صورة الرجل وتيه الذات في المجموعة القصصية ” حادثة”..

0

صورة الرجل وتيه الذات في المجموعة القصصية ” حادثة” للكاتب: جمال الدين زكي عبد الجواد- رشا الفوال- شاعرة وباحثة دكتوراه مصرية

إذا افترضنا أن الكتابة الأدبية كتعبير عن(الذات) قادرة على صياغة التجربة الإنسانية في شكل فني، فمهمة الأدب قد تكون أعمق من الواقع الحياتي المعاش، ذلك أن العمل الأدبي موقع أثري له دلالة واسعة، يبنيه الانسان من خلال العلاقة بين رغباته المكبوتة ومخاوفه، تلك الرغبات التي يعبر عنها في صورة سلوك، أو لغة، أو خيال، لذا فالأعمال الإبداعية تعد ترجمة لمحتوى اللاشعور.

تهدف القراءة الحالية لمجموعة: حادثة القصصية، للكاتب: جمال الدين عبد الجواد _الصادرة عام 2021م، عن دار: ليفانت للدراسات الثقافية والنشر_، إلى رصد الصور المتعددة للرجل_ والتي تتسم بالدرامية_، في علاقتها بسلوكيات(الآخر) التي تتصل بالحدث الرئيس، وكأنها جزء لا يتجزأ منه،  فهناك  دائمًا حالة من(الصراع) في المواقف الدرامية بين(الذات) و(الآخر)، نحاول أيضًا فهم البنية الدرامية للقصص من خلال(المونولوج الذهني) أولًا، والعناصر الدرامية(الحدث_ الصراع_ الحوار) ثانيًا.

إيران بعيون مسافر الكنبة .. ملخص كتاب مسافر الكنبة في إيران لعمرو بدوي

كتابة اليوميات .. أسئلة عن كافكا وكورونا والكتابة الإبداعية

المبحث الأول: صورة الرجل العفوي وتحولات الذات في قصة: كوب شاي

لاشك أن تضارب القيم، آفة المجتمعات الحديثة، فصورة الرجل العفوي المصدوم من حقيقة الواقع، وعجزه عن الحصول على فرصة عمل، من ناحية، حيث يقول البطل الرئيسي: ” ست سنوات ونصف وأنا عاطل، عاطل تمامًا، لا عمل، ولا دخل، آخذ من والدي ما يقدمه لي، وأنا في أشد درجات الحياء”،  وما يعانيه من(صراع اجتماعي) قائم على احساسه بالعجز عن التأثير في مجريات الأمور، من ناحية أخرى، هو جوهر البنية الدرامية في قصة: كوب شاي.

القارىء للقصة يجد عدة صور لشخصية الشاب القادم إلى القاهرة، بحثًا عن فرصة عمل، وكيف تحولت(ذاته العفوية) التي_رُغم سيطرة(الاحباط)_، تسعى بهدف الوصول إلى(الحلم/ المستقبل) الذي يخلصه حتمًا من احساسه بالفشل، إلى الإصابة بــ(القهر النفسي)، عندما قال له الأستاذ: جلال” لا بأس، لا بأس، انصرف الآن، وتعال بعد ثلاثة أسابيع”، ليكتشف أن هذا الرجل القاهر يتعاطى المبالغ المالية مقابل تنفيذ قرار التعيين، القهر النفسي هنا يؤلم ذات البطل الرئيسي، فيدرك أن صورته الحقيقية هى(صورة الرجل الفقير) الذي عجز المجتمع عن توفير احتياجاته المادية، كأن الواقع الاقتصادي يجعل من الانسان ضحية مجتمعه، اتضح ذلك في حواره مع سكرتير المدير:

“_ والله ياسيدي، ليس بجيبي سوى ثلاثين جنيهًا

_ ماذا أيها الفقير!! لا أظنه سيأخذ أقل من خمسين جنيهًا”

ولأن الشخصية الانتهازية هى التي تستثمر فساد الواقع في تحقيق مصالحها سواء كان ذلك على المستوى السياسي أم الاجتماعي(1)

تجلت في القصة، صورة رجل المقهى(الانتهازي) الذي تهرب من دفع الحساب للعامل، وصورة العامل الذي بالغ في ثمن كوب الشاي، وصورة الموظف المرتشي فمن صور(الانتهازية) استغلال المنصب أيضًا، هنا يبرز(الصراع الاجتماعي) القائم على التناقض بين قيم البطل، والقيم الفاسدة للآخرين.

 قصة: كوب شاي، راصدة لأزمة جيل بأسره، في حال تشيؤه واحساسه بالعجز، تتحول ذات البطل، إلى التكيف تمامًا مع الواقع، والإصابة بــ(الشيخوخة النفسية) التي تعني فقدان الطاقة، والقدرة على مواجهة الفساد، جدير بالذكر أن(الشيخوخة النفسية) هنا داله على(اغتراب) البطل الشاب، عن واقعه الزمني ليواصل في النهاية مسيرة التدهور الأخلاقي.

ثانيًا: صورة الرجل المساند نفسيًا والأنا الخيالي في قصة: البائعة

 إذا كان الإفصاح عن الذات، يشير إلى” العملية التي يتم من خلالها كشف الإنسان عن أفكاره ومشاعره وخبراته الشخصية لشخص آخر”(2) فقصة: البائعة تدور أحداثها عن علاقة صداقة بين: طارق، متقد الشعور والإدراك، الذي لا يخاف، ويتسم بأنه عاطفيًا، يقع في غرام بائعة في أحدى كافتيريات الجامعة

 وخالد، الذي يتسم بالواقعية، والذي يقدم لصديقه(المساندة النفسية) التي تنهض بعدة وظائف أهمها:(المساندة المادية)، و(المساعدة السلوكية) كترتيب المهام وتلخيص المحاضرات، و(التفاعل الحميم) كالتقدير والفهم والإنصات، و(التوجيه) كإعطاء النصائح والإرشاد(3)، اتضح ذلك في الحوار الذي دار بينهما في المدينة الجامعية:

“_ طارق، لماذا حضرنا إلى الجامعة؟

_ حضرنا إلى الجامعة لدراسة فن الحياة

_ لقد حضرنا لدراسة الطب، لا لتعلم الحب”

ولأن: طارق يمثل(صورة الرجل الخيالي المهزوم عاطفيًا)، المشتت دائمًا بين قصور آماله ومشاعر(الآخر) الضبابية، وقع في أسر نمط(المرأة الأسطورة) التي اكتشف بعد ذلك أنها تحب الرجل القادر ماديًا، لا غرابة في ذلك؛ لأن الرجل المحب الواهم

يقع دائمًا فريسة المرأة العابثة التي تتلاعب بالمشاعر، والتي تتسم في أول الأمر بالمودة والتبادلية العاطفية، ثم يصطدم بالواقع المغاير، حيث يقول: ” تأكدت بعد ذلك من مشاعرها نحوي، أصبحت نافذة الصبر من وجودي، كثيرة الشكوى من تغامز زميلاتها علينا، شديدة الصخب في معاملة الزبائن الآخرين” فتولد لديه حالة من(الانهزامية)، كأن العاطفة هنا تخطط للعقل، ودلالة ذلك تخيل البطل لحبيبته في صورة مثالية.

ثالثًا: صورة الرجل المُنسحب اجتماعيًا، ولغة الرغبة في قصة: العهد

 لأن(الرغبة) هى اللغة التي يهتم بفهمها ودراستها التحليل النفسي، والتي تختلف عن اللغة التي يعرفها علماء اللغويات، أو هى كما يقول“مصطفى صفوان” في مقدمة ترجمته لرائعة“فرويد” (تفسير الأحلام)، لغة الإنسان بما هو راغب، في مقابل لغة الإنسان بما هو عارف، في قصة: العهد، يدرك المتلقي الكيفية التي يتأرجح من خلالها الوجود الإنساني بين الإعلان عن الرغبة وتنفيذها، اعتمادًا على آلية(التكرار)، حيث يكرر البطل جملة: “لن أذهب إلى المقهى أبدًا”، الدلالة على ذلك أنه يحمل في عقله كثيرًا من التمرد، إلا أنه عجز عن التكيف مع واقعه الأسري، فانسحب منه إلى المقهى، هو ومجموعة من الزملاء في التربية والتعليم، فيقول الكاتب عنهم: “هذة هى مجموعته التي لا تختلف عن بقية زبائن المقهى، فشلوا في حب زوجاتهم الصابرات، وأهملوا أولادهم”، شخصية البطل الرئيسي، وزملاؤه، يعانون شكلًا من أشكال(الاغتراب الاجتماعي) الذي يتلخص في ضعف العلاقات الأسرية، إلا أن البطل تطور به الأمر في النهاية، ليصبح مغتربًا عن ذاته (الاغتراب النفسي) هنا” يعني وجود الانسان بصورة لا تتفق مع جوهره”(4)، فنرى البطل، يفصح عن رغبته الحقيقية في نهاية القصة، لنصبح ازاء عمل قصصي أكثر صدقًا وتأثيرًا، اتضح ذلك في الحوار الذي دار بينه وبين زميله مدرس التربية الرياضية عندما عاد للجلوس على المقهى:

_ يارجل إن الجلسة بدونك تفقد كل بهجتها، إلى الغد أليس كذلك؟

_ إلى الغد في الميعاد نفسه، قالها وهو شديد السعادة أو التعاسة لايدري تمامًا، لكن ذهنه كان صافيًا، لا تراوده أفكار متمردة، “

رابعًا: صورة الرجل الدرامية والاغتراب المجتمعي في قصة: حادثة

على افتراض أن(الإسقاط) حيلة دفاعية نفسية، يلجأ إليها عدد كبير من الكتاب، تجلت بوضوح في(اسقاط) العنف السياسي، على العنف الاجتماعي، في قصة: حادثة،  فــ(العنف) هنا ليس مجرد تعدي جسدي على(آخر) بل هو ممارسة تشتمل العديد من الأشكال، كأن للعنف وجه آخر معنوي، جعل(الأنا) الذي يمثل بائع المتجر الذي يحصل منه عدد كبير من العمال على مايلزمهم من طعام، قبيل دخولهم مصانع الشركة، في نوبتجية العمل التي تبدأ قبيل انتصاف الليل بساعة، و(الآخر) الذي يمثل العامل الغاضب، الذي كان يبدو متحفزًا تلك الليلة، في دائرة الصراع(السياسي/ الاجتماعي)، وكأن الكاتب يخبرنا عن(الاغتراب المجتمعي) بسبب صمت البائع، حيث يقول الكاتب: ” آثر الفتى الصمت، وشعر العامل بذلك فازداد قوة، وزادت جرأته” هذا من ناحية، وصمت العمال أيضًا من ناحية أخرى، فيقول الكاتب: ” نظر البائع نحو العمال الذين تخطاهم زميلهم الثائر، فوجدهم ساكتين، كأن الأمر لا يعنيهم”، هنا تتضح صورة الرجل الدرامية، فظاهر الأمر اعتداء مبرر، وباطنه(اسقاط) سياسي، حيث غير الكاتب اسم(العامل) واستبدله بلقب(الزعيم) تمهيدًا للمشهد الأخير في القصة حيث المحقق في حادثة ضرب العامل لبائع المتجر بالسكين يخبر رئيسه في العمل “إصابة الفتى ليست بالسيئة، بعد جهود مضنية، قبض على العامل، وبعض زملائه، وعاد الهدوء إلى المنطقة، عاد المحقق يتصفح أوراقه، بينما ارتفع صوت قارىء النشرة، قامت قوات الجيش العراقي باحتلال الكويت”

خاتمة:

في مجموعة: حادثة القصصية، تجلت(البنية الدرامية) في القصص من خلال (المونولوج الذهني الدرامي) في قصة: كوب شاي، وقصة: العهد، و التوتر في علاقته بالسرد، التي برزت من خلال(الديالوج) في قصة: البائعة، وقصة: حادثة.

الكتابة المكتئبة المعبرة عن الوجود الإنساني الجدلي، في قصص المجموعة امتزج فيها الفعلي بالممكن، فالحوارات في القصص جاءت، دالة على أزمة الإنسان الذي يعيش عالمين: عالم الأشياء المادية، وعالم الأفكار، كما أن المزاوجة بين التكثيف والسرد المطول للتفاصيل، أدت إلى ارتفاع وتيرة(الصراع النفسي) المرتبط بشخصيات كل قصة وأحداثها ومشاهدها.

نحن أمام كاتب يستمتع بعملية الإبداع ذاتها، قدم لنا في قصة: كوب شاي صورة الرجل العفوي وكيف تحولت ذاته بفعل تضارب القيم والفساد الأخلاقي، معرجًا على اتساع الهوة بين(الأنا الواقعي) و(الأنا الخيالي) في التعاطي مع صورة المرأة في قصة: البائعة.

نلاحظ أيضًا الكيفية التي تم من خلالها، الخلط بين رؤية الكاتب والتركيب المزاجي للشخصيات، في اختلاف الخطوط الأولى لقصة: حادثة، عن الخطوط النهائية، فمن الفوضى المجردة إلى(إسقاط) الواقع السياسي المعاصر، بينما حدث العكس في قصة: العهد، حيث تحركت شخصية البطل الرئيسين على المستوى الفكري والنفسي والسلوكي دون تدخل لا شعوري من الكاتب اعتمادًا على آلية(التكرار)

الهوامش والمراجع

1_ محمد السيد اسماعيل(2009)، “الرواية والسلطة: بحث في طبيعة العلاقة الجمالية”، الهيئة المصرية العامة للكتاب

2_ Kazdin, A.(2000). Encyclopedia of Psychology. New York; Oxford University, Vol.7.

3_ Barrera, M. & Ainlay, S. L(1983). The Structure of Social Support: A Conceptual and Empirical Analysis. J. of. Community Psychology, 11, 133.

4_ عزت حجازي(1978)، ” الشباب العربي والمشكلات التي يواجهها”، صــ91

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.