آخر بيت في قصيدة الأبنودي ! تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة عبد الرحمن الأبنودي

0

تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة عبد الرحمن الأبنودي – منى عبد الوهاب- مدونة ومنسقة ثقافية مصرية

في أي حكاية تكون الصفحة الأخيرة دائمًا هي الأهم، صفحة سينتهي بعدها كل شيء، صفحة تجعل قلبك يرتجف خوفـًا من النهاية غير المتوقعة..

هكذا كانت الصفحة الأخيرة من حكاية “عبد الرحمن الأبنودي” كما روتها زوجته السيدة نهال كمال في كتابها “ساكن في سواد النني“، رغم كل مآسيه التي جعلتنا نبكي ونرتجف معه إلا أن الصفحة الأخيرة جاءت بمثابة هزة أرضية قوية، أبكت كل من تعلق بالأبنودي وأشعاره وشخصه..

ورغم أن الأبنودي رحل في عامه السابع والسبعين إلا إنه لم يكن رحيل متوقع، ربما لكثرة حديثه عن الموت، وربما لكثرة مرضه الذي سرعان ما يتغلب عليه ويتعافى منه!

لكن في النهاية كان من الضروري كتابة الصفحة الأخيرة للحكاية.. الابنودي

اقرأ أيضاً: عن الشعر والشهرة وأمريكا ومصر ومحمد محسن.. مصطفى إبراهيم في آخر مترو

مصطفى ناصر: هذا هو مقياس النجاح في نظري.. وأحلام اليقظة بالنسبة لي صارت أسلوب حياة

الأبنودي مع زوجته السيدة نهال كمال وابنتيه آية ونور

“أنا عايزة ابني يتفك أسره”

هي الجملة التي قالتها “فاطنة قنديل” والدة الأبنودي عندما زارته في الحلم قبل وفاته بفترة قليلة، قالتها وهي توزع أرز باللبن.

وكأنها الرسالة التي انتظرها الأبنودي ليستسلم لمرضه، ويفلت من يده خيط الأمل بالشفاء.

استسلم الابنودي لمرضه ولإحساسه الدائم بموته القريب، فقرر ألا يذهب إلى المستشفى حتى بعد الإلحاح الشديد من زوجته، لكنه كأي رجل صعيدي لا يكترث لكلام شخص غير نفسه، حتى عندما تدخل “جمال الغيطاني” ليقنعه.

كان الأبنودي يعتقد أنه سيموت، ولا ضرورة لذهابه إلى المستشفى، لكنه استجاب في نهاية الأمر عندما أصر كل من “جمال الغيطاني”، و “محمد حسنين هيكل” بضرورة ذهابه، وبالفعل رتب “الغيطاني” كل شيء لتكون غرفة “الأبنودي” بمستشفى “الجلاء العسكري” جاهزة لاستقباله.

“ما دام لموت

احمل السيف اللي بتحبه”

انتقل الأبنودي إلى المستشفى لمدة أسبوعين، كان فيهما كثير الحديث عن الموت، يردد لفظة الموت كثيرًا.

“دخل الأبنودي المستشفى لمدة أسبوعين، ويومها قال الدكتور له: «ممنوع استخدام التليفون»… فرد عليه عبد الرحمن: «يبقى لازم أقوم أمشي… أنا ماعرفش أقعد من غير ما أتكلم مع الناس… دول أحبابي… دول بسببهم أنا عبد الرحمن الأبنودي… إزاي ماردش عليهم… لو هتمنعوني عنهم هامشي».

وبعد أسبوعين خاب ظن الأبنودي وخرج بحالة جيدة من المستشفى، راح يحتفل بعيد ميلاده السابع والسبعين -وكانت السنة الأخيرة للأبنودي على هذه الأرض- بصحبة زوجته وبناته وأصدقائه.

كتب الأبنودي وصيته، وحكاها لزوجته، وطلب منها أن تنفذها كاملة، لكنها لم تهتم لحديثه لأنها اعتادت عليه، وتقول إنه كان يتكلم عن الموت أكثر من كلامه عن الحياة.

وهذه المرة كان الأبنودي يستعد للرحيل الحقيقي، ويعلم أنها لم تكن مرة من المرات التي يتحدث فيها عن الموت، وتمنى لو استطاع أن تدرك زوجته حقيقة الأمر.

“تموت يا لامبو على طرف الرصيف

وانت لو جالك فقير

كنت تشوى قلبك الطيب

تحطوله فى رغيف؟!”

لم يكن الموت على لسان الأبنودي مجرد لفظة يتلفظ بها كلما استدعى الأمر، بل كان الموت أكبر من ذلك بالنسبة له، كان الموت هو الحقيقة المطلقة والإيمان الحقيقي، حتى إنه في لقاء تلفزيوني قال: «الحياة مجرد بروڤة للموت».

هكذا تعامل الأبنودي مع الموت، أما الحياة فلا تعني له شيء سوى رحلة قصيرة وبروڤة ممتعة ومتعبة.

“اوعى تصدقها الدنيا

غش في غش”

يظهر الموت دائمـًا في قصائد الأبنودي بشكل مباشر وصريح، كإنه يؤكد لنفسه ولنا الحقيقة الوحيدة بالحياة.

تقول الإعلامية “نهال كمال” رفيقة حياة شاعرنا الفذ في كتابها الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع في عام ٢٠٢٠:

“لم أشعر حتى الآن أنه قد رحل.. فشل الجميع في إقناعي بذلك”

هذه هي الجملة الافتتاحية للكتاب، وكأنها اعتادت منه على الحديث عن الموت حتى وصلت لعدم تصديق إنه قد رحل عن عالمنا وذهب للعالم الذي انتظر الوصول إليه كثيرًا.

حتى إنها في آخر اللحظات التي كان يصرخ فيها من الألم ويناديها: “أنا عايز أروح المستشفى دلوقتي… أنا باموت” لم تصدق إنه يموت بالفعل، وعندما اشتد صراخه شعرت كما لو أن الأرض ضاقت عليها بما رحبت، ولا يوجد مساحة من الأرض تحمل قدميها.

للمرة الأولى تشعر أن الأرض تهتز تحت قدميها، ولا تقوى على فعل شيء، لكنها للمرة الأخيرة قاومت…

حتى استطاعت بمساندة من مساعد الأبنودي أن يساعدوه في ارتداء ملابسه والاتجاه به إلى السيارة ليسلكوا للمرة الأخيرة طريقهم إلى مستشفى “الجلاء العسكري”، ولم تعلم نهال أنها ستعود من نفس الطريق معه وهو في نعشه جثة بلا حراك…

تقول نهال كمال في كتابها:

“كانت هذه أصعب لحظات حياتي، وأصعب شعور أحسست به منذ زواجنا، رغم أننا مررنا بمواقف صعبة كثيرة ولحظات شعرنا فيها بأنه الفراق، لكن هذه المرة كانت مختلفة، وأكثر إيلامـًا، فعينا عبد الرحمن تقول إن النهاية قد اقتربت”

وصل الأبنودي إلى المستشفى بعد ساعات قصيرة طالت من الألم في يوم الأربعاء، وظل بها إلى يوم الثلاثاء، اليوم الأخير له بالمستشفى وبالحياة.

دخل الأبنودي غيبوبة يوم الخميس، واستدعى الأمر دخوله غرفة العمليات لإجراء عمليه بالمخ، وخرج منها، لكن لم يحدث جديدًا. ظل الأبنودي في الغيبوبة لعدة أيام، وفي صباح يوم الأحد دخلت له زوجته وهمست في أذنه: «يا عبد الرحمن، انت سامعني؟ لو سامعني إمسك إيدي»!

فتحركت يد الأبنودي تجاه يدها وأمسك بها..

تقول نهال:

“وفجأة… أمسك عبد الرحمن بيدي حتى كادت أظافره تحفر طريقًا داخل يدي… فقلت له مبتسمة: «خلاص… خلاص… أنا كدا اطّمنت عليك».

وفرحت نهال لشعوره بها، ومر اليوم واليوم التالي -الاثنين- دون جديد يذكر، حتى جاء يوم الوداع -الثلاثاء-، وأحست نهال بالنهاية.

ففي الصباح اتجهت إليه في التاسعة والنصف صباحـًا وهذا كان متأخرًا عن باقي الأيام، وعندما وصلت قالت لها الممرضة: «اتأخرتي ليه النهاره، دا قلبه وقف، لكن الحمدلله اشتغل تاني»، فلم تستوعب الخبر واتجهت مسرعة نحوه.

جلست إلى جواره، وأتت بالراديو الذي كان يحبه ويحب أن يصحبه معه إلى كل مكان، لكن بمجرد أن فتحته خرج صوت المذيع يقول: “ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة.”

فاعتبرتها رسالة، فأغلقت الراديو فورًا، وأخذت تدعو الله وتصلي وتقرأ بعض آيات القرآن بجوار الأبنودي.

بعد قليل أدركت أنه قد حان الوقت بأن تهاتف ابنتيها “آية ونور” وتطلب منهما أن يحضرا إلى المستشفى لعلها تكون المرة الأخيرة التي يرونه بها..

وعند الظهر كانا قد وصلتا إلى المستشفى، لكن الغريب أنهن ارتدين السواد مبكرًا، وكأنها رسالة أخرى..

دخلا إلى الأبنودي ليرونه للمرة الأخيرة، وعند خروجهما من غرفة العناية صعدت روح الأبنودي، وكأنه انتظر وصولهما ليودعهم.

“عافر… عافر

وأول مرة في عمره

قعد يرتاح في الضليلة

مات”

هكذا تنتهي دومًا الصفحات الأخيرة للحكايات. عبد الرحمن الأبنودي

ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض .. آخر كتب الدكتور محمد طه الصادر عن دار الشروق

ظل وعظم لي باردوغو | تعرف على ملخص رواية ظل وعظم التي ستنتجها نتفليكس Netflix

في ذكرى السيدة راء.. رضوى عاشور كاتبة وأستاذة وأم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.