رواية حانة الست و أم كلثوم التي لا يعرفها أحد .. ماذا فعلت الرواية في كوكب الشرق؟

0

رواية حانة الست .. ماذا فعلت الرواية في كوكب الشرق؟ الدكتور محمد أبو السعود الخياري، باحث وناقد أدبي مصري

ظل شكل الكِتاب هو الأكثر جذبا للمبدعين عند تناولهم للسيرة الذاتية أو الغيرية في عموم الأدب العربي الحديث . ولا شك في أن القالب المفتوح للكتاب قد أسهم في ذلك؛ إذ لا يفرض على كاتبه قيودا من نوعية الحبكة والتماسك والحيز المكاني أو الترابط – أو التشظي – الزماني؛ وكلها قيود تختص بالسرد. وعلى قدر شهرة المكتوب عنه – في حالة السيرة الغيرية – كانت سهولة تناوله بسبب وفرة المعلومات وكثرة المواقف وغزارة الاهتمام الإعلامي.

بيد أن كثيرا من هذه الثوابت أصابها التصدع مع رواية الكاتب المصري محمد بركة ( حانة الست ) التي تتخذ من حياة أم كلثوم عالما سرديا لها . اختار محمد بركة الشكل الروائي ؛ بمعنى أن صاحبة السيرة ستكون إحدى شخصيات الرواية بما يعني بثا للروح في أركان الشخصية النمطية المشرقة في جنبات الوطن العربي كله عبر أجيال تترى.

شجرة الحكايات في رواية “ورثة آل الشيخ ” للروائي أحمد القرملاوي

رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم مبنى مملوكي | روايات لا تنسى

رواية حانة الست .. المحجوب من أم كلثوم


غير أن رواية حانة الست وكما يخبرنا العنوان الفرعي على الغلاف تهتم بالمحجوب من حياة الست ( أم كلثوم تروي قصتها المحجوبة). المغامرة الفنية الخطرة بعينها قرر محمد بركة أن يخوضها – وبضرواة – فالمكانة الكبيرة لأم كلثوم ونجاحها وفنها و….. كل ذلك قرر بركة منذ اللحظة الأولى وضعه بين قوسين؛ غير مكتفٍ بذلك بل ومعه مشرط الروائي سيفتح عددا غير متصور من الجراح في مناطق خافتة باهتة لا يعرفها منا أحد.

المقامرة الفنية لمحمد بركة هي في خدشه وهتكه لأفق التوقعات الخاص بالمروي عليه؛ فالجميع جاهز للانتفاض حال مطالعة ما لا يرضيه عن سيدة وجدانه عبر عقود طويلة من الفن والثقافة العربية… أما ما زاد الأمر إثارة هو أن دفة الحكي قد سلمها محمد بركة لأم كلثوم ؛ فجعل الراوي الرئيسي في مشروعه – ولا أقول روايته – هو الراوي الشخصية ( كوكب الشرق نفسها ) ؛ ليأتي الحديث مشحونا حد التشبع بالصوت الشعري المؤثر ؛ حيث ساعدت هذه التقنية السردية في إنزال كوكب الشرق من السماء إلى الأرض في لمح البصر؛ وبدا صوتها متعبا ونفسها مقطوعا؛ وهي تحكي لقارئ وحيد مصدوم بما يسمع من لحظات حقيقة لا يبوح بها المرء إلا لنفسه.

ونطالع بل نسمع في مقدمة ( حانة الست ) ذلك الحكي الأسيان ؛ ويشرق علينا ذلك الجانب الهش لامرأة اعتبرها الناس طويلا (بمئة رجل):
(أنا ابنة الفلاحين المعدمين التي لم تحصل على شهادة دراسية واحدة، تدهورت غدتي الدرقية فصارت جفوني تليق بساحرة تسكن المقابر. وحين ارتديت نظارتي السوداء صباح مساء لأخفي جحوظ العينين، طبعت واحدة من أعجب الصور النمطية لعجوز لا يوجد ما يثبت أنوثتها سوى خانة ” النوع ” في بطاقة الهوية). ” حانة الست : المقدمة “ص 4.

وكان مشروع قديم قد غامر بالتسلل إلى حصن أم كلثوم و حاول تسليط الضوء على أم كلثوم عندما تغيب عن أنظار الناس ؛ فتخلع النظارة وتلقي بالمنديل ، ووقتما تغيب عن أسماع الناس ؛ فتسعل بشدة وتحدث نفسها بقسوة الزمن وتبدل الأيام ؛ وهو محاولة الكاتب الصحفي المصري الراحل ( محمود عوض ) الذي ترك للمكتبة العربية عدة كتب شيقة في طريق بدا أنه سار فيها وحده من هذا النوع.

رواية الجدار لنورا ناجي.. عن الحب والفقد والتعلق وأشياء أخرى

أرض زيكولا .. هل الذكاء هو الثروة الحقيقية؟

الفتنة الطائفية في رواية “بيت القبطية”

أم كلثوم بين رواية حانة الست وكتاب أم كلثوم التي لا يعرفها أحد


وجاء كتاب محمود عوض بعنوان (أم كلثوم التي لا يعرفها أحد) ؛ ليحاول من خلاله إطلاع الناس على الوجه الآخر لمطربة القرن العشرين . وللحقيقة فالكتاب يعتبر من الكتب الأعلى مبيعا في الثقافة المصرية ؛ حيث تلقاه القراء بشغف شديد فور صدوره عام 1969 ؛ لتنفد منه ثلاث طبعات في وقت قصير.

ولعل النظر إلى كتاب محمود عوض ورواية محمد بركة ( يفصل بينهما نصف قرن بالتمام والكمال ) ليلفت النظر بشدة إلى تلك القوة والإمكانيات التي يملكها الفن الروائي الذي ظهر في مشروع محمد بركة ؛ والذي أعطى الصوت السردي كله لروح أم كلثوم ؛ ولعله بوسائل التأثير الروائية قد عوض المزايا الكبيرة التي أتيحت لمحمود عوض دونه وأيسرها صداقته القوية لأم كلثوم ومعاصرته لها.

تبدو أم كلثوم في كتاب محمود عوض ذلك اللغز الذي يدور حوله ليفك شفرته ؛ متحدثا عنها طوال الوقت بضمير الغائب ؛ مستفيدا من التحليل والمعلومات والشهادات أو حوارات وتصريحات أم كلثوم نفسها ( التي عرفت بأنها كانت شحيحة نادرة).

ويبدو الكاتب الصحفي الكبير الراحل منظرا ومحللا للمعلومات الغزيرة النادرة التي يضمها كتابه المتميز ؛ مكدا أن ما يعرفه الناس عن سيدة الغناء العربي لا يتعدى 15% عن حياة أم كلثوم؛ واعدا قارئه باصطحابه في رحلة مثيرة للجانب الخفي من حياة أشهر سيدة في الشرق ؛ ومع كلام عوض يكتشف القارئ أنه لا يعرف عن أم كلثوم سوى اسمها وأغانيها ….

يقول محمود عوض: (منذ وقت طويل مضى ، اعتادت أم كلثوم على هذا الحب من جمهورها ، انها تستمع منهم إلى التصفيق . ثم ماذا بعد ذلك ؟ التقدير . ثم ماذا ؟ الشهرة الإعجاب ، الحب – نعم – ثم ماذا أخيرا ؟ التصفيق من جديد.. هذا كل شيء.. ومعنى ذلك أننا لم نعرف أكثر من 15 % من أم كلثوم ، لم نشاهدها سوى كل ليلة خميس تغني فيها ، هذا كل ما نعرفه.

حياة أم كلثوم الجقيقية بين حانة الست وكتاب محمود عوض


أما حياة أم كلثوم – شخصية أم كلثوم – ابتداء من الجمعة إلى الأربعاء، من الصباح إلى المساء، من الفجر إلى العشاء.. فلم نعرف عنها الكثير بعد. مازالت شخصية أم كلثوم تحتاج إلى اكتشاف.. إلى تحليل.. إلى إعادة نظر ..) “أم كلثوم التي لا يعرفها أحد ص4”

كانت نقاط الضعف والوحدة والانكسار هي علامات الارتفاع في منحنى أم كلثوم وهي تتحدث عن نفسها في رواية محمد بركة ؛ وبروح شاعر رسم السرد تلك اللحظة العنيفة للأرض التي بدأت في الحركة تحت قدمي أم كلثوم المستقرة منذ زمن إبان التألق المبكر لغريمتها أسمهان : “هل يتكرر الأمر معي؟ يخبو نجمي بالتزامن مع توهج أخرى قادمة من بلاد الشام لتفتن المصريين في نساءهم وذوقهم الموسيقي؟ بشامة حسن وسيجارة لا تغادر شفتيها الشهيتين، تحرق قلوب الرجال؟ يغسل الجميع يدهم مني ويركزون مع اللعوب القادمة من جبال الدروز؟ تصغرني بثلاثة عشر عاما، فهل تصبح أم كلثوم الجديدة مضافا إليها فتنة طاغية؟

أذكر تلك الليلة التي تنكرت فيها على هيئة سيدة شعبية ترتدي “ملاية لف” سوداء مع البرقع وذهبت إلى صالة “ماري منصور” بشارع عماد الدين لأعاين البنت الجديدة على الطبيعة. عدت والهم عفريت صغير يركبني ويدلي ساقيه عند أكتافي. سمعتها وليتني ما فعلت. صوت ليس كمثله شيء. نقي كالمطر. يستولي على القلب مثل دمعة في عين طفل. رحماك من هذا الشجن الذي يغمر حنجرتها كما تغمر المياه حقول الأرز . ) ” حانة الست ص 42 ”

الفن الروائي -وحده- استطاع أن يكسر باب الادعاء لينطلق مارد الصدق مهرولا بكل قوته، وأن يتلو على مسامع المروي عليه هذا البوح النادر ؛ مستعينا بشعرية المونولوج من ناحية وما يسميه السرديون ( الأسلوب غير المباشر الحر ) . خمسة علامات استفهام تجسد الصراع النفسي الكلثومي في لحظة اهتزاز الثقة والخوف على المجد . إن المروي عليه الذي سلمه محمد بركة من يده إلى صوت أم كلثوم ليجد نفسه جالسا داخل صالونها بل يشاكها خلوتها الجسدية والنفسية على نحو مغاير لذلك السور الذي حال بينه وبينها ؛ وهو يحاول الوقوف على أطراف أصابعه ليمكنه رؤية ما يستطيع من خلف الحاجز الذي صنعه مؤلف الكتاب ( أم كلثوم التي لا يعرفها أحد ) بوجهة نظره ورؤيته وتحليله.

مونولوج عازف البيانو فى المحيط | رواية إيطالية لأليساندرو باريكو | بلد و كتاب

أن تطبع كتابك بنفسك ليجوب العالم ويحصد الجوائز.. منصة كتبنا قصة نجاح

ميسرة الدندراوي بين التأليف والترجمة.. حين تكون المغامرة هدفاً

عراة أم مستورون؟.. رحلة مينيكه شيبر مع قصص الملابس التي لا تنتهي

قوة أم كلثوم وسماتها الإنسانية


وقد تكون قوة أم كلثوم الكبيرة وشخصيتها المسيطرة قد تسببت في ذلك الغموض الذي غلف سيرتها ؛ وهو ما عبر عنه محمود عوض في شكل تحليل واستنتاج حاد بارد ؛ يمكن أن يقبله المتلقي أو ينفيه؛ على نحو يختلف كليا أمام سحر السرد عند محمد بركة ويستعرض فقرات سحره المدهش بمعلومات مثيرة وأسلوب يقطر بالشعرية والتفرد.

وإذا كان محمود عوض قد أسمى حرص أم كلثوم على سرية حياتها ( اكتشافا ) ؛ فإن بركة قد ترك المروي عليه من يكتشف هذا؛ وإذا كان صاحب الكتاب هو من قدم لقارئه الاكتشاف ، فإن الروائي قد جعل ( الراوي – الشخصية ) هي من تتكلم وتحكي وتعترف . يقول محمود عوض : ( اكتشاف آخر : أن أم كلثوم هي السبب في هذا كله ، لقد أقامت أم كلثوم سورا صينيا حول شخصيتها، سورا عاليا.. سورا يحجب ما بداخله، خلف هذا السور تحتفظ أم كلثوم بحياتها الخاصة، بشخصيتها الخاصة؛ بأفكارها الخاصة.

إن أم كلثوم قد اتخذت قرارا اختياريا سابقا : أن تعيش حياتها بين قوسين .. ) ” أم كلثوم التي لا يعرفها أحد ص4″ ولم يستطع مصدر أن يصور تلك القوة والاستقلال الكلثومي الذي بدا في مسيرة حواء المصرية بلا نظير كما صورتها رواية محمد بركة ؛ وقد ظهر ذلك في موقف بارز في مسيرها الحافلة ، وهو تعاونها أو تنافسها مع محمد عبد الوهاب في عملهما الأول ( انت عمري ) ؛ ومن خلاله تبدو قوة أم كلثوم كسيدة تقف في الواجهة وحدها لا يحميها ظل رجل ؛ بل لا تقف خلف رجل
( الجولة الأولى لغريمي.
أربع دقائق وثانية واحدة هي مساحة المقدمة الموسيقية التي أراد أن يقول فيها: المجد تصنعه الموسيقى. أبدع كما لم يبدع من قبل . حلّق في سماوات بعيدة ثم عاد ليذيق الجمهور كؤوس الخمر حلالا معتقا. صوت الكونترباص الغليظ يبعث بنقرات ناعمة مثل قطرات الندى. تتوقف الموسيقي في جزء من الثانية تاركة آذان الملايين تترقب الآتي بعد هذا المدخل الفاتن. يداعب عمر خورشيد الجيتار ليعزف ذروة السحر في حوار شجي مع الكمان. حان دوري. قبلت التحدي ، أردت أن أبعث برسالتي أنا الأخرى: بل المجد تصنعه الحناجر الذهبية. “

حضور منديل أم كلثوم وأغانيها في الكتابة عنها


رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا” بمنديلي الوردي وأقراطي المتلألئة وتسريحة شعري الشنيون، أغني لحبيب عاد من الماضي فجأة فأطلق في دمي سمكات الحنين . على سجادة الصوفية أناجي الحق و الخير و الجمال . “علموني أندم على الماضي و جراحه” الندم يتقافز على أحبالي الصوتية بمهارة لاعب سيرك ، الدموع تكتب تاريخا منسيا على مذبح الاعتراف. خضعت الموسيقى لحنجرتي وركعت الآلات الموسيقية في تسليم مطلق لربة المجد . ) حانة الست ص48
هذا الجمال الدرامي متنامي الإيقاع الذي صنعه السرد الروائي في منطقة مضيئة في رحلة كوكب الشرق عبر حياتها ؛ كان باردا تقريريا عندما لاح في أفق الكتاب ، وهو يؤكد ريادة أم كلثوم في كسر قاعدة اتباع المرأة للرجل : ( المرأة في تاريخنا ظل . خيال . صدى . إن المؤرخين لا يتحدثون عنها إلا من خلال رجل .. أو عن طريق رجل .. أو بوساطة رجل ! و.. هذه أول قاعدة ساهمت أم كلثوم في كسرها .. ) ” أم كلثوم التي لا يعرفها أحد ص 162 ”

ما فعله الفن الروائي بسيرة كوكب الشرق كان مغامرة سردية خطرة من محمد بركة ، كما كان فتحا كبيرا لطريقة بديعة من السيرة الغيرية ، استطاع استنطاق الصمت ، وأتاح الفرصة للمروي عليه ليدخل بقدميه داخل ساحة السرد ، ويجلس مع أم كلثوم وجها لوجه ؛ بعيدا عن بريق الضوء والمسافات والحواجز نحو كوكب الشرق ….. بل رأى السيدة الجبارة واهنة ضعيفة وديعة متدفقة ؛ وكلها مناطق لم يكن باستطاعتنا الوصول إليها دون أن يحملنا زورق السرد صانع العجائب .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.