الحيل البصرية وسينمائية التوثيق في ديوان (بتوقيت النزيف) لعمرو الشيخ

الحيل البصرية وسينمائية التوثيق في ديوان (بتوقيت النزيف) لعمرو الشيخ – عمرو العزالي – ناقد ومحرر مصري

يأتي ديوان (بتوقيف النزيف) ليكون السادس بين أعمال الشاعر عمرو الشيخ، وقصائد الديوان كلها تنتمي لشكل (قصيدة النثر)، وقصيدة النثر بتطوراتها السريعة والكبيرة، وبصفتها جنساً استمد ماهيته شبه المتفق حتى الآن كشكل أضيف إلى جنس من ناحية، واستناداً إلى كونها تنتمي إلى جنس (الحافة)، من خلال وقوعه بين جنس الشعر وجنس النثر بكل أشكاله؛ لذا كان من الطبيعي أن تستفيد قصيدة النثر من كافة آليات الكتابة الأخرى التي تتجاور معها، وبخاصة حقول الكتابة التي تعتمد على تحقيق المتعة البصرية بشكل كبير، بعدما بات القول بنقاء النوع الأدبي قولاً غير مقنع، فبحكم الحركة الدائبة في مخيلة المبدع الحقيقي على مر العصور لم تكن الأشكال دوائر مغلقة أو جزراً منعزلة داخل الخريطة الأدبية، كما تسعى نظرية الأنواع إلى تكريسه؛ ” فالحدود بينها تعبر باستمرار، والأنواع تخلط وتمزج.. وتخلق أنواعاً جديدة ” . وقد ركزت ما بعد الحداثة، التي قامت – فيما قامت عليه – على قيمة مناهضة الشكل المنتهي ، أو كما لاحظ جاكوبسون أن طبيعة كل مرحلة تعطي الصدارة لنَوع محدد من هذه الأنواع ، وتجعله مهيمناً على غيره ” ؛ فالفنون البصرية هيمنت – مثلاً- على فنون عصر النهضة، وهيمنت الموسيقا على الفن الرومانتِيكي، وهيمن الفن اللفظي على الواقعية، بينما تهيمن على عصرنا الحالي جماليات الصورة البصرية .

إضاءات على ديوان بتوقيت النزيف للشاعر عمرو الشيخ

هذه مقدمة كان لا مفر منها لتوطئة الحديث عن بعض الإضاءات الخاطفة على منتجات ديوان (بتوقيت النزيف)، لنقارب بين الشكل الذي اختاره الشاعر، والمضمون الذي حاول أن يصدره من خلال هذا الشكل، أو ما يعرف بـ (الشكل المضموني) . إذ تأتي جرأة الديوان على مستوى الآليات في عدم التزامه بالمواصفات التي يكاد يتواضع عليها شعراء قصيدة النثر ومنظروها، إذ أن الديوان يستند إلى ظهير فكري مهيمن على رؤى الديوان وأفكاره، غير ملتزم بإحداث قطيعة مع التراث بل يستدعي من رموزه ما يشاء ليوظفها كيفما شاء كما هو حادث في قصيدتي (مريم تتسلم وصبة الحسين)، (الحزن)، وغير ملتزم بمجانية اللغة، وكذلك يحاول الاستفادة من آليات المنجز الشعري العربي باختلاف مدارس إنتاجه، منحازاً إلى آليات قصيدة النثر.

لذا؛ فإنه بجانب عدم التزام الديوان بمانيفستو قصيدة النثر، كانت جرأته كذلك على مستوى الطرح في محاولة تقديم رؤية شديدة الخصوصية، للحظة شديدة الخصوصية، لا يستطيع أحد أن يدعي أنه فهم تفاصيلها، وتجلت له عللها بعد.

وفوق ذلك فالشاعر لم يختار طريق التعميم، والحديث عن الكليات من خلال فتح دلالات نصوصه، وإنما كان اختياره هو رصد اللحظة المعني بها، بمفرداتها ،تشكلاتها، وتجلياتها أيضاً، فنصوص هذا الديوان لا نستطيع الاستشهاد بها مثلاً على أي حدث سياسي في أي بلد في العالم سوى مصر، أو تغير في البنية الاجتماعية والفكرية غير المصرية، إلا إذا كان مطابقاَ مطابقة حرفية لما حدث في ثورة مصر، وهو ما يستحيل وقوعه – بنفس السياقات والتراكيب –  في ظني.

ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض .. آخر كتب الدكتور محمد طه الصادر عن دار الشروق

“ذات أمس” رواية تأخدك من ظلام الماضي إلى غياهب المستقبل

ظل وعظم لي باردوغو | تعرف على ملخص رواية ظل وعظم التي ستنتجها نتفليكس Netflix

وابتداءً من الملاحظة الأولى وهي أن جميع عناوين القصائد عبارة عن جملة اعتراضية؛ والتي جاءت كأداء شكلي مضموني بامتياز يعبر به الشاعر عن جميع الأحداث الدموية ، والانتهاكات التي وقعت بوصفها جملاً اعتراضية غاية في الأهمية، وتستحق الكثير من الانتباه، ولكن للأسف في الوقت ذاته فإنه مكن تجاوزها، أو عدم الالتفات إليها بالأساس، وهذا في سياق العديد من مشاهد الجملة الاعتراضية الأبرز في تاريخ مصر، ألا وهي  – ثورة يناير – .

ولم تكن الجدة في حضور الجملة الاعتراضية في عنوان النص ، وإنما كانت الجدة في انفرادها بالعنوان، إذ أن الجملة الاعتراضية لغوياً تأتي بين مركبات كثيرة ، فهي تأتي بين المبدأ والخبر، وبين الفعل والفاعل، أو بين الفعل والمفعول به، لذا فإن الغياب الصياغي لهذه الأجزاء هو الذي يفتح آفاق عدة للتأويل .

                                   ********************************

وبما أنه كان من الصعب تتبع كافة الأداءات اللغوية في الديوان، والإشارات السريالية في بعض النصوص، والتفاعل مع التراث في بعضها الآخر…… إلخ، وغير ذلك من الظواهر الفنية في الديوان،والقضايا التي يحاول طرحها وعلى رأسها رصد تجليات السلطة بمختلف أشكالها الدينية والسياسية والمالية، والتي يصعب حصرها في قراءة في تلك المساحة، وعليه؛ فإنني اخترت التعامل مع الملمحين الأبرز في نظري، بما أراهما  كعمادين رئيسين يرفعان البنيان الرؤيوي للديوان، وهما :

  1. الاتكاء على منجز الفنون البصرية عموماً والسينمائي منها خاصة .
  2. تتبع أدوار (القصيدة) كعضو رئيس مشارك في صياغة رؤيتها .

 ولعل هذا يتسق بشكل كبير مع مطروح الديوان كـ (شهادة شعرية بصرية الطابع ) لـ (شاعر) على تلك اللحظة الاستثنائية في وطنه.  

** المحور الأول : التفاعل مع الفنون البصرية عموماً والسينمائي منها خاصة

جاء كل عنصر من عناصر الديوان: اللغة، الشكل، السرد الطباعي، التخفف من المجازات الجزئية، وليس الاستغناء عنها، وتوظيفها لصالح المجاز المشهدي الكلي، امتزاج السينمائي بالحقيقي، والواقعي بالافتراضي، ليصير الواقع افتراضياً والافتراضي واقعاً. ليبدو السينمائي في شكل الحقيقي، والحقيقي في شكل السينمائي؛ كل هذه العناصر جعلت القصائد تبدو وكأنها رصد لمشاهد عادية يومية باحترافية سينمائي عتيد، بما يؤكد أن الشاعر راهن على الشعر الذي يقدم حالة عادية ويعبر عنها تعبيراً مغايراً، ليصل بنا إلى نقول : إن هذا ما حدث بالظبط . ولم يحدث البتة .

من ضمن ما يسعى إليه الشاعر من تحقيق طزاجة ما على مستوى الطرح، غير مشغول بالتدليل على صحة رؤاه، مقدماً (حيادية الالتقاط) على ( غواية تبرير اختيار اللقطة) .

 وهذا الانحياز للجماليات البصرية يظهر من تناثر الدوال المكانية بامتياز، ابتداءً من تصدير الديوان :

الدم الذي يجري في العروق ..

ليس دليلاً مقنعاً على الحياة !

إنه فقط؛

يبحث عن مَخرَج . 

وباستقراء بسيط ستتجلى علاقة (النزيف) في العنوان، والذي صار ميقاتاً خاصاَ جداً بهذا الجيل، عاماً جداً في دلالته، بالدم (المحبوس) في العروق، الدم هنا يسوّي بين الحياة الموت، وهو دم مخصوص للغاية، يعبر عن موقف فردي للشاعر، وهو عام أيضاً، إذ أن الدم هنا يعبر عن غضب الشباب بما يمثله من مخاضات تمهيدية عديدة للثورة .

فجاء هذا المقطع التمهيدي، والي يعتبر جزءاً أصيلاً من نسيج الديوان بمثابة (تتر قصير) لهذا النص (الفيلمي) الممتدى في نصوص الديوان، تمهيد مثر يصور مخاض ما حدث ففيما بع، مع سيطرة واضحة للغة الدم .

(سينما الحقيقة) والتماهي بين الواقعي والافتراضي في ديوان بتوقيت النزيف

ولأن الثورة كانت فعلاً مشهدياً إلى حد كبير؛ فقد انحاز الشاعر إلى اللغة السيناريوية البصرية لإلقاء الضوء على أحداثها كما يراها هو؛ لذا لم يخلُ عنوان لنص من دال بصري (- الدائرة – ، – حلمي سيمر أمام شرفتك -، – هروب – ، – الفيلم – ، – الوطن في دروين متشابهين – ، – المباراة بدون جمهور – ، – خمس كاميرات تصنع الحقائق – ، – الكابوس – ، ….. إلخ )، وكذلك لم يخلُ نص من دال سينمائي مباشر، أو من آلية كتابة سيناريوية بامتياز .

ديوان بتوقيت النزيف

فكان التحاور مع المنجز السينمائي هو الملمح الأبرز فيما يخص محور الاستفادة من المنجز الفني البصري في الديوان ، ففي نص (-الدائرة-) نجد أن الآليات السينمائية بامتياز قد ساعدت على تماهي الشكل والمضمون فكل دائرة بداخلها دائرة أصغر، فكل فيلم بداخله واقع، وكل واقع كان من الممكن أن يكون منطقياً أكثر أن يتضح في النهاية أنه مجرد فيلم، وكل مشهد قصير يؤدي دوراً محتوماً كجزء من الفيلم الروائي الطويل، والاثنان جزء من فيلم وثائقي لأحد القنوات الإخبارية، والثلاثة جزء من الفيلم الذي يصوغه الشاعر في نصه، ولعل هذا يتضح من التساؤل الذي يلقيه الشاعر في نهاية المقطع الأول من النص(صـ10) : 

هل من مثَّل دور المتفرج دائماً

يقدر على تمثيل دور البطل فجأة ؟!

ديوان بتوقيت النزيف عمرو الشيخ

ولعل تلك الآليات البصرية قد قدمت خدمات جليلة لإضاءة رؤية النصوص، ففي نص (- الدائرة-) على سبيل المثال، نجد أن التداخل بين الفيلمي، والملموس، والمبادلة بينهما باستمرار، هو الذي صنع ذلك المنطق (الدوائري) للقصيدة، والذي طمح من ورائه الشاعر إلى تثبيته في ذاكرة المتلقي البصرية (صـ16):

نبطح مصور كي يلتقط الصورة

صورة مثل حلم سريالي فيها :

تنورات، وجمال تركبها كلاب ،

وبيادات مخلوعة فوق الأرض ، وشباشب

قد حانت صلاة الظهر

  • وعلى السادة المقيمين داخل الحلم

عدم تصديق الوقت –

                                سواد

ينطبح مصور آخر

يلتقط مشهد عمر

سيقان منفرجة ، خوذات على الأرض

حين سجود الصف وراء الصف

اللقطة من تلك الزاوية لا يبدو فيها أي إمام

دبابة تصادف مرورها بطريق الخطأ ..

حجبته

في اللقطة أيضاً ..

لحية ، حناء، حصير كأنما يخفي شيئاً ما

عَلَم لا يشبع من دوراته

يبحث عن أي غطاء للرأس

كي يرقص في عرض التنورة .

لا يشغله نهائياً من يرفعه .

سواد

إن حضور شاشات العرض السينمائي هنا لا نهائي ، فلا ندري على وجه التحديد من يتفرَّجُ على من، فيعرض الشاعر لحالات التماهي بين الممثل، والمتفرج والجثة، ليبدو إلى الآن العرض له منطقه الفني لا العقلي ، ولكن ما يفتح باب التأويل على مصراعيه كان إضافة (القنبلة) إلى هذا التداخل بين صور الممثل والمتفرج والجثة(صـ19):

الأمن يخلي صالة السينما مؤقتاً

أنباء عن قتلة ، وجرحى، وقتلى

الضابط واجمٌ مرتبك ..

لا يستطيع أن يفرق

بين الممثل ، والمتفرج، والجثة، والقنبلة !

وربما تنتمي هذه الآليات التي هيمنت على أدوات الشاعر الفنية تنتمي في مجملها إلى ما يمكن أن نطلق عليه (سينما الحقيقة)[1] .

ولعل هذا التماهي بين التوثيقي الحقيقي، والتوثيقي السينمائي لا تنفرد به قصيدة (-الدائرة-) فقط، بل يصل هذا التماهي إلى منتهاه في قصيدته (-الفيلم-) ، والتي تبدأ بمشهد سينمائي من صنع الشاعر (صـ47) :

خصيصاً من أجلي

الوطن يرسل في منتصف الليل سيارة مصفحة

الضابط يبتسم لأمي – كأنه مواطن عاديّ-

ويقول : ” من أجل البلد يا حاجة “

الصغيرات يتأملن تفاصيل الكائنات الشريرة

– أول مرة أخذلهن ولا أغير القناة سريعاً –

قبل أن يغطوا وجهي

– هل يكره الوطنوجهي إلىخذا الحد ؟ –

لمحت عيني أمي وابنتي الكبرى يقتسمان سؤالاً :

ما العلاقة بين :

أدراج ملابسنا الداخلية – كيس الأرز – علب الأدوية –

عرائس البنات وأمن الوطن ؟!!

ثم ينتقل إلى استدعاء مشهد من الفيلم الأيقوني لهذه الحالة ، وهو فيلم (الكرنك) :

في غرفة كتلك التي كانت في فيلم الكرنك القديم

تملكتني فكرة تعذيب مرعبة

تخيلت رجلاً ضخماً يمسك رأسي من الخلف

ويدق بجسمي مسمار برواز صورة الزعيم المهزوز

الغريب أن الممثلين كما هم لا يكبرون

لا يكبرون أبداً

س : ما مصدر لحيتك ؟

من أين جلبت الشعر ؟

هكذا باغتني ” خالد بك صفوان” وهو يخلع ساعته،

بينما الموظف العجوز يسلط الأباجورة على وجهي .

وللوهلة الأولى، يتضح أن الشاعر لا يعتمد أمانة الاستدعاء، بقدر ما يتعمد التدخل في المشاهد، بالحذف والإضافة والتبديل لصنع فيلمه هو داخل الفيلم الأصلي، وتغليب حالته هو – بالسياقات التي صنعتها – على حالة الفيلم بسياقاتها، وهو ما يعكس اعتناء الشاعر في جل نصوص ديوانه بما تصدره تلك النصوص من نواتج معرفية، على رأسها تغير التركيبة المصرية، في لغة إشارية رهيفة لم تتنازل عن شاعريتها . 

ثم يعود مرة أخرى إلى فيلمه هو :

عندما كشفتُ الغطاء ..

الناس كان شكلهم غريب جداً

هل هؤلاء هم المتحولون في أفلام الرعب ؟!

أجساد هزيلة، رؤوس صغيرة، عيون ضيقة

آذان ضخمة متوحشة، لا أثر لوجود فم !!

غطاء رأس معصور في كل د خلف كل ظهر

وفي ظني أن محور (أثر توظيف آليات السرد المشهدي) في الديوان يحتاج دراسة مستقلة في كل الأحوال .

التدشين للحضور بالغياب

الكتابة والفراغ كشكلين للتدوين

وعليه؛ ففد اختار الشاعر استنفار كل الطاقات التشكيلية ليس للألفاظ فقط ، وإنما كذلك لمساحات الفراغ التي شكلت – بوصفها جزءاً من السرد الطباعي- أداة توصيلية إشارية هامة ، كقوله مثلاً في قصيدة (-الوطن في دورين متشابهين-) (صـ51):

الوطن إن رسمت على أي سور فيه

شجراً ، وعصافير، وأبواباً مفتوحة

في قصيدة التفعيلة :

                                يرسم شرطياً يحمل مسدساً

ويراقبني

…………….

في قصيدة النثر :

الشرطي يصوب ..

ويعتقلني، ويعتقل الشجر، والعصافير، والأبواب

ويشدد الحراسة على كل الأسوار

…………………..

…………………..

إذ نجد أن الفراغ المتروك في السطر التالي لـ ( في قصيدة التفعيلة) يحمل إشارات هامة على براح ما ومساحة من الحرية، كانت موضوعة بحدود، بينما في الزمن التالي ( زمن قصيدة النثر بمباشرتها وتعاملها مع الأشياء كما هي، لا كما نتخيلها) فإن رد الفعل ( القتل والاعتقال الحقيقي منه والفانتازي) كان متناسباً، مع عدم ترك مساحة للتنفس ، ودليل قوي – في ظني – على غياب المرونة ، وانتفاء البراح الذي كان موجوداً بشكل ما . أو يمكننا القول أنه (تأريخ أدبي) بين مرحلة (يحمل مسدساً) ومرحلة (يصوب)، وبينن عالم(يراقبني) وعالم(يعتقلني) . 

وكذلك في النص المعنون بـ (تلذذ)، إذ يقول في نهايته ما يوشي بكل ما كان يمكن أن يكتب الفحة الفارغة ، إذ جاء النص مكوناً من سطرين فقط، في نهاية الصفحة، بينما تركت فراغات المساحة البيضاء لتقول نيابة عن اللفظ، وهي بالمناسبة إحدى آليات كتابة السيناريو، أي أن تكتب ما يشير أحياناً إلى ما قبل ، وما بعد، كما هو في نص (تلذذ . صـ 96 ) .  

رصاصة واحد كانت كافية لإصابتي …

أم أنك قصدت شيئاً آخرَ غير قتلي ؟

إذ يمكننا تصور عدداً لا نهائي من التأويلات ، ابتداءً من التصورات الساذجة مثل: هل قتل بأكثر من رصاصة ؟  أم هل تم التمثيل بجثته بعد القتل ؟ إلى أكثر تجريداً : هل قتل بأكثر من وسيلة للقتل ؟ ووهل كانت الوسائل كلها مادية ؟ ….. إلخ ، وغير ذلك من التصورات ما كانت لهذه المساحة ولا لأضعافها أن تحتويها جميعاً . كما أن حمولة المنتج الجمالي الناتج عن الحضور والغياب، والمستند إلى الكتابة والحذف إنما يصيف بالتأكيد لذة إضافية ألا وهي لذة (إشارية) التعبير في غير غموض .

وكذلك في المقطع الأخير من قصيدة ( – الوطن في دورين متسابهين – )، إذ يقول بعد فراغ تُرِكَ عمداً في الجزء الأكبر من الصفحة، كدال زمني نستنتجه عند قراءة المقطع : 

الوطن

– بعد مرور عدة سنوات –

يعاني الوحدة

بعض الجيران والغرباء

يفكرون في وضعه في دار للمسنين . 

وكذلك نجد الاتكاء على مساحات الفراغ  في نص ( – شريعة الغربة – ) ، إذ يختصر تلك السنوات في الفراغ المتروك قبل النص، وكذلك الانتقال زمنياً من خلال فراغ  المتروك في سطرين فارغين في نهاية المقطع،  فـ (الفراغات الزمنية الفنتازية العنيفة) هنا هي التي تحمل إشارات النص الرئيسة، وهي التي تحمل على كتفها نواتجه المعرفية والرؤيوية، تتساوى في ذلك مع التراكيب المشهدية المربكة في تلقيها الأولي، والذي يحتويها نص (-شريعة الغربة-) صـ 9، والتي تدفعنا دون أن نشعر إلى إعادة القراءة مرة أخرى :

حين جلس في عزاء أبيه حاصرته فكرة أن أموال الغربة

تصلح تماماً لإقامة سرادقات العزاء

ملعونةٌ تلك الجنيهات ؟ أم معذورةٌ ؟

هذا ما ستحسمه فاتورة المستشفى الخاصة . .

كانت أيادي المعزين تُوقِّعُ له

علىشهادات الوفاة

……………..

…………………..

أثر توظيف اللون في بعض القصائد

إذن نجده في نصه الأول (في الدائرة) ، يقول منتبهاً إلى حمولة الألوان الدلالية ، ومعتمداً عليها :

الظلُّ سرق كثيراً من أحمره

ثم يقول في موطن آخر من النص نفسه :

أحمره يبدأ في استرداد عافيته

الدائرة تهدأ ،

تتثلث ، تتربع ، تستطيل ، تنحرف

أسوده في أتم عافية .

إن الأحمر هنا بكل طاقاته الدلالية من الحياة والحركة والحرارة ومثل الشباب ، يمثل (الدم الذي يجري في العروق ليبحث عن ” مخرج ” ) ، وهذا هو ما استدعاه توظيف آليات سينما الحقيقة ، إن الثورة في عين الشاعر إنما تتجلى بشكلها الحقيقي، وألوانها الحقيقية، لذا فإنها يغلب عليها الدم الذي يحدد الكلمة الفاصلة، والناتج اليقيني الملموس من وراء تلك الثورة .

إن الشاعر هنا يحاول إعادة صياغة دلالات جديدة للأشياء ، فالأبيض ليس للبراءة، وإنما للتجمد المسمى خطأ بالاستقرار،  فيقول في النص ذاته :

والتكييف في غرفة التفاوض

جمّد النسر كالفراخ البيضاء

أخيراً رفعوه في براءة تليق بالفخاخ.

وكذلك الأسود فإنه لا يشير لتداعيات الكآبة ، وإنما للكلمة الفاصلة، إذن إنه – ضمن تناصه مع لغة السيناريو بشكل واضح – ، يختتم كل مقطع / مشهد بـ (سواد)، وهي البديل الذي اختاره لكلمة (إظلام) .

ديوان بتوقيت النزيف

** المحور الثاني : توظيف (القصيدة) كعضو رئيس مشارك في صياغة رؤيتها

منذ ديوانه الأول حتى الآن، وعبر سبعة دواوين نستطيع بتتبع ملامح المشروع الشعري كمشروع حياة عند عمرو الشيخ رصد القصيدة كمحرض رئيس له على تدوين شهادته كشاعر على نفسه وجيله ووطنه، لذا لم يكن بمستغرب هذا الحضور الطاغي لـ ( القصيدة) في مشروعه :

القصيدة تحرضني أن أكتب عن وطن

حاول الهرب من الليل مع عشاقه

فلا وصَلَ، ولا عاد، ولا عادوا !

ولعل هذا الانحياز الواضح يقدم إضاءة على التصاق الشاعر بقصيدته في التعامل مع الحياة عموماً وجهها الحقيقي، والاستعانة بهذه لبقصيدة كمخبأ وسيف وفرس وحبيبة مخلصة، ورفيقة ثورة محرضة :

قصيدة من الخلايا النائمة تحاول الاتصال بي

حين تحسست جبيني أمسح عرقي

شوهت رؤوس مسامير مغروسة في جبيني أناملي

ما عاد لي بصمات ..

كيف أكتب الشعر ثانية .

فنجد الشاعر يقرن في هذا المشهد المكثف بين (الجبين) بما يحمله من دلالات كرمز للكرامة الإنسانية، وبين الأنامل التي تدون الشعر ، ثم يقرن بين (البصمة) وبين (كتابة الشعر)، كأنه يلخص بصمته الإنسانية التي تشهد بمروره على هذا الكون في كتابة الشعر .

وعليه؛ فإنه يمكننا أن نرى بجلاء (القصيدة) كبطل في معظم هذا المنجز، إن المشروع الشعري هنا لا ينفصل عن المشروع الإنساني بالأساس، ولعل هذا هو ما يمثل أزمة في الكثير من نصوص قصيدة النثر ف منتجنا الإبداعي الآني من تبني قضايا ورؤى مترجمة كألفاظ بعضها، ليس لها على أرض الواقع أية قدم، بينما القصيدة عند عمرو الشيخ  تمتلك مشروعها الخاص داخل مشروعه، بوصفها كائناً متفاعلاً بشكل يحمل الكثير من الحيوية والحركة، كما هو في قصيدته (-حلم بدائي الصنع-) صـ 60:

قصيدتي الحالية

خافت أن تنعي جندياً وملتحياً وطفلةً ومسيحياً

خافت أن تذكر “يارا” وصاحباتها .

فمنذ ديوان الشاعر الأول (قصائد تسعى وأخرى تصل)، وحتى الديوان الذي بين أيدينا نجد أن للقصيدة حضور قوي في عالمه الشعري، فهي التي تحيل وتأمر وتنهي وتحرض، كقوله :

حسناً، أسلمكم اللحية والقصائد

ابتسم الضابط :

لست بعيداً عن أعيننا

لو حاولت الاتصال بالشعر …

سنعرف

يصدر الشاعر القصيدة هنا للمتلقي وكأنها هي المحرض الأول على الكتابة، فالمشروع يبدأ منها، ويكتمل بنهايتها . وللقصيدة في أشكالها المتباينة ردود أفعال متباينة أيضاً، فالمجاز التفعيلي على سبيل المثال كان يحمل الكثير من الرأفة، التي تخلت عنها تماماً قصيدة النثر، فالشاعر هنا يحاول أن يؤرخ أدبياً لحالات انتقال بين عصور سياسية، وتحولات ضخمة في نمطنا الاجتماعي ، فيقول :

الوطن إن رسمت على أي سور فيه

شجراً ، وعصافير، وأبواباً مفتوحة

في قصيدة التفعيلة :

                                يرسم شرطياً يحمل مسدساً

ويراقبني

…………….

في قصيدة النثر :

الشرطي يصوب ..

ويعتقلني ، ويعتقل الشجر، والعصافير، والأبواب

ويشدد الحراسة على كل الأسوار

…………………..

………………………

بينما كان الحضور الأبرز للقصيدة في الديوان في نص (- قبران يتسعان لواحد يتكرر موته -)، إذ نجد القصيدة هنا مرادفة للحياة حرفياً، بكل ما تحمله من أفراح وأزمات وتواريخ وتفاصيل .

بالرغم من أن الديوان والذي جاء – في ظني – غريباً على جسد الديوان مزدحماً بالصور الجزئية، وبما أنني أدعي الاطلاع على المشروع الشعري لصاحب هذا الديوان ، فإنني أظن أن هذا النص ينتمي بشكل أو بآخر للتجربة الشعرية التي ضمها ديوانه       ( عادة الشعر يصل متأخراً)، ولكن من الجائز أن تمتد تجربة إلى تجربة أخرى بنص، أو حالة، تثبت وحدة النسيج، أو لعله يكون من المفيد الحيث عن ذلك تفصيلاً عند تناول تجربة الشاعر إجمالاً . 

وفي النهاية فإن نصوص الديوان جاءت مساندة لبعضها البعض في انحيازاتها البصرية التفاصيلية على مستوى الآليات، وآنيتها الشديدة على مستوى الطرح ، لم يشذ عن ذلك سوى نص ( قبران يتسعان لواحد يتكرر موته) لما سبق ذكره .

وكذلك فإن لدي الكثير من التحفظات على النص الأخير (-حيلة غير شرعية-) وإن كان الشاعر قد اعتمد فيه نفس آلياته التي تنحاز إلى تغليب البصري بشكل كبير، إلا أن الترتيب المنطقي لمقاطع النص، بما يغري بفضح ما كنت أتمنى انتظاره مما صنع لدي حالة الفتور حين استقبال النص جراء التراتبية، وشبهة الترهل في هذا النص، رغم المضامين الفنية المدهشة التي تناثرت في بعض مقاطعه.

إلا أنه على الغم من ذلك حمل الكثير ساء من الرؤى أو الآليات التي اعتمدها الديوان، ومن ذلك المقطع الذي يصور فيه موت الأب في تماهي غاية في الرهاقة بين الغياب في الشكل، والغياب في المضمون، متبنياً آليات السيناريو بطاقاتها الإشارية حين تظهر بعض مفردات المشهد، لتشير إلى المكونات الأخرى الغائبة، كما هو في صيدة (-حياة غر شرعية-) :

الباب يدق بسرعة

فتحنا ولم يغلق ثانية ..

أصدقاؤه في العمل يحملونه

أمي لم تتتفاجأ

الجدار والسقف تماسكا،

ربتا على كتفي

عمي يظهر في المشهد

يبلغني أنني رجل بينما خالي يحتضن أمي وشقيقاتي

لم يدخلا من الباب

هل مرا من شرخ الحائط ؟!

هذا المشهد المفعم بالدلالات، والذي يشير إلى موت الأب / التاريخ ، والذي سيظل بعده البيت مستباحاً، متمثلاً ذلك في تدخل من هم على درجة من القرابة، لكن يظلون دائماً ليسوا جزءاً من النسيج الأصلي للبيت .

وفي النهاية يستقر ديوان (بتوقيت النزيف) كمحطة هامة في منجز عمرو الشيخ الشعري -مع ادعائي أنني من متابعيه- شاهدةً على جرأته، وعلى تمسكه بطريق التجريب، مع تباين ملامح هذا التجريب في كل ديوان على حدة .


وهي شكل من أشكال السينما هدفها اكتشاف العالم وتوسيع نطاق الواقع الممكن تصويره. ساعد على تطويره وسرعة انتشاره اكتشاف الكاميرا السينمائية 16 مم، التي تتصف بخفة الوزن وسهولة الحمل وإمكانية تسجيلها لعنصري الصوت والصورة معاً، مما ساعد على تصوير الأحداث الجارية وقت حدوثها بما يصاحبها من صوت حقيقي مباشر. وبذلك وفرت الكاميرا 16مم ميزتين أساسيتين كان لهما أثر واضح في مجال استخدام السينما في الإعلام والأخبار وهما :

أ‌- تسجيل الحدث في تلقائية دون أي تدخل في صياغته .

ب‌- الوجود في قلب الحدث وإمكانية تسجيل أدق تفاصيله .

وقد ساعد التقدم الكبير لتكنولوجيا آلات التصوير السينمائي والتطور السريع في تحسين خامات الأفلام ، على تمكين مخرجي اتجاه ” سينما الحقيقة ” من عمل مجموعة أفلام تسجيلية على درجة كبيرة من الصدق والمباشرة.

ديوان بتوقيت النزيف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى