قصة “العصفور العاشق” للكاتبة نورا نور الدين

0

حبسة القفص فوق حبسة القلب

 أيصدق هؤلاء البشر أن هناك عصفور عاشق؟!.. أيشعرون كيف هى ضيقة هذه الحياة التى يحيطوننا فيها بأسوار حديدية؟!، وكيف هى ضيقة القلب حين نفارق من نحب..

لا .. لا يسألون

 حين يأتون لشراء واحدنا لا يدققون النظر في شيء أبعد من اللون.. أبعد من تلك الخلطة الملفتة التى تُزين ريشى، أما لمعة عينى .. حرقة قلبى .. صوتى المختنق بالبكاء الخارج في صورة لحن حزين، فلا يؤثر شيئاً في إتمام الصفقة.

 لم يهتم هذا الإنسى القادم لشرائى برفرفة أجنحتى اعتراضا، بل واعتبرها “ِشقاوة” مستحسنة أغرته أكثر لشرائى

“نعم ..هذه العصفورة الشقية، أريدها”

 يالها من كلمات ساذجة ومستفزة خرجت منه كقرار إعدامى.

مشاهدة فيلم ريش كامل HD .. مشاهدة فيلم ريش الحاصل على جائزة النقاد في كان

 كانت تجاورنى هي وتملك ريشا يشبهنى، زرقاء فاتحة أقرب للرمادى تماما مثل سماء مختنقة بالمطر في صبيحة شتاء بارد، يختلط بأجنحتها الأسود والأبيض وتملك نفس المنقار البنى الفاتح، حتى تلك الريشات البيضاء القليلة التى تبطن منطقة الجناح لدينا تتماثل حد التطابق

 لماذا أنا إذن؟، لماذا لم يختر عصفور آخر، قلت له ذلك.. حذرته منذ اليوم الأول الذى بدأ فيه بمناداتى بصوته العذب ألا يفعل، حاولت أن أشرح له “ليس لمثلينا أن يحلم بحياة يضع تفاصيلها بنفسه” اخترق الفواصل الحديدية بمهارة وانتقل إلى جوارى هابطا من القفص الذى يعلو قفصى، تبعته هى .. تسير خلفه مثل ظله، كلما صدح صدحت، وكلما هز ريشه هزت ريشها.

كونهما من نفس العمر، يضطر صاحبنا لإلحاقهما ببعضهما، يحلم هو باليوم الذى سيأتيه أحدهم مشهرا نقوده فيقول له بكل ثقة “لدى زوج رائع من العصافير، هما من نفس العمر تقريبا وجاهزان تماما لبدء رحلة حياتهما الجديدة بقفصك”، أما أنا فلا شبيه لسنى بهذا القفص السفلى الذى يطل بالكاد على أحذية البشر المتهافتين على شرائنا.

لا شيء في الأتربة التي تغطى أحذيتهم المهترئة يوحى بلمحة جمال تزين حياتهم .. يغريهم فينا سعرنا المتواضع لا أكثر أعرف هذا، أما ما لا يعرفونه هم فهو أننا أيضا نحتاج لمن يزين حياتنا، هم ببساطة يلتقطون زوجين اثنين متماثلين ويقرران لقلبيهما أن ينبضا بالمحبة وعلينا فقط الامتثال، ماذا لو كان هنالك من قرر أن ينبض قلبه مبكرا قبل أن يأتيه القرار؟، ماذا عمن قرر أن يختار شريكه بنفسه؟!

 قلت له…

قلت له هذا لا يتم، فالبشر سيأتون بحساباتهم ليقرروا نيابة عنا، وها قد صار ما أخشاه

لا أملك مهارة الالتواء والجرى مثلها، كلما مد صاحبنا يده لالتقاط أحدنا، وقع الاختيار علىّ، أنا تلك التعيسة التي لم تجرب القفز خارج القفص برفقة شريك يماثلها عمرا، يفلتنى صاحبى إرضاء لرغبة المشترى الذى يطمع في زوج متحاب، أتنهد حين أسمعه يقولها ” بلاها هذه العصفورة الوحيدة، أريد هذا الزوج معا”.

 غير أنه ولحظى التعس هذه من المرات القليلة التى يكون على أحدنا فيها المغادرة وحده لأن هناك فى بيت من بيوت البشر من فقد الونس ويحتاج لعلاج سريع لمرارة قلبه

 وأنا؟ أنا من سيمنحه الونس؟!

 للتو أشرقت ألوان ريشى، ليتها ما فعلت .. فقد أشرقت لتجذب أعين وأطماع هؤلاء البشر

 تركت قلبى معه، أنظر اليه لأول مرة من خلف الأسوار الحديدية، ألمح نظرة الانتصار فى عينيها ولا أقوى على فعل شيء.

 بدأت رحلة جديدة، حاولت الفرار، نعم حاولت، أعرف أنى عصفور ولن تقو أجنحتى الملونة هذه على حملى إليه أو على حملى لأى مكان.

 سقطت فى هدوء ليلتقطنى صاحبى الجديد، معيدا إياى لقفصى الجديد، وضعنى بجواره على الفرع البلاستيكى.

 يفترض أن ندّعى أنا وهو أننا زوج عصافير سعيد يقف فوق غصن شجرة حى ونبدأ بالغناء لإسعاد سكان البيت

 ها! يالسخرية القدر

 هذه الجملة التي أسمعها في تلفاز المحل صادرة عن رجل مسرحى حكيم هي أفضل ما يمكن وصفى حالتنا معا بها.

 يقف بجوارى يخالفنى في كل شيء من الخارج اللون والعمر، غير أنه يماثلنى تماما فى داخله، بإمكانى أن أرى نظرات الحزن على فقد رفيقته تطل من وجهه واضحة كخارطة طريق سرت عليه خطوة بخطوة حتى وصلت أنا أيضا إلى هناك، امتلأ القفص بنظرات الكآبة والعبوس تنطلق من كلينا… تأتى الطفلة الصغيرة كل صباح تضع يديها فى وسطينا أملا فى أن نمنحها بعض السرور… لم يعد بمقدورى أن أصدح، افتقد لحماسه الذى كان يلهمنى، أما هو فلا أعرف إن كان يملك صوتا بالأساس، لم ينطق بكلمة منذ دخولى معه بالقفص.

 باب القفص ينفتح مرة كل يومين لحمل جرة الطعام التى تستند عليه، من هذا الباب دخلت هل يمكن أن أخرج يوما؟.

 وضع صاحبى الجديد الطعام وغادر فجريت أنا نحو الباب لقد رأيت كيف يرفعه بيديه مرات ومرات، يمكننى فعلها مثله، بدأت برفع الباب للأعلى بكلتا يدي

 “هيا اذهبى”

صاح هو لأول مرة، راح يصرخ بكل قوته، هل يشجعنى أم يرغب فى طردى؟، انفتح الباب وخرجت، ياللحظ الجميل، الشباك مفتوح، استكملت رحلتى للأسفل بسهولة، لم يكن الدور عاليا كنت أعرف أنى لم أبعد كثيرا .. هكذا كان يحدثنى قلبى طوال الوقت

 يصلنى صوته كل صباح

هو قريب.

 آآه

أنا صح

المحل بأسفل المبنى تماما، جريت على قدمى الضعيفتين للداخل حتى وصلت إليه، أعرف جيدا الآن كيف يُفتح الباب، فتحت ودخلت، لم تعد قدماى تقويا على حملى للجرى داخل القفص والبحث عنه… صدحت بأغنيته التى علّمنى إياها، جائنى صوته ضعيفا واهيا، دبت القوة من جديد فى قدمى تحاملت حتى وصلت إليه.

 كانت ملاصقة له كعادتها تقف في جواره في صمت، تركتنا وغادرت لآخر القفص..

 حسنا، هل اقتنعتى أخيرا أننا لسنا متشابهتين، لا يمكنك لعب دورى لمجرد امتلاكك نفس ألوان ريشى.

 مضى يومين تعافينا سويا…أصبحنا أجمل عصفورين بالقفص يستفز صياحنا القادمين

ومن بينهم هذه الصغيرة التى مازالت تصر على أبيها أن يشترى لها زوج عصافير مغرد التصقت به ما أن مدّ صاحبنا يده داخل القفص

“إما أن تأخذنا سويا أو تتركنا”

 آآه ياربى، لماذا لم تخلق لنا أنيابا حادة كهذه القطط لندافع بها عن أنفسنا، ونطرد فضول من لا يعجبوننا من البشر!

 نجحت اللعبة.. أخذنا معا

نفس القفص مرة أخرى، تحركت مخاوفى من فكرة فصلنا ثانية، نظرت له بعينى ليفهم أن لا داعى للقلق فأنا أعرف كيف نخرج من هنا إن لم تسير الأمور كما نرغب، بهدوء أنزلنا صاحبنا معا داخل القفص، هدأ روعى قليلا وقلت في نفسى حسنا بداية جيدة، ولكن أين هو؟، سمعت الإنسى يمسح دموع الصغيرة يواسيها عن موته ويعدها بأن نعوضها نحن.

 جريت تلقائيا وقفت مكانه فوق الغصن البلاستيكى لألتقط آخر آثار حزنه وأداريها بداخلى نيابة عنه.

 “المسكين!!”

حتما هو سعيد الآن معها، بالتأكيد تقابلا فى مكان آخر أفضل.. لا أقفاص فيه

 مضى اليوم وفى الصباح المبكر جدا، بدأنا التغريد سويا

أيقظنا كل من فى البيت بصياحنا الابتسامات ونظرات الفرح تطل من عيون الجميع.

 أنا وهو وهؤلاء البشر. لم أعد أكرههم .. لقد اكتشفت كم هم مساكين، ربما أكثر منا، لا يستطيعون خلق السعادة وحدهم ويحتاجون لمن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.