عزيزي شاعر العامية.. العب الجيم لآخره!

0

عزيزي شاعر العامية.. العب الجيم لآخره- عمرو العزالي- ناقد ومحرر مصري

هو الموضوع يطول فيه الكلام.. لكن خلينا نبدأ من الأول.. أو مش من الأول قوي يعني”..

أنعش شعراء جيل الألفية مشهد شعر العامية المصرية، والذي يتبادَلَ تصدُّرَ مشهدِهِ – على مستوى الجماهيرية بين القراء العاديين- بضعة أسماء، باختلاف ظروف وتوقيتات وخلفيات هذا التصدر من قبل كل منهم، وأعادوا لهذا الفن حضوراً حقيقياً في الشارع المصري الذي يكتبون وسابقوهم بلغته/ لهجته، هذه حقيقة لم تعد تحتاج إلى إثبات، رغم ما يكمن في مكونات هذه الحقيقة من إشكاليات توجب الوقوف لديها.

يمكنك الاطلاع من هنا على كل المنح الدراسية المتوفرة حالياً

ابتداء، علينا الإشارة إلى بضع أمور قد تكون بديهيات، لكن لا مفر..

البديهية الأولى أنه حتى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، لم يكن هناك تقسيم لشعراء العامية المصرية بين الشاعر الجماهيري والشاعر المختلف صاحب الرهان الخاص، لأن أصحاب الرهانات الفنية الجادة – بتفاوت القيمة الفنية لمنجزهم- كانوا نجوماً بالفعل بحسابات الحضور الجماهيري -باستثناء فؤاد قاعود- وهو ما يمكنك أن تلحظه بسهولة في شعبية بيرم التونسي، وحضور صلاح جاهين وأثر فؤاد حداد، وجاذبية الأبنودي وذكائه، واستعراضية وحماس فؤاد نجم، فكانت الشاشات تعرف هؤلاء، كتعرفها إلى لاعبي الكرة ونجوم السينما وأباطرة المال والسياسة.

صورة لغلاف أعمال فؤاد قاعود عن الهيئة العامة لقصور الثقافة أرجو أن تحرص على اقتنائها

إذن؛ ما الذي جعل الجماهيرية سُبَّة في آخر عشر سنوات؟ أم أن الجماهيرية دوماً غاية مشروعة للراحلين نغض الطرف عنها بينما نحن منهمكون في صنع أصنامهم، فيما إذا وصف بها شاعر معاصر لنا غالباً ما يرتبط بها وصف منتجه الشعري بالخلو مما يحقق القيمة الفنية، وكأن هذا الشاعر أو ذاك مطلوب منه أن يكتب وفق وصفة معينة تعجبنا نحن النقاد والمثقففين وشعراء العامية والمعنيين بالكتابة الإبداعية بشكل أو بآخر؛ وهو ما يشير إلى أزمة أخرى، وهي أزمة العلاقة بين المنجز القائم بالفعل، وبين طرق وأدوات التلقي.

وبالتالي؛ فإذا أردنا أن نستقرئ المشهد دون انطباعات معلبة (لم نكوّنها بأنفسنا غالباً)؛ يجب علينا تفكيك مشهد هذا الحضور الجماهيري لشعر العامية المصرية في الوقت الحالي؛ بفصل مكوناته التي يبدو أنها استفادت فيها من كل التجارب السابقة لقصيدة العامية المصرية، فنحن اليوم لا نستقرئ مشهداً شعرياً خالصاً، وإنما نسقرئ مشهداً شعرياً وتسويقياً (ماركتينجياً) وبصرياً وتنظيمياً وإعلامياً… إلخ، استخدم فيه الشعراء أدوات جديدة لتحقيق غايات إبداعية قديمة بالأساس وهي الجماهيرية، لا انشغال فيها بأي رهان سوى النجاح الوقتي، ولعل الأيام تثبت صمود منتجهم للبقاء ولا أظننا سنكون طرفاً وقتها في الحكم، مع كامل الاحترام لاختيارهم مهما كانت نتائجه.

لا جديد على مستوى الرهان الشعري، لأن معظم نصوص الشعراء الجماهيريين من الجيل الحالي تنحاز في قناعاتها الجمالية والفنية إلى ما أسسته قصيدة العامية الأولى، ابتداء من طول النص، وصولاً إلى انتماء القصيدة إلى دائرة موضوعية واحدة، مروراً بارتياح القصيدة إلى تصدير قيم جمالية بسيطة في تكوينها المعرفي والرؤيوي، وربما تكون سطحية في طرحها الفكري، فجاءت قصيدة (خوّافة) في رهاناتها الجمالية الرؤيوية، كما أنها تختلف عن أشعار السابقين في ارتباط كثير من تراثهم بقضايا عامة اجتماعية، وحوادث وطنية.

ولا جديد على مستوى الإيقاع، حيث ذهب معظم الشعراء في نصوصهم إلى نمط تفعيلي، زاعق في كثير من تطبيقاتهم له، حيث سمع بضعهم بتجربة قصيدة النثر، دون أن يطلع معظمهم عليها، لقصر عمر حضورها النسبي، ولاعتمادها على مرجعيات فنية غير عربية في استنادها النظري، وكذلك لعدم تحقيقها أي طموح جماهيري بسبب غرابة إيقاعها وعدم اهتمامها بالجماليات المعتادة من المجاز الجزئي والإيقاع الرنان، واهتمام شعرائها بالتوثيق لحالات السكون والهزيمة والأحوال الشخصية الهامشية البسيطة التي غلبت على توصيف جيلهم.

ولا جديد من حيث التفاعل مع المنجز السينمائي بشكل واضح وصريح في كثير من نصوصهم، فهذا التجديد المستند إلى التفاعل مع كل ما مشهدي له جذور بالتأكيد في نصوص الأبنودي، وبخاصة “جوابات حراجي القط”، و”أحمد سماعين.. سيرة إنسان” وفي قصيدة “الساعة 2 صباحاً”وغيرها لصلاح جاهين، وفي العديد من نصوص فؤاد حداد الذي أعيا من تلاه من شعراء العامية المصرية من حيث التجريب برمي سهم نحو كل ما يظنه هدفاً شعرياً، أعانه على ذلك ضخامة التجربة كماً، وإخلاصه لشعر العامية المصرية..

عن الشعر والشهرة وأمريكا ومصر ومحمد محسن.. مصطفى إبراهيم يتحدث لآخر مترو

لكن رغم وجود هذه الجذور إلا أن شعراء الألفية ينفردون بهذا الوعي البصري من حيث تفاعلاته الصريحة مع المنجز السينمائي، سواء في صورته الأولى في نص السيناريو المكتوب، أو في صورته النهائية في شريط الفيلم السينمائي، أو في التفاعل الظاهري باستدعاء حالة الفيلم، أو شخصية تركت أثراً، أو بالتفاعل الواعي العميق المرتبطة ببنية النص نفسه مثل التفاعل مع آليات كتابة السيناريو ذاتها، من حيث تقطيع النص إلى مشاهد بشكل صريح، أو بالاستخدام الواعي للصوت والراكور وحركة الشخصية والإضاءة وزوايا التصوير وتحديد وقت المشهد/ المقطع..  

وهنا ننتقل إلى سؤال جديد: هل هذا الاهتمام بتمثل المنجز السينمائي (مثلاً) في هذه النصوص يدل على وعي شعري كبير، ورهان جمالي؟ في ظني أن هذا التفاعل مع المنجز السينمائي يرجع إلى أن الصورة البصرية صارت لغة عصر، يهتم هؤلاء الشعراء بالتفاعل معها دون أن يكون لهم رهان فني على إنتاج رؤى جديدة من خلال هذا التفاعل، فالفيلم لديهم بكل مكوناته وفي جميع مراحله لا ينتج على سبيل المثال حقولاً دلالية جديدة.

في ظني أن شعراء الجيل الحالي فرصتهم الوحيدة تكمن في عم الالتفات إلى رأي صحفي أو تنظير ناقد، وأن يوجهوا قصيدتهم حيث كتبوها ابتداء، إلى الناس عموماً والشباب منهم على وجه الخصوص.

فيا شاعر العامية الذي حقق نجاحاً ملموساً على الأرض، العب الجيم لآخره..

انطلق إلى (التارجت) المحدد منذ البداية، والعب الجيم لآخره، لا تنافقني بنص يرضي ذائقتي الفنية (النسبية على فكرة) لتعتبر ذلك ضمن سلوكيات الذكاء الإعلامي والشعري، ولا تعش بقلبين في جوفك، أحدهما يكتب لولد غاية أزماته أن فتاته لم ترد على الهاتف منذ الأمس، وآخر يكتب عن الأزمة الكونية لإنسان هذا العصر ليرضي الناقد والقارئ الواعي..

“لا تصالح ولو منحوك الدراسة النقدية (الرصينة أو الضعيفة)”، أو المقال في الجورنال الورقي الذي يسجل أرقاماً قياسية في مؤشرات انخفاض توزيعه.. راهن على من بايعوك وانهض بوعيهم، اكتب لهم ما يعلو بذوقهم بشكل من الأشكال..

السينما ليست السبكي ويوسف شاهين فقط، لكن هناك داود عبد السيد ومحمد خان وهالة خليل وساندرا نشأت، ومسرح محمد صبحي يجلس في صفوفه صاحب الورشة بجانب الممثل الساعد والناقد الأكاديمي والجمهور النوعي، وكل منهم يستمتع بطريقته، وأغاني محمد منير وحمزة نمرة أنغام وكايروكي الآن تنطلق من التاكسيات لا من غرف معيشة شخص واعٍ فقط.. وأنت أيضاً تستطيع أن تخلق جمهورك –بغض النظر عن حجمه-.

أنت اليوم تمتلك القوة، لك المسرح الذي يكتظ بمئات الناس أحياناً، ولك المراهقين السهارى على ساوند كلاود الباحثين عن قصيدة تناسب جرحهم الجديد، ولك ملايين المتابعين على صفحتك وصفحات أقرانك على فيسبوك. أرجوك افعل شيئاً تتركه من خلفك، وراءك الملايين سيوثقون ذلك.. اصنع انتصاراً حقيقياً للقيمة، وأقم الحجة على النقاد الكسالى الذين يتجاهلون جهدك الكبير وتحركك تسويقياً ودعائياً. 

منحة دراسية في الإمارات ممولة بالكامل لكل الجنسيات .. منحة الجامعة القاسمية برابط مباشر

منحة دراسية في أستراليا براتب 28 ألف دولار سنوياً لكل فرد في جميع التخصصات

تعرف الآن على تفاصيل منح الجامعة الأمريكية بالقاهرة The American University in Cairo

ويا شاعر العامية الذي لم يحقق حتى الآن ما يرضيه من حضور.. العب الجيم لآخره

واعلم أن وسم كتابتك بـ (الجدية) لمجرد عدم انتشارها وتأسيس مظلومية أبدية بناء عليها هو سفسطائية عقيمة وجدلية لن تصل منها إلى شيء، فعبد الرحمن الأبنودي ومحمد منير وداود عبد السيد لم ينجحوا بأهل التخصص وإنما قام بهم الناس.. عموم الناس، فإذا كنت مؤمناً بما تصنع كما هو، وتطمح إلى إنجاز إضافة جمالية إلى منجز شعر العامية المصرية، فأنت وذاك وأشد على يدك، لكن لا تتعالَ على الناس وتصفهم بقلة الوعي لمجرد عدم التفاعل عل نصك، ولا تملأ الدنيا صراخاً بأن متفاجئ بأن الناس لا تريد الجيد..

وتذكر أن بذلك تفتح باباً لكل الفاشلين السطحيين الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ولا إلى أي هؤلاء في الدنيا بأن يحذوا حذوك في الشكوى من عدم النجاح، متغاضين عن أن كتابتهم رديئة لا تعجب ناقداً ولا جمهوراً ولا تعجبه هو شخصاً لكنه يتكتم الأمر، فإذا كنت تطمح أن يبقى من خلفك إرث ربما يمثل إضافة في يوم ما، يشير إليه النقاد في دراساتهم المستقبلية عن شعر العامية، فابذر بذرتك وامضِ إلى مصيرك غير عاجز ولا شاكٍ.

لكن في النهاية، وبيني وبينك يعني، الأمر لا يستغني عن بعض التسويق والأخذ بأدوات عصرك التي يستخدمها مجايلوك وتتهم أنت نصوصهم بالسطحية والابتذال والمًحن، اعمل على الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الجمهور المتوقع، فربما تكون أنت همزة الوصل ورمانة الميزان وحل اللغز ومفتاح باب الجمال للناس لكي يتعرفوا على شعر العامية الذي تسميه في منشوراتك (شعر بجد) و(شعر بصحيح) و(شعر حقيقي) وأشياء من هذا القبيل ومن القبيل التاني اللي هناك ده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.