عمق وذات دلالة، فهي تعبر عن تبعية الإنسان لغيره، أو تبعيته لفكرة ما، أو لشهوة ما، أو تلمح لتبعية الشعوب لحكوماتها، أو لشعوب أخرى تسيطر عليها بقوتها الناعمة، تضمين فكرة الإنسان التابع أضفت على الرمز الكثير والكثير من العمق والتبيان.

جائزة الطيب صالح شروط التقدم للطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي ولينك التقديم

النوارس وسكنى الأرواح

تفصيلة أخرى مهمة، كالخلاف على سكن الأرواح في النوارس بعد الموت، وهي التي ترمز لصراعاتنا الداخلية والخارجية غير المجدية، تماما كعدم جدوى النتاحر بين الأحياء على قضايا ما بعد الموت، وهناك تفصيلة أخرى كاختيار الجزيرة لتصبح المكان الظرفي لرواية رفات نبي ، وتتخلق عنها ثنائية الأرض والماء، فترمز للثابت والمتغير، للاستقرار والاضطراب، للموروث الآمن والتغيير المغامر، ثم نرى تفصيلة أخرى في ميل أخو صالح الدائم للصيد من البحيرة الهادئة دون البحر، في إشارة قوية الدلالة على تكاسل الشعوب، أو اكتفائنا الذاتي بالمتاح خوفًا لا غنًى، أو حتى استغلاق دائرة الخيال في الكتابة على نفسها، وإعادة تدوير الأفكار واستيلاد المتشابهات، وكل هذه الاحتمالات قطعا تعود لتأويلاتنا المختلفة لرموز الرواية كما سبق وتَوَضَّح.

ومن العناصر الهامة أيضا في رواية رفات نبي كان عنصر اللغة، فالكاتب اختار لغة خفيفة، بساطة لا تخلو من جمال، تشبيهات تلقائية رشيقة كراقصة باليه، وجمل على قصرها تعطي معان أكبر، تلسع العقل في أكثر من موضع كلما أعاد قراءتها، التكثيف كان جليا جليلا، والاستغراق الفكري للمعاني المشمولة فاق كثيرا الاستغراق اللغوي للتراكيب البلاغية، وهذا تحديدا ما يدفع القارئ نحو التوغل في فهم الرمز، فكثرة التراكيب البلاغية والتشبيهات الجمالية قد تسحب القارئ وتجرف جزءا من تركيزه فينسل من بين يديه الرمز كالماء، وتتشتت به الاسقاطات، فيتوه بين الإحالات ولا يرسو، وهذا تحديدا ما كان يخشاه الكاتب.

عنصر أخر في الرواية، عنصر زادها في موضع وسلب منها في آخر، وهو استخدام الراوي المتكلم، فرغم أن الرواي المتكلم قد منح الرواية بعدا نفسيا غائر الأثر، لا ينسى ولا يمكن تجاوزه دون التأمل فيه، وهذا أمر محمود، لكنه في نفس الوقت منحها انغلاقية التجربة وأحادية الرؤية، فالروي كان يمثل رؤية الكاتب وحده وفلسفته وأفكاره، والرمز يحتاج ليتجلى تضخيم شموليته وبسط المدى لمراميه، ولكن مع الراوي الوحيد المتكلم أصبحت شخصية هذا الرواي هي رب الرواية، ومن خلالها فقط نرى الرموز ونحللها، في وجود شخصيات أخرى فائقة الجمال والأثر والتخليق، شخصيات كان يجب العناية بها أكثر لو تخلى الكاتب عن راويه الوحيد قليلا، فالشخصيات في العمل الروائي هي أنماط لوجهات نظر، قوالب رمزية يجسد بها الكاتب أفكارا وعواطفا ورؤى للحياة، تفاعلاتها البينية هي التي تصنع الحدث وتقدم من خلاله الرمز، والشخصيات في رفات نبي كانت بالفعل تحتاج لإبانة أكثر وتجلية.

هل يمكن أن تسمع أصوات خلال قراءة رواية رفات نبي ؟

الخلفية الصوتية التي ستسمعها أثناء قراءة رواية رفات نبي هو صوت اللهاث، لهاثك أنت، الأحداث سريعة، حاسمة وحادة الأثر، نزيف لا يتوقف من الأحداث، كرة من الجليد تسقط من رأس الجبل، الكاتب لا يسمح للقارئ بالتقاط أنفاسه ولا يربت عليه البتة، يبدو ذلك جليا من قلة صفحات الرواية، فضيق الرقعة السردية ظلم أحداثا كثيرة لربما احتاجت تريثا لتختمر قبل التناول، التسارع كان رشيقا لا أنكر، ولكن لو أنه استمهل الحدث قليلا لأكمل وجمَّل.

في عموم النظر الرواية سيالة الحسن والبداعة، أنساق سردية صنعت من الرمز دهشة، طيات مكتظة بالدلالات والرؤي، لا تخالها تنتهي إذا بدأت، وإذا انتهيت أيقنت أنك لم تبدأ بعد، منحت كاتبها الخلود كما منحها قَبلًا الحياة، وفتحت بابا جديدا للفانتازيا الواقعية الهادئة في أرض الكبار، ولا يمكن لقارئ محب للخيال إلا أن يمر بهذه الرواية لينهل ويهنأ.

اقرأ أيضاً عن ملخصات كتب ومضامينها على آخر مترو

أحمد مراد .. كل ما تريد معرفته عن البيست سيلر منذ بداية حياته ومسيرته المهنية حتى الآن

عن القراءة وعلاقتها بالمعرفة.. بدءا من اقرأ إلى مراتب الوعي

كتاب أفكار ميني جيب لمحمد حسن الصيفي.. ملخص أفكار الكتاب واقتباسات منه

مقدمة كتاب .. كيف يغير الكُتاب عقول القراء ليقوموا بقراءة المقدمة ؟

شلولو وبصارة بط وطحالب.. تعرف على أغرب تجارب الكُتَّاب مع الأكل ومشاعرهم نحوه

عمر طاهر: أحب الحفيد أكثر من الناصر صلاح الدين.. وممكن أكتب مسلسلات في الحالة دي

عن الشعر والشهرة وأمريكا ومصر ومحمد محسن.. مصطفى إبراهيم في آخر مترو

كتاب.. من قالوا “فشخ” في وجه من قالوا جدًا.. لسان العرب

بين نوح الحمام وهديله.. أدهم العبودي في رواية جديدة يحكي “ما لم تروه ريحانة”

تعرف على محمد حافظ رجب “طارق ليل الظلمات”

تأليف كتاب من الشرفة الخلفية.. دفنة صومان تكتب عن طقوس الحجر الصحي والكتابة

كتاب .. مرح الآلهة.. 40 يوماً في الهند حيث الأسطورة وما لا يمكنك أن تصدقه!

تعرف على ملخص رواية أرض زيكولا للكاتب عمرو عبدالحميد

تعرف على ملخص رواية أماريتا للكاتب عمروعبدالحميد وبعض الإقتباسات منها

رواية الجزار .. كل ما تود معرفته عن رواية الجزار للكاتب حسن الجندي

كل ما تود معرفته عن رواية في قلبي أنثى عبرية للدكتورة خولة حمدي

تعرف على أهم المعلومات عن كاتب مؤلفات الرعب الشهير “حسن الجندي”

العراب الراحل … كل ما تود معرفته عن العراب “أحمد خالد توفيق”

رواية 9 ملي .. تعرف على ملخص رواية 9 ملي للكاتب عمرو الجندي

رواية رفات نبي حاصلة على جائزة راشد بن حميد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.