كتابة اليوميات .. أسئلة عن كافكا وكورونا والكتابة الإبداعية

0

كتابة اليوميات .. أسئلة عن كافكا وكورونا والكتابة الإبداعيةنهيل مهنا – كاتبة ومسرحية فلسطينية

تعتبر كتابة اليوميات فعل مستمر يومي يوثق الحدث مهما كانت بساطته وما يرافق هذا الحدث من انفعالات ونتائج، ومع أهمية هذا الفعل والذي لا يجب أن يكون فعل مصيري أو محوري في حياة أحدهم حتى يستحق أن يسجل ويوثق وربما ينشر، باعتقادي صراعنا في الحياة وتأكيدنا أننا لازلنا أحياء ومستمرين أمر يجب الاحتفاء به يوميا وليس فقط التدوين.

فخروجنا إلى العمل صباحا يستحق الكتابة، عندما يقف لنا سائق سئ المزاج أو عصبي أو سليط اللسان ويقنعنا أن طريقنا هو طريقه ونقنعه أن طريقنا ليس واحد وننجح في هذه المهمة فهذا أمر والله لو تدرون عظيم ويستحق الكتابة والتدوين، مشاكلنا اليومية مع الزملاء والمدير والفرّاش والبواب وموظف الكاشير وبائع السوبر ماركت والصيدلي وكل من تقابلهم خلال تفاصيل اليوم الواحد هم شخصيات تقتحم أدمغتنا رغما عنا، وإذا فكرت أن أكتب يومياتي فستجدهم في أول السطور لا محالة، وآخر السطور سيكون بها أمك وأبيك وأخيك وأبنتك وبنتك ثم جارتك ثم قريبتك التي ربما جاءت من الخارج بعد غياب سنين، أو صديقك الذي يحتفل بمناسبة ما أو في حالة حزن من أجل فراق شخص ما، وفي النهاية تجد نفسك وقد احتليت سطرين فقط ربما جاءوا بوسط اليوميات وتشعر بالامتنان أنك وسط كل هذه الفوضى وجدت لك سطرين تعبر بهما عن نفسك المرهقة المتآكلة المطحونة..

اقرأ أيضاً

شهادة ملغمة عن الكتابة الإبداعية.. آه لو أعرفُ حاربتُ فى جيش من ؟!

سيناريو الفيلم القصير من مرحلة الكتابة إلى مراحل التنفيذ

تعلم كتابة الرواية بسهولة .. احصل على دورة تدريبية مجانية الآن لتعلم الكتابة الروائية

ولكن.. هل ترتقي كتابة اليوميات على أهميتها لتصل لدرجة فن من الفنون أو تصنف كجنس أدبي؟ فعندما نتذكر كتاب كبار تميزوا بكتابة اليوميات مثل البريطانية فيرجينيا وولف التي أثقلت علينا بكتابة يوميات غاية في الكآبة وكأن المواطن العربي المسكين ينقصه فقط جرعات كآبة، ونجد أيضا التشيكي فرانز كافكا يكتب يومياته بعنوان “يوميات فرانز كافكا” والتي يتأمل نفسه فيها ويراقبها عن كثب وكأن اليوميات هي رحلة اكتشاف نفسه وصياغتها مرة ثانية وثالثة ورابعة وكل ما سنحت له الفرصة  ليشرح لنا منابع إلهامه وطبيعة حياته ورحلاته وأفكاره فقد بدأ بكتابة يومياته من سن السابعة والعشرين ثم توقف وهو على مشارف الأربعين، يا لطول باله وصبره ويساعدنا الله في طولة بالنا وصبرنا لنقرأ كل هذه اليوميات فالأولى فيما أولى يا عزيزي كافكا أن تكتب رواية أو اثنتين وترحم قراءك من قراءة يوميات تمتد لأكثر من 10 سنوات، سامحك الله.

وعندما ننتقل إلى الكتاب العرب ذوي الدم الخفيف والوقع الرشيق ونتعرف عن أشهر كتاب اليوميات نجد الأديب توفيق الحكيم وكتابه “يوميات نائب في الأرياف” وتدور أحداث الرواية حول معاناة هذا النائب القادم من القاهرة إلى الأرياف، وكيف يمضي وقته في محاربة البعوض والذباب والاصطدام مع المأمور وكاتب النيابة.

نعمممممم هذا ما أردت أن أصل إليه من بداية المقال، أعزائي ليس بالضرورة أن أخترع الذرة أو أناضل على جبهة القتال، أو اخترع سلاحاً نووياً جديداً لأنال شرف كتابة اليوميات، فمن حق كل شخص يجيد الصياغة أن يكتب يومياته حتى لو كانت تتكلم عن الرتابة والملل، وصياح الديك على شرفتي، ومجادلتي لسائق التاكسي، أو موظف الديليفري، فأنا أكاد أجزم أن في العام الماضي وقت انتشار الفيروس الملعون قليل الذوق والحياء والذي لا يستحق أن أقول اسمه ولكن سأقول كوفيد 19 – ربنا لا يوفقك ولا يكثر من أمثالك- ولكن جميع المواطنين الصالحين البسطاء أصبحوا مدونين وربما كتاب وشعراء في ظل انتشار ذلك الوباء مقصوف الرقبة، لأن ظروف الحظر والإغلاق جعلتهم أقرب إلى أنفسهم وأخرجت الحكواتي والكاتب والمؤلف من داخلهم، هي رحلة إذا ….

بإمكاني أن أكتب انني تعلمت طريقة طهي جديدة للمعكرونة بالبشامل وأدون ذلك، أو احتسيت قهوتي (رغم انني لا احتسي انما اشرب فقط) في مقهى جديد وأدون ذلك أو ذهبت ألى مقابلة عمل جديدة وفاجئني المدير بطريقة جديدة لاتمام المقابلات وأدون ذلك أو شاركت بمشروع جديد أو انضممت إلى ورشة عمل جديدة وأدون ذلك، ليش بالضرورة أن أقدم يوميات تتكلم عن اعصار ما أو حريق في لندن، أو انتشار وباء كبير وما إلى ذلك من أخبار تتصدر محركات البحث ولا تتصدر مكانة قريبة في وجداننا، ولا تمس قلقنا واحتياجاتنا لا من قريب ولا من بعيد.

أجمل ما يميز كتابة اليوميات أن اسلوبها حر لا يتقيد بقواعد أو حواجز لغة، تقوي قدرتنا على التواصل مع أنفسنا وعقلنا الباطن،  فالكتابة الحرة تساعد على ترويض النفس وتهدئتها وتحريرها من القيود والشوائب والمشتتات.

ننتقل للمحور الثاني والذي لا يقل أهمية عن المحور الأول، هل أنا ملزمة بإجادة اللغة وقواعد النحو والصرف وتراكيب اللغة وإجادة فن انتقاء المفردات الدقيقة لأكتب يومياتي، أم اللغة المحكية البسيطة العامية تكفي، هذا سؤال آخر أطرحه وأحتار في اجابته، فأنا سأتناول تفاصيل الناس البسيطة الذين أتعامل معهم يوميا وليس دوستويفسكي وشكسبير، على سبيل المثال وبما أننا نتكلم عن سائق أو موظف أو بائع فلا يجب أن أكتب في اليوميات وقال لي السائق: كم تدفعين يا أختاه حتى تصلي إلى الجامعة أو الشارع الفلاني فأقوم أرد عليه قائلا أدفع واحد شيكل أو يزيد هاهاهاها، أبدا بل سيقول لي: اديش بتدفعي يختي للجامعة وأنا أرد عليه وأقول: 2 شيكل بس، هل رأيتم الدنيا سهلة وخفيفة ولكن بعد اكتشاف ثقب الأوزون كل شئ تغير للأسف.

اقرأ أيضاً

“هاروكي موراكامي” روائي لم يفكر في الكتابة!

دورة تدريبية مجانية في الكتابة الأكاديمية باللغة الإنجليزية مقدمة من منصة FutureLearn

الرمزية في الكتابة الأدبية.. من تولستوي إلى شعراء أمريكا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.