رواية “أربطة” .. نحتاج للحديث عن الأربطة لأننا لا نعلم ما هي

رواية أربطة .. نحتاج للحديث عن الأربطة لأننا لا نعلم ما هي – آية حسن- مدونة مصرية

نحتاج للحديث عن “الأربطة” لأننا لا نعلم ما هي. كان يمكنني الكتابة عن ملحمة، رواية ضخمة أو ذات صدي، ربما الجريمة والعقاب أو حتى ثلاثية نجيب محفوظ وحينها يوجد الكثير لمناقشته، مهما تحدثنا وكتبنا عن هذه الأعمال فهي لا تفقد بريقها أبدا لكنني اليوم أختار أن أتحدث عن عمل روائي أقل حجما ولا يحوي قصة متشابكة أو تاريخية، رواية ذات قصة “قتلت” تناولا وكتابة.
وبرغم قصرها النسبي وقصتها الغير مثيرة إلا أن الجميع أحبها! وحصدت عدد من الجوائز لكن للوهلة الأولي قد نتعجب لم قد يحصل هذا العمل على هذا التقدير؟ رواية أربطة للإيطالي دومينيكو ستارنونه، رواية من الأدب الحديث تحكي عن المشكلات الزوجية التي تواجهها أسرة من أربع أفراد، ونعم المشكلات الزوجية مهمة ولكن الرواية أدخلتها في إطار نفسي جديد تماما..
الحبكة بنيت علي الزوج الذي يترك كل شيء من أجل علاقة جديدة، بالطبع الزوجة تدمرت والأطفال مشتتون، تكررت هذه القصة كثيرا لدرجة أنها أصبحت تقدم كمشكلة جانبية. الجديد الذي ادخله الكاتب هو تناول ما بعد المشكلة، هل تعود المياه إلى مجاريها وننسى كل شيء وكأننا لم نمر بها مطلقا؟ هل هذا ممكن حقا؟


رواية أربطة .. السرد الذي غير كل شيء

السرد مقسم إلي ثلاث أجزاء في ثلاث فترات زمنية مختلفة، أولا تحكي الزوجة وقت الأزمة ثم يحكي الزوج بعد الأزمة وأخيرا يحكي الطفلين. الزوج يحب أخري ويترك حياته بحثا عن الجديد، شخص لم يحب فكرة أنه في الثلاثين متزوج ويعول عائلة بشكل روتيني خالي من المغامرة لذا يتخلي عن كل اختياراته القديمة ويرحل.
الزوجة لا تقبل بالطبع، الجزء الخاص بها هو الأكثر قسوة، أنها تتوسل مهينة نفسها مرات عديدة، تتأكل داخليا ونفسيا حتى تسأل نفسك هل يمكن لامرأة مرت بهذه المراحل أن تستمر في المحاولة؟ أما الأبناء فهم ناتج هذه المجزرة المنزلية التي وجدوا بداخلها بلا طلب وبلا تدخل، يقرر شخص أنه من العائلة اليوم وفي الغد يغير رأيه، هل تعتقد أن يظل الأطفال محتفظين بذكري سوية عن الأسرة بعدها؟ و مع تغير السرد هنا تظهر المشكلة.. أنهم يحكون نفس الذكريات بمشاعر مختلفة، كل حدث يتم تأويله بعدة أشكال، ومع التغيير الأول في السرد حينها فقط سوف يدرك القارئ أنه لم يكن يقرأ ما حدث فعلا بل يقرأ مشاعر الراوي بعدها سوف يختلط الحابل بالنابل ولا نعرف مع من نتعاطف ومن هو الجاني ومن هو المخطئ حقا.
لماذا؟ لان الطريقة المعتادة لسرد قصة ذات خط واحد ومن جانب واحد ليست متاحة، مما يجعل عشر قراء يناقشون نفس القصة يتجادلون حول الزوجة هل هي ضحية أم مجنونة.
في ظني لقد أخرج الكاتب هذا النزاع الأسري البسيط من سطور الرواية إلينا، وكأنه يقول لا يوجد جاني مطلق ولا توجد قصة حدثت بحذافيرها لأن حتى الأبطال أنفسهم لا يعرفون ما حدث، فهل ستعرف أنت؟ رواية أربطة

“الأربطة الوحيدة التي وضع والدانا لها اعتباراً، هي تلك التي عذب بها كل منهما الآخر طوال حياته”.

استنتاجنا من الأفكار والأحداث المتشابكة التي لم تسفر عن حل بل عن خوف من العلاقات الأسرية يجب أن تسفر عن بعض الأسئلة مثل هل ننظر “للأربطة” الأسرية بنفس النظرة؟ هل هي مسئولية مطلقة أم حب خالص أم مجرد أربطة يمكن أن نخلعها ونبحث عن أفضل منها عندما نمل؟ هل الملل مسموح من الأساس أم نحن نتحدث عن علاقات مقدسة لا يجب أن تفسد؟
في النهاية يجد القارئ نفسه في رواية أربطة أمام خيارين هل نندم علي الماضي ونهرب مثل الزوج أم نتحمل أخطائنا ونبقي حتى النهاية مثل الزوجة؟ في الحقيقة لا يهم، طالما ظللنا مشوشين ولا نعرف ما نريد سوف نخطئ ولن يفيدنا لوم الماضي أو حتى التطلع للمستقبل.

ختاما.. عن رواية أربطة دومينيكو ستارنونه


قدم عدة دروس مهمة في هذا العمل، أولا فيما يخص الكتابة، لا تحتاج أن تخلق عالما خياليا لتكون القصة ممتعة ولا تحتاج الحبكة المعقدة كي تتلاعب بنفسية القارئ بل تلاعب زمني بسيط وقصة حساسة تمسنا جميعا سوف تفي بالغرض فبعد كل شيء جمعنا أم هؤلاء الأطفال الخائفين أو سوف نكبر لنصبح الآباء الأكثر فزعا. أما من ناحية القصة لقد أرانا مخاوفنا اليومية، ليست تلك المتعلقة بالوظيفة وتحقيق الذات بل عن الأشخاص التي نراهم كل يوم ونعيش بينهم ولا نعرف بما يفكرون، فلا أحد يريد أن يستيقظ يوما بعد 80 عاما ليدرك أن..” الألم كان موجوداً دائماً، لم ينتهِ قط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى