غلاف الكتاب.. ذلك الكائن الواضح الغامض المثير للجدل!

0

غلاف الكتاب.. ذلك الكائن الواضح الغامض المثير للجدل! – منال يوسف- كاتبة روائية مصرية:

غلاف الكتاب، ذلك الواضح الصريح، الغامض المثير للجدل والتأويلات، الكاذب المخادع أحيانًا، الذي يحتل مساحة استراتيجية هامة بالنسبة للكتاب نفسه ومحتواه، وبالنسبة لوضعه في اطار منظومة عرض ضمن عديد من أغلفة تعلن عن كُتب أخرى منافِسة. الغلاف أول ما تقع عليه عين القارئ، الإشارة الأولى له ليمد يده، يمسك به، ويبدأ في التصفح الأول الذي ليس من الضروري أن تكون نتيجته عملية شراء فعلية. غلاف الكتاب أغلفة الكتب

نتوقف قليلًا عند سؤالين هامين: ما هو هدف الكاتب من نشر الكتاب؟ وما هو الجمهور المستهدف؟

إذا كان هدف الكاتب هو أن يصل إلى قارئه الصحيح، وألا يضل الطريق فيكون مصيره في أي ركن لدى القارئ، فلا بد أن يكون الغلاف معبرًا بشكل جيد عن محتواه، أو يحمل في تكوينه دلالات تجعل القارئ يضع يده على الكتاب المناسب، فإذا كان الكتاب يحمل عنوانًا فقط على مساحة لونية خالية من أي رسوم أو صور أصبح العنوان هو بطلنا الأوحد الذي يأخذ بيد القارئ للتكهن بمحتوى الكتاب مبدئيًا. أما وقد وُجِدت الرسوم واللوحات مع العنوان فلا بد أن يذهب كلاهما في طريق واحد، أن يتكاملا في اتساق وانسجام ليعبرا تعبيرًا صادقًا عن الكتاب الذي يتصدران واجهته.

وإذا حدد الكاتب-وهو بالتأكيد يعرف جيدًا- جمهوره المستهدف الذي يكتب له، وجب عليه أن يقيم توازنًا بين خيالاته وطموحاته في الغلاف وبين نوع الجمهور الذي يرغب في أن يقبل على كتابه، وهو ما يعني نجاحه أيضًا، فليس النجاح أن يضع القارئ نقوده ويحتضن الكتاب معه إلى البيت.

ولماذا نتحدث عن الكاتب؟ هل الغلاف مسئولية الكاتب أم الناشر؟

غالبية دور النشر تأخذ برأي الكاتب في غلاف كتابه، بعضها يقول إن الغلاف مسئولية الدار ولا شأن للكاتب به-على الرغم من أنها لا تقدم طباعة مجانية للكاتب- لكن في معظم الأحوال يخرج الكتاب بموافقة الطرفين، وبالتالي فالمسئولية تقع على عاتقهما معًا.

في السنوات الأخيرة أصبح الغلاف عنصرًا مثيرًا للجدل؛ فمن طموح الكاتب في الحصول على غلاف يحمل عنصر الجمال ويعبر عن محتوى كتابه، إلى ناشر يسعى إلى التسويق الجيد للكتاب مع مواءمة الأمر مع الكاتب، ومصممو أغلفة يحاولون اظهار مهاراتهم، وبرامج تدعم الفنتازيا وتغري بتصميمات ربما تفوق ما هو مفترض لمحتوى كتاب معين. انتشرت في المكتبات والمعارض كتبٌ تحمل الكثير من الضجيج البصري، قلَّت الأغلفة الهادئة، والأغلفة ذات الرسوم الخاصة التي تجعل للكتاب فرادة. اختفت البساطة إلا فيما ندر، وحل محلها صخب الصور والألوان حتى صارت بعض الأغلفة مصدرًا للتلوث البصري.

وأكتفي هنا بطرح نموذجين لسوء التعامل مع الغلاف مما يوضح أهمية السؤالين الذين طرحناهما آنفًا (دون ذكر أسماء الكتب ولا الكُتَّاب) وهما نموذجان لجهتين مختلفتين في النشر. غلاف الكتاب أغلفة الكتب

جائزة راشد بن حمد تبدأ في استقبال الأعمال الجديدة لدورة 2021 في فروع الشعر والرواية والقصة وأدب الطفل والمسرح والنقد والتاريخ

النموذج الأول لغلاف الكتاب

وهو أحد النماذج التي تتبنى جهة حكومية ثقافية انتاجها. والكتاب هو ديوان شعر يحمل عنوانًا من كلمتين توحيان بالطفولة بينما يحتوي الديوان على نصوص تراجيدية تكاد أن تكون سوداوية في بعضها، ولا شأن لها بالطفولة، فإذا الجهة المسئولة تكلف الموظفين لديها بتصميم الغلاف الذي لا يمكن لأي قارئ إلا أن يعتقد بأنه كتاب حواديت للأطفال، بل إن وجود الديوان بغلافه في قسم الشعر لا يوحي إلا بأن الذي وضعه قد أخطأ مكانه. ويمكن وضع هذا النموذج تحت عنوان الإهمال وغياب الوعي في مكان كان الأحرى به أن يضع موظفين مثقفين أو على الأقل مشرفًا موجهًا للكَتَبة الذين يعملون في مثل تلك الاماكن. وإنك لتحزن وتأسف من غلاف الكتاب الصادر عن هيئة ثقافية منوط بها الإبداع.

أما النموذج الثاني لأغلفة الكتب

وهو رواية مطبوعة في دار نشر خاصة، حاول كاتبها أن يجذب الشباب الذين يقبلون على روايات الرعب والخيال العلمي ليعالج موضوع الإلحاد-وهو موضوع هام بالطبع-فوضع على الغلاف صورة كائن غريب يشبه القرد مع بعض التأثيرات اللونية. بالطبع سوف يقبل المهتمون بهذه النوعية من الكتابة وغالبيتهم من الشباب على الكتاب، سوف يصلون إلى صفحة رقم 100 من الكتاب الذي تصل صفحاته إلى 200 صفحة تقريبًا، دون أن يظهر للكائن الغريب أي دور، يغازل الكاتب عقولهم بين فترة وأخرى بموقف لا أهمية ولا تأثير يكون القرد فيه أحد الموجودين في المشهد، او أحد الأشياء التي يتحدث عنها الأبطال، فيظن القارئ أن الأمر سوف يتطور من هنا ليحصل على الغرابة والمتعة التي اشترى من أجلها الرواية، يتقدم في القراءة حتى الصفحة 150 بلا جديد، يصل إلى نهاية الرواية ليكتشف أن الكاتب قد خدعه بنيّة صلاحه وترسيخ إيمانه. وأنه تم التغرير به بهدف نبيل لم يتحقق، لأن الكاتب أفسد متعة قائه المستهدف، وأن الغلاف تم استخدامه من دون أمانة بهدف يبدو نبيلًا. وبصرف النظر عن كون الكاتب قد حقق هدفه أم لا، فإن الغلاف هنا كان كاذبًا وغير معبرٍ عن محتوى الكتاب. وغالبًا أن القارئ الذي ينتبه إلى إسم الكاتب لن يمد يده إلى كتاب يحمل اسمه مرة أخرى.

وقد تشتري كتابًا غلافه جميلًا أو مغريًا، فإذا ما فتحت صفحة واحدة اكتشفت أن المحتوى لا يرقى لجمال الغلاف ولا يساوي قيمة الورق المكتوب عليه، وعلى العكس يحدث أحيانًا أن يكن المحتوى جيد والغلاف باهتًا. غلاف الكتاب أغلفة الكتب

وفي الأخير، هي أغلفة تشغل الكاتب والقارئ، الناشر والمصمم، تشغل الأماكن فتنشر الجمال أو القبح، الإيجابية أو السلبية، الأغلفة كائنات حية؛ صادقة وكاذبة، نبيلة ومخادعة، هادئة ومزعجة، بسيطة وصاخبة، فصيحة وساذجة.

ويبقى ما بداخل الكتاب.

ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض .. آخر كتب الدكتور محمد طه الصادر عن دار الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.