بين القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية .. نبضٌ أزرق في شِعرٍ رقميّ

بين القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية .. نبضٌ أزرق في شِعرٍ رقميّ – عبد النبي عبّادي- شاعر وناقد مصري 

بالنّظر في الشّعر بعد ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، نجدُ أنّ المسافةَ بين الشّاعر والقارئ صارت أقصرَ وبالتالي أصبح وصولُ الرسالة/القصيدة أسرع من ذي قبل. وقد أعدُّ (الشّاشة) شريكا للشّاعر- في رأيي- لأنّ الشّاعر إن لم يكن متمكنا بشكل جيد من التّعامل مع الوسيط الإليكتروني وقادرا على إطلاق قصيدته بالشّكل الذي يودّه في ذلك الفضاء، بحيثُ يستطيع حجب أو إطلاق ما يشاء من المؤثّرات والأصوات والصّور المُصاحبة. إن لم يكُن بارعاً في كل ذلك، فستصل الرسالة مُحمّلةً بإشارات قد لا يكون معنيا بها أو قاصدا لها لأن الشّاشة (أعني شاشة الحاسب الآلي والجهاز اللّوحي والهاتف المحمول) تفرض حضورها وتقنياتها ومضامينها بجانب تقنيات وحضور ومضمون القصيدة، وبالتالي يجبُ على الشّاعر أن يمارس دورهُ في إدارة الشّاشة بعد كتابة القصيدة. بيدَ أنّ السؤالين اللذين أودُّ أن أطرحهما ثم أسعى للإجابة عنهما هما: هل هناك شعرٌ إليكتروني؟ وكيف تتشكّل جماليّاته؟ وقد اخترتُ أن أجيبَ عن هذين السؤالين بشكلٍ تطبيقي متناولا في ذلك واحدة من التجارب المهمة في هذا الاتجاه. القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية

بين القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية

هناك ثلاثة مفاهيم تقفزُ إلى المشهد في مقدّمة الحديث عن الشّعر والإنترنت وهي : القصيدة الإليكترونيّة والقصيدة الرّقميّة والقصيدة التّفاعليّة.غير أنّ هُناك دائرة أوسع فيما يخصّ الأدب عموما على شبكة الانترنت، ويرى مُحمّد عبدالمُطلب أنّه في مجال الإبداع الرّقمي ظهرت مُصطلحات تُنافس مصطلح (الأدب الرّقمي) مثل ( الأدب الإليكتروني) و(الأدب الافتراضي) و(الأدب التّفاعلي)([1]) وبالتالي نستطيع أن نُضيف للقائمة القصيرة جدا السّابقة فيما يخص الشّعر مصطلح (القصيدة الافتراضيّة) وأقترحُ هذا المُسمّى لأن النص التّفاعلي يُعطي المُتلقي مساحات لا نهائية للتعديل والحذف والإضافة، فالنص الأول الذي كتبه الشّاعر هو (نص أوّلي) أو (نص مُقترح) يظل بين التعديل والتطوير حتى يذوب النّص الأساسي تماما. النّص الأول نص مُفترض في واقع تكنولوجي يخلق عوالما افتراضيّة، فهو ” نص افتراضي”. ولا ننسى أن اشتباك القاريء مع النص الافتراضي الأول لا ينفيه ولكنه يجعله في خلفية نص افتراضي جديد وهكذا إلى ما لانهاية. وبالتالي عندما نتحدّث عن الشّعر والتقنية الرقمية، فنحن بصدد الحديث عن:

  1. القصيدة الإليكترونيّة. Electronic Poetry
  2. القصيدة الرّقميّة. Digital Poetry
  3. القصيدة التّفاعليّة. Interactive Poetry
  4. القصيدة الافتراضيّة. Virtual Poetry

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً على آخر مترو – رضوى عاشور

ومن غير اليسير الفصل التّام بين المُصطلحات الأربعة السّابقة حيثُ أن ثلاثة منها (1و2و4) قد تتساوى في المعنى، إلا أن (القصيدة التّفاعليّة) تنفتحُ نوافذها على آفاق مختلفة نوعيّا في التّلقي والتأويل، وقد عرّفَ “لويس غلايزر” القصيدة التّفاعليّة بأنّها تلك القصيدة التي لا يمكنُ تقديمها على الورق. وترى فاطمة البريكي في كتابها (مدخل إلى الأدب التّفاعلي) أن القصيدة الإليكترونيّة والقصيدة الرقميّة والقصيدة التّفاعليّة تُشير جميعها إلى نصوص تُقدّم عبر وسيط إليكتروني لكنّها تُفرّق بينها حيث تقول : ” إن الشّاعر إذا تجاوز الصّيغة الخطّيّة المُباشرة  والتقليديّة في تقديم النّص إلى المتلقي، واعتمد بشكل كلي على تفاعل المُتلقّي مع النّص، مستفيدا من الخصائص التي تُتيحُها التقنيّات الحديثة، تُصبح القصيدة التي يُقدّمها (تفاعليّة)، وتعتمد درجة تفاعليتها على مقدار الحيز الذي يتركه المبدع للمُتلقّي، والحريّة التي يمنحها إيّاه للتّحرك في فضاء النص، دون قيود أو إجبار بشيء، أو توجيه له نحو معنى واحد ووحيدٍ، أمّا (الشّعر الرّقمي) و (الشّعر الإليكتروني) فلا يختلفان عن بعضهما في دلالتهما العامّة، فمصطلح (الشّعر الرقمي) يُشير إلى نص مُقدّم من خلال شاشة الحاسوب دون أي شروطٍ أخرى، في الوقت الذي يُمكنُ أن يُقدّم ورقيا أيضا، وكذلك (الشّعر الإليكتروني). أمّا سبب تسمية الشعر الذي يقدم عبر الشاشة الزّرقاء بـ(الشّعر الرقمي)، فيعود إلى أنّه يُقدّم رقميّاً على شاشة الحاسوب، الذي يعتمد الصّيغة الرّقميّة (0\1) في التّعامل مع النّصوص أيا كانت طبيعتها”.([2])

نازك الملائكة وتجديد الشعر العربي

التسامح الديني في شعر أحمد شوقي.. عن مصر المصرية وغزل النساء في منزل صفية زغلول.. وإضاءات أخرى

التقنية والوسيط في القصيدة التفاعلية

مما تقدّم نستطيعُ أن نقول إنّ القصيدة التّفاعليّة هي الأكثر ولوجاً إلى مكنون التقنية والوسيط الإليكتروني روحاً وشكلاً، ولذلك كانَ لابد من تخصيص هذا المقال التحليلي التّطبيقي للاقتراب أكثر من ماهيّة ” القصيدة التّفاعليّة“. وهو ما سنعرضه من خلال درس تطبيقي  في جانبٍ من تجربة واحد من الشّعراء الذين قطعوا شوطا مُهمّا في اتّجاه القصيدة التّفاعليّة وهو الشّاعر مُشتاق عبّاس معن الحاصل على شهادة الدكتوراه من كلية اللغات بجامعة صنعاء عام   2003 وهو عضو في مجموعة من المؤسسات الثقافية والأدبية المحلية والعربية له أربعة مجموعات شعرية: الأولى بعنوان: “ما تبقى من أنين الولوج” 1997م الثانية بعنوان: “تجاعيد” 2003 أما الثالثة فهي بعنوان (تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق) والتي حصل فيها على ريادة القصيدة (التفاعلية الرقمية) العربية كما يرى البعضُ وإن كُنّا في مقالنا هذا لن نسعى إلى تفنيد دعاوى الرّيادة حتّى لا تأخذنا بعيدا عن مضمارنا الرئيسي وهو علاقة الوسائط الإليكترونية المعاصرة بالإبداع الشعري. وللشاعر مشتاق عبّاس معن مجموعة أخيرة “هي وطن بطعم الجرح” (قصائد ومضة). إضافة إلى ستة عشر كتابا في اللّسانيات وفِقهِ اللغة والنقد الأدبي و ثلاثين بحثاً منشوراً منها ستة محكّمة.

جائزة راشد بن حمد تبدأ في استقبال الأعمال الجديدة لدورة 2021 في فروع الشعر والرواية والقصة وأدب الطفل والمسرح والنقد والتاريخ

والمجموعة الشعريّة الرّقميّة ( تباريح رقميّة لسيرة بعضُها أزرق) كان الشّاعرُ قد قام بكتابتها/ تصميمها في العام 2007م قبل أن يعود ليواصل إبداعه الرّقمي بقصيدة (لا متناهيات الجدار النّاري) في عام 2017 وقد بناها على تقنية (النصّ المتاهة)؛ حيثُ يستكشف القاريء/ المُتفاعل النّص مع كل نافذة يمر عليها. وقد كُتبت مقالاتٌ كثيرة ودراسات وآراء وأطروحات للماجستير والدكتوراه حول ( تباريح رقميّة لسيرة بعضها أزرق) واختلف كثيرون حول ريادة نصوص مُشتاق عبّاس معن في هذا المجال أو ريادة محمد سناجلة أو غيرهما. وقد أتاح الشّاعر مجموعته السابقة للتُحميل على اسطوانات مضغوطة – حيثُ لا يُمكن تلقيها وقراءتها بعيدا عن الكمبيوتر (إلا إذا قمنا بطباعة القصائد وقراءتها بعيدا عن رؤية الشاعر الرقمية)- كما أتاحها على بعض الرّوابط.

بين القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية .. نبضٌ أزرق في شِعرٍ رقميّ
بين القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية .. نبضٌ أزرق في شِعرٍ رقميّ


ولعل (العتبة النصيّة الإليكترونيّة) لتلقي هذه المجموعة وقراءتها والتّعاطي مع أفكارها والتّفاعُل معها هي (الشّاشة)؛ وأعنّي بها في هذا السّياق (شاشة العنوان) والتي نوضّحها في هذه الصّورة المُلتقطة من رابط المجموعة الشعريّة التّفاعليّة  :

(http://www.alnakhlahwaaljeeran.com/111111-moshtak.htm)

لكنّني لن أتوقّف بالدّراسة أمام هذه المجموعة حيثُ أُفرِدَت لها مقالات وبحوث ورسائل ماجستير ودكتوراه كما ذكرتُ ونالت كثيراً من البحث، كما أنّه من المؤسف والغريب في الأمر اختفاء هذه المجموعة من على الشّبكة العنكبوتيّة ولم يَعُد هُناك مصدر نرِد من خلاله إليها حتى وقت كتابة مقالي هذا. وهو ما يضعُ كلّ النّقد الذي كُتِبَ حولها موضع حَرَج وكأنّه لا قيمةَ له في غياب النّص الأصلي والذي ربّما يكون مؤلّفه قد حذفه من الشبكة العنكبوتيّة ليُتيح مساحة للتركيز على نصّه الجديد أو ربّما لإجراء تعديلات على النّص القديم وإعادة رفعه على الشّبكة العنكبوتيّة. القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية

لا متناهيات الجدار الناري.. مجموعة شعرية رقمية

لذلك أودّ أن ابدأ من حيثُ انتهى الشّاعر مُشتاق عبّاس معن إليكترونيّا وهو مجموعته الشّعريّة الرّقميّة (لامتناهيات الجدار الناري) التي أنجزها رقمياً عام 2017م وقام بنشرها على الشّبكة العنكبوتيّة، بالطّبع قد راعى فيها ما قد يكون اعترضَ التلقي والفهم في المجموعة الأولى (تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق) وتغلّب على بعض التعقيدات التقنيّة وأصبح أكثر اقترابا والتحاما مع مفهوم القصيدة الرقميّة. لكنّنا نؤكّدُ أيضا أن الشّاعر منذُ مجموعته الرّقميّة الأولى لم يجنح إلى استخدام تقنيّات إليكترونيّة معقّدة حيثُ ” لم يمض مشتاق عباس معن إلى حدود تعقيد التلقي وإثقاله بأحمال التقنية بل اكتفى بالاختيارات البرمجية البسيطة المعمول بها في كل المواقع (المقابل التقني لمفهوم “لغة الحياة اليومية”، ومثاله الشريط الإخباري…). وبهذا الاختيار الإبداعي الواعي يحافظ الشاعر على المسافة المناسبة بين العمل الرقمي الطامح للريادة وبين بيئة المتلقي المفترض لهذا العمل وشروطها الثقافية والتقنية.”([3])

إنّ أوّل ما تُطالعه في هذا الرّابط http://dr-mushtaq.iq/My-poetry-works/Interactive-digital/ بعد صفحة البداية والتي قد نعتبرها “غلاف” تلك المجموعة الشعرية الرقمية هو صورة ” السّاعة” والتي تتحرّك عقاربها بصوت دقّات مسموعة مع موسيقى مُصاحبة، وتُشير عقارب السّاعة إلى الثانية عشرة إلا خمس دقائق، أي أننا قبل “الانتصاف” بقليل، لكن عقرب الثّواني يدور في عكس اتجاهه الصحيح، حيثُ يدورُ المؤّشّر ناحية اليسار وليس ناحية اليمين كما هو معروف؛ وهو ما يعنني أن مركزنا الآن عكس اتجاه عقارب السّاعة وهو ما يمثّل “عتبة نصيّة” دالّة ومُراوغة لا يُمكنُ الإسراف في تأويلها إلا من خلال نصوص المجموعة والتي تظهر لك بالضغّط على كل ساعة على حدة من 1 إلى 12  وقد اعتمد على الأرقام الرومانية في هذه السّاعة (VI-VII-VIII-IX –X-XI-XII-V-I-II –III-IV-).

يقول الشّاعر في تصريح لوكالة “نون” الإخباريّة :” الخروج عن السائد ليس هيناً، وبه حاجة لمحاولات وتخطيطات لا يتمكنها أي شخص بيسر، لذا حاولت وخططت مراراً حتى استقر الأمر على الشكل الأخير للنصّ، ومن ضمن الأمور التي أخّرتني هي السعي لجعل العمل عربياً 100%، فاستعنت بالتقني (مصطفى محمود) لصفّ النصّ برمجياً وتنفيذ الرؤية البصرية فنياً على نحو خلفيات تشكيلية، وكذلك استعنت بالموزّع (علي سهيل) لينفّذ الرؤية السمعية فنياً كذلك على نحو خلفيات موسيقية، فكانت (اللامتناهيات) ذاتية التخطيط والتنفيذ والتصميم” ([4]). وهذا ما يوثّقه الشّاعر في صفحة البداية التي تعثر عليها بالضّغط على العنوان (لا متناهيات الجدار النّاري) وذلك في يمين الشّاشة أعلى الهالات الست التي تتحكم في خلفية وحركة الشّاشة فتظهر لك الصّورة الآتية :

وفي دراسةٍ لها، ترى سعيدة حمداوي “أنه في هذه القصيدة وبعد العنوان مباشرة تواجهنا الساعة في إحالة على الزمن ووقعه النفسي والوجودي على الإنسان، وبوصفها غلافا أو بوابة للدخول إلى عالم النص إذ ترتقب قارئها ليضغط على أحد أرقامها وتبدأ لحظة تفعيل النص من لدن القارئ ومع كل رقم يعيش تجربة جديدة نظرا للانفتاح المكثف على جملة العلامات اللغوية وغير اللغوية فضلا عن الموسيقى المرافقة لكل شذرة نصية “([5]).

شروط التقدم لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي

وبإحالة مؤشر فأرة الكمبيوتر إلى الرقم (I) والضّغط عليه تظهر لك القصيدة الأولى، غير أن القصيدة الأولى يوازيها 12 قصيدة داخليّة بطريقة (المتن والهامش) حيثُ تجد روابط تشعبيّة متّصلة بكلمات معينة في القصائد تُحيلك إلى قصائد أخرى؛ بمعنى أنه لدينا 12 ساعة، في كل ساعة قصيدة، في كل قصيدة 12 قصيدة فرعيّة ( هامشيّة وربما شارحة)، فيصبح إجماليّ عدد القصائد هو 144 قصيدة وهي حاصل ضرب 12 قصيدة/ساعة   12 قصيدة فرعية، فيكون الناتج هو 144 قصيدة مكتوبة على صورة ورقة مُنتزعة من مُذكّرة أو دفتر قديم أصفر اللون، تتحرّك الوريقة يمينا ويسار، صعودا وهبوطا على الشاشة في انسجام مع الموسيقى المُصاحبة التي تُشكل خلفيّة (سمعيّة) للنّص مع خلفيّات (بصريّة) أخرى مهمّة جدا، وأهمّها الخلفيّة البصريّة الأولى التي تمثّلت في الساعة التي تدور عكس اتجاهها وبالتالي يُصبحُ ” العربُ” في الساعة الخطأ وفي الاتجّاه الخطأ، لكن قد يسألني القاريء : لماذا افترضت أن السّاعة المعطّلة تلك تُشير إلى موضع “العرب” الزّماني؟

القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية

الدلالات البصرية والدلالات السمعية في الشعر الرقمي والشعر التفاعلي

أقول إن (الدلالات البصريّة) و (الدلالات السّمعيّة) التي جاءت مُصاحبة للنّصوص، هي دلالات سوسيوثقافية مع قصائد تُشير في كلمات مفتاحيّة تظهر أعلى النّافذة مع كل نص “وهي كالآتي: الساعة (1): الفقر، الساعة (2): الإحباط، الساعة (3): الخضوع، الساعة (4): الوحدة والعزلة، الساعة (5): الجمود، الساعة (6): الجهل، الساعة (7): التخلف، الساعة (8): الضياع، الساعة (9): الألم، الساعة (10): الهجرة والمطاردة، الساعة (11): الموت، الساعة (12): المقاومة.” ولو أضفت إلى كل تلك ( المُكابدات) صورة السائر في يمين الشّاشة عاقدا يديه خلف ظهره بثيابٍ رثّة مرقّعة وهو ” حنظلة ” الصورة الأشهر لرسام الكاريكاتير العبقري ناجي العلي وهو “يمشي في طريقٍ لا ينتهي”. أمّا الهالات الجانبيّة الست فهي كما في هذه الصّورة لا تُشير إلى قصائد ولكن بالضغط عليها تتغيّر حركة القصيدة على الشاشة وتتغيّر خلفيّتها بدلالات مُختلفة وهي ( عين الذئب- الأفق الكامل- لوّن أفقك – لوّن بوحك – عيونك الأفق- كمّم بوحك ):

يقولُ في القصيدة الأولى ( الفقر ) :

الخبز العاطل

يأكل كفّي

يعض جروح شفاه صغاري

يرعى كل بقايا الخوف

يكنس من أرجاء الروح

                                   قشّ الصبر

يا سنبلة !

              تحمل منذ عجاف أسمر . . .

                                          سرَّ الموت . . . .

                                          خلِّ رفات الوقت قليلاً

فالتابوت يئنّ ضحايا

               تلو ضحايا

               تلو ضحايا

ومهاد الغافين طويلاً خشبٌ قان

يحضن من أغصان رفاقي جِلْداً أنزع

يقطر وهناً

فوق مسام الخطو الأحمر

يعلم . . . أنّ

نداءَ الوقت :

                    بقايا خنجر

تفتح جفناً

كي يغفو ما بين الحنظل والحنظل

وتظهر في خلفيّة هذه القصيدة صورة ( سُنبلة) قمح في إشارة غير خافية إلى الاحتياج الأكثر إلحاحا في المجتمعات الفقيرة التي تموتُ كل يوم تحت زخّات رصاص الحروب والفوضى والاحتياج إلى المأكل والمأوى. وبتحريك المؤشّر على الكلمة الأخيرة (الحنظل) يظهر لنا أن هناك ارتباطا تشعُّبيا يقودُك إلى النّص الآتي :

الأفق المرّ

ينبت صبّاراً أشعث في ثوب الريح

يثأر من عطر النعناع

يوقد في ليل الأوجاع

فتيل ظلام . . .

ويؤجل نسياناً يأتي

يفضح كلّ شجون الماضي

ويعطّر أجواء الحاضر

بــالــهــذيــان ! . . .

اقرأ أيضاً ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض .. آخر كتب الدكتور محمد طه الصادر عن دار الشروق

وهكذا إلى آخر المجموعة، كل قصيدة مشحونة بكلمة ذات ارتباط تشعبي تقودُك إلى قصيدة أخرى وتستطيع في كل الأحوال أن تغيّر خلفية الشاشة/ القصيدة وتغّير حركة القصيدة على الشاشة من خلال “هالات” جانبيّة أشرنا إليهم في الصّورة السّابقة.

لقد أتاحت البنية الرقمية هُنا مساحات للتفاعل. وهو ما أشرنا إليه في كلامنا السّابق حيثُ يستطيعُ المتصفّح/المتفاعل/القاريء/المتلقي  أن يُغيّر من خلفيّات وحركة القصائد والصور المصاحبة لها وكذلك ينتقل من النّص (المتن) إلى النّص (الهامش) بضغطة على كلمة مشحونة بارتباط تشعّبي كما أسلفنا الذكر في مثال كقصيدة (الفقر) والتي جاءت كلمة (الحنظل) فيها مشحونة بارتباط تشعّبي يقود إلى قصيدة قصيرة  تتحدّث عن ” الصّبار” الذي ينبتُ بديلا للقمح الذي ورد كخلفيّة لقصيدة الفقر. كما يستطيع القاريء (تكميم) الموسيقى المُصاحبة للنص من واحدة من الهالات الست وهي (كمّم بوحك) في يمين الشاشة.

كتاب مختصر تاريخ العلم لويليام بينوم.. من اكتشاف النار إلى يومنا هذا- اقتباسات ومراجعة

هذا هو الوسيط ، فأين التّفاعليّة؟

نستطيع القول إن مجموعة (لا متناهيات الجدار النّاري) جاءت مُكتملة ( الرقميّة والإليكترونية) غير أنّها محدودة (التّفاعليّة) إن لم تكُن منعدمة حيثُ لا يتحقق فيها عنصر( القِراكِتابة) وهو عنصر – عندي- حاكم ورئيس في الحُكم على القصيدة التّفاعليّة وإلّا فما بالُنا لو قُمنا بطباعة ذلك (الدّفتر) الذي جاءت القصائد مطبوعةً على أوراقه في شكل (صور) على شاشة الكمبيوتر وأتحناه في صورة ورقيّة للقارئ، ستظلّ الكلمات أيضا قادرة ومُعبّرة. غير أنّنا لا يجبُ أن نتوقّف عند هذا الحُكم ولكن علينا أن ننوّه إلى أن النّص الرقمي قابل للتطوير والتبديل والتعديل المُستمر ويستوعب التقنية باستمرار وهو ما يعني أن نشر المجموعة ربّما لا يكونُ هو الشكل الأخير لها وربّما يأخذ الشّاعر ما قيل بالحُسبان ويطوّر قليلا في إمكانية تفاعل القاريء مع نصوصه بحيث تصبح (تفاعلية) بشكل حقيقي يمكن المتلقي من قراءة النص ثم الإضافة إليه أو كتابته من جديد.

بقي  أن نذكّر في سياق الحديث عن القصيدة التّفاعليّة  أن أمر الريادة في هذه اللون من الإبداع أمرٌ مختلفٌ عليه عربيّا ، لكنّني من واقع مقالي لم أسع لإثبات ريادة لأحد أو نفيها عن أحد بقدر ما سعيتُ إلى تجليّة المفاهيم والتّصورات الذهنية العالقة بلون إبداعي اتّصل بشكل موضوعي بالوسائط المُعاصرة وتقنيّاتها. وهو ما تجلّى في نصوص كثيرين مثل : منعم الأزرق وسولارا صباح وجماعة قصيدة ميدوزا ومحمد سناجلة وغيرهم.


 ([1]) محمد عبدالمطلب. الأدب الرقمي. مجلة دُبي الثّقافيّة. العدد 106.مارس 2014. ص143.

[2]))   فاطمة البريكي.  مدخل إلى الأدب التفاعلي. المركز الثقافي العربي، الدّار البيضاء، المغرب. ط1.2006. ص 74.75.76

[3]))  منعم الأزرق. قراكتابة عاشقة. مُنتديات المرساة. 27 ديسمبر 2007م. رابط : http://imzran.org/mountada/viewtopic.php?f=46&t=1844&view=next

([4])  أنظر : http://www.non14.net/92672/

[5])) سعيدة حمداوي. النص الرقمي وميلاد القارئ التّفاعلي. محاضرة جامعة العربي بن مهيدي الجزائرية. أنظر : صحيفة المثقّف ، تقارير وتحقيقات، العدد 4357، 10 أغسطس 2018م. http://ns1.almothaqaf.com/d/e2/927679

القصيدة الإلكترونية والقصيدة الرقمية والقصيدة التفاعلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى