جزء حصري من رواية “سيما ألف ليلة” للكاتب أشرف ضمر

0

تحقق المراد في صبيحة تلك الليلة البعيدة التي تذوقتْ فيها فاطمة العايقة بنت الأسطى الخباز سيد العافية، الفراولة لأول مرة في حياتها، كثيرًا ما كانت نفسها تعافُ ما يعرض في الشارع هكذا، إلا أنها لم تستطع مقاومة الفراولة في يد زوجها مراد أفندي عزيز، بعد أن اشترى كومًا صغيرًا طازجًا من أمام السوق.

تحقق المراد، فاستحق النذر الوفاء، فقد نذرتْ جدتُها زينب تسعة وتسعين رغيفًا من الأرز واللحم توزعها على أهل الله والمجاورين، كل رغيف مقروءة عليه “الصمدية” المُذَيَّلة- بعد التصديق والتكبير- باسم من أسماء الله الحسنى، ظهرت العلامات الثلاثة، ظهرتْ كلها غير منقوصة، تمامًا كما تنبأت الجدة زينب لحفيدتها فاطمة التي غاب عنها الحمل رغم زواجها منذ أربع سنوات كاملة من مراد أفندي، الريفي ذي الشعر البرتقالي والوجه المليء بالنمش، الصحفي المبتدئ في جريدة عيون المحروسة.

أربع سنوات ليست بالفترة الطويلة إطلاقًا في ملكوت الله، بل هي بمقدار طرفة عين وانتباهتها، وربما أقل، لكنها أيضًا ليست قصيرة بالمرة، خاصة على من ينتظر في كل ليلة أن يتحقق المراد الغالي، هي- بالنسبة للحفيدة ولجدتها- دهر من الزمن الذي مر ببطء حتى ظهرت العلامات كاملة، ما استدعى شهقة فرح ولمعانًا في عيني الجدة الدامعتين بالإيمان والتصديق الكامل للمعجزة التي أبدًا لم تكن حلمًا، أو تخاريف امرأة مسنة رأتها في المنام، علامات تقول للأعمى ها أنذا.. أنظرني وصدِّق بركات الإمام! رأتها الجدة زينب على جسد فاطمة، العاري، والذي يشع النور من بياضِهِ الناصع كأنه قطعة من اللؤلؤ النقي على قطيفة سوداء، صحيح أن العلامات لم تكن في الأماكن ذاتها التي تنبأت بها الجدة، وصحيح أنها أيضًا لم تكن متطابقة مع الصور المبروكة في الرؤيا الصالحة، حيث ظهر عنقود العنب صغيرًا للغاية تحت الأذن اليمنى بأعلى الرقبة الطويلة، لا في أسفل الساق، كما أن ذيل العقرب كان قصيرًا هو الآخر وتدلى من الثدي الأيسر- بداية من الحلمة الصغيرة التي تتوج دائرة وردية بديعة فى تكور ثديِيٍّ شاهق البياض- وارتاح فوق القلب تمامًا، لا على فخذ فاطمة كما أكدت الجدة سابقًا أنه سيظهر فى التفاف الفخذ اليسرى لحفيدتها المحرومة من الإنجاب، رأس القطة أيضًا، والذى كان ضخمًا في صور الرؤية، لم يكن ظهوره- بهذه الضآلة- ما بين العانة والسرة في حسبان الجدة زينب التي تنبأت بظهوره ضخمًا في أسفل الظهر فوق الإليتين بالضبط.

 ورغم تلك الأخطاء غير المقصودة، ورغم هذا الخلل اللا متعمد بالمرة، إلا أن العلامات ظهرت في جسد فاطمة، وعليها أن تستعد في أول ليلة قمرية لتستحم هي ومراد أفندي، وسيحدث الحَبَلُ بإذن الله الواحد الأحد، ولا عزاء لشعبان العبد، ذلك الذي لا يعرف أحدٌ له أصلًا ولا من أين أتى، أهو بدوي أعرابي؟ أم أمازيغي شمالي؟ أم عبد إفريقي أتى من أدغال الغابات وأحراشها؟ إنه الدجال المشعوذ صاحب البغلة السوداء كلون بشرته الزنجية، على من أراد النصب؟ أعَلى من كانت مثل فاطمة العايقة بنت الأسطى سيد العافية وشقيقة حسين أفندي العافية؟!

الأمر كله بيد الذي يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يجعل من يشاء عقيمًا، وفاطمة خارج الخيار الإلهي الأخير، فالعلامات ظهرت، والبركة حلت على الجسد المشتاق للحمل، وهذا يكفي، حتى لو لم تكن قوية وكبيرة وفي أماكنها المحددة سلفًا، فإن كرامات سيدي عزالدين الحلي وخادمِهِ أبوالروايح تجلت بفضل الله أولًا، كما أكدت الجدة زينب، ثم بفضل دعائها الصادق ورؤيتها الصالحة بعد أن كنست- بطرحتها- ضريح الإمام كل صباح على مدار عامين بالتمام والكمال، أوقدت فيهما الشموع في أركان مقامه الطاهر، وأشعلت بخور الصندل والمسك الهندي، زجاجة كاملة من “عبير الأندلس” أفرغتها بالدعاء والتوسل في زوايا القضبان النحاسية المتقاطعة حول الضريح، وعطرت العمامة الخضراء المهيبة فوق المرقد الشريف بمسك العود، ونامت على عتبته في رجاء تسأله أن يُفرِح قلبها وقلب فاطمة بالعيل الذي تتمنيانه من الدنيا، وفي ليلة من ليالي العشر الأواخر من رمضان، وبعد تهجدها وأثناء اعتكافها ونومها على عتبته، جاءها على فرسه الصهباء يضم لحيته البيضاء التي بدت مغبرة من أثر سفره الطويل في صحراء الزمن الشاسعة، ويرجلها بأصابع يده المزين بنصرها بخاتم دائري كبير يشبه خاتم النبوة، عن تلك الليلة المباركة البعيدة تحكي الجدة وفي عينيها نظرات الوله والعشق والتبجيل للإمام الحارس:

  • وجهه كالبدر في ليلة التمام، كان يرتدي جلبابًا أبيض، وعمة خضراء، جاءني ضامًّا لحيته بقبضته المنيرة، إصبعه ملفوف بخاتم عليه “محمد رسول الله”، ألقى في حجري ثلاث ورقات، فتحتُها بلهفةِ الحيران، كلا، كانت ثلاث صور، في الأولى عنقود عنب كبير، وفي الثانية ذيل عقرب طويل، أما الثالثة فكانت رأس قطة ضخم وعظيم، قال: يا زينب! هذه بركة العايقة، لكل حَوْلٍ علامة، ولكل علامة علامة، تظهر على جسدها فيتحقق المراد بأمر رب العباد، سوف تظهر في المكان كيت وكيت وكيت على البدن الفاطمي، فأخبري الناس يا زينب ولا تبخلي بوفاء النذر والدعاء للإمام لو ظهرَتْ، تسعة وتسعون رغيفًا بلحم الضأن والصمدية وأسماء الله الحسنى.

وفي الليلة التي استدار فيها القمر وبات بدرًا يقول للأعمى ها أنذا، وبعد صلاة العشاء- التي صلتها على طرف الكنبة الكبيرة بركوع وسجود معنويين أكثر منهما جسديين فعليًا، نظرًا لخشونة مفاصلها تحديدًا ومشكلات في غضروفها وعظامها على العموم- حملت الجدة زينب سبحتها الخشبية المعطرة ذات التسعة وتسعين حبة كروية كبيرة، واستأذنت من حفيدتها، أنها ستعتكف الليلة في الضريح، كان ذلك بعد شهور من إقامة الزوجين في بيت سيد العافية عقب عودة الدكتور أنور مخلوف لمسقط رأسه وافتتاحه عيادته المريبة من جديد.

 غمزت لها الجدة وعانقتها، خرجت وأغلقت عليها الباب واتجهت للمسجد بقلب مطمئن ونفس راضية ولسان يلهج بالحمد والثناء والدعاء للعايقة وزوجها الأفندي، تراءت لها صورة ابنتها فوزية العايقة التي لم تهنأ بشبابها ولا بزوجها ولا بذريتها حسين وفاطمة التي ورثت جمال ولقب أمها، واستدعت ذاكرة الجدة أحداث البدايات، زحفت تلك الذكريات إلى خيالها في تلك الليلة وحاصرتها ببطء حميم متقدمة نحوها الذكرى تلو الأخرى بصوت محبب لسماع الجدة حين ترتطم كل كرة من الكرات الخشبية التسعة والتسعين بأختها في رتابة وتتحرك في يديها من دوبارة المسبحة في تعاقب مدهش.

أحب مراد عزيز، فاطمة العايقة التي اختارته- وهو الأفندي الغريب المعدم وفضلته عن أبناء الحي كله وهو ليس منهم، بل قدمتْهُ على الملاكمين الأقوياء كرم شفة، ورفاعي شنب، وقاسم المشد، أصدقاء أخيها الملاكم الشعبي الشهير حسين العافية.

ثلاثة رجال لهم من القوة والمال والشعبية ما قد يفوق أخاها ذاته، وفوق ذلك أحبوها وطلبوا يدها منه، هو يحبهم ثلاثتهم لكنه يحب أخته أكثر، صارحهم أن الكلمة الأولى والأخيرة لها، سيعرضهم عليها ومحظوظ من تختاره العايقة، ولا يجب أن يجد اختيارها غضاضة وغصة في حلق من لا تختاره، صارحهم- في بساطة- بأنه اتخذ عهدًا على نفسه منذ يتمها وهي صغيرة من أمها ثم من أبيها وهي شابة، ألا يرغمها على شيء، وأن يُسَخِّر لها نفسه في سبيل راحتها وسعادتها.

 من أجل هذا لم يكن هناك بد من أن يُجلسها أمامه ذات ليلة بعد أن عاد من سفر بعيد وناجح في مراهنات الملاكمة التي لاتنتهي، ويخبرها في حضور جدته المُسَبِّحَةِ بوِردِها الليلي على الكنبة الأزلية بجوار الشرفة العتيقة:

  • اختاري يا ينت أبي وأمي، يا زينة بنات المحروسة كلها لا شبرا فحسب، فهذا كرم شفة صديقي وأخي وعشرة عمري، أبوه عمدة كفر في الصعيد، كرم سوف يفرش لك الذهب لتسيرين عليه، ولك في ميراثه أطيان من أخصب أراضي الجنوب، لك ولذريتك الصالحة منه لو كان مكتوبًا لك، وهذا رفاعي شنب، صديقي أيضًا، أخي الذي لم تلده أمي، وهو ابن أكبر تاجر خضروات وفاكهة في السوق، يلعبون بالمال لعبًا فهو يجري كالأرز في أياديهم، أما قاسم المشد فيكفي أن تعرفي أن أباه المعلم فوزي المشد لتعلمي من هو، اختاري، الثلاثة طلبوكِ، وفضلا عن ثرائهم فهم ليسوا أنطاعًا، أخوك لا يصادق الأنطاع والكسالى، لا أعرف سوى الرجال فقط، إنهم يعملون ويربحون، تمامًا مثل أخيكِ، اعترفي أن الملاكمة عمل شريف يا فاطمة، الثلاثة طلبوك مني وقلت لهم كيت وكيت، وأنا لن آمن عليك سوى مع أحدهم، لكني لن أرغمك على شيء، ما عاش ولا كان من يرغمك.
  • اخترت يا حسين.
  • من؟
  • مراد أفندي عزيز.
  • من؟! ومن يكون هذا الأفندي إن شاء الله؟
  • إنه من اختارته أختك، ثم….

كان على الجدة وقتها أن تقطع تسبيحها الهامس، وتتدخل في الحوار الأخوي لتُفهم حفيدها أن الأفندي الغريب، هو من أرادته فاطمة، وأنه من استطاع أن يجذب انتباهها:

  • سامحني يا حسين ولا تؤاخذني، أختك لا تريد ملاكمًا، لا تريد أيضًا زكيبة مال على هيئة رجل، بل أفنديًا مثقفًا، كما تقول هي، والرجل أتى من الباب وطلب يدها، اصطحب الأسطى نصوحى معه وطلب العايقة، قلت لهما الأمر كله بيد شقيقها الأكبر، يأتي حسين من سفره والكلمة كلمته، وأنت لا أحد يعلم أين ومتى تذهب ومن أين ومتى تعود يا ابن فوزية، زَوِّجْهَا من اختاره قلبها يا حسين ولن تندم.

تنهد حسين العافية وزفر بقوة، فحرك الهواء ساخنًا من حول وجهه، نظر لفاطمة التي كانت قد نهضت ووقفت أمام باب غرفتها قبالته، راحت تنظر للأرض وترسم بإبهام قدمها اليمنى نصف دائرة وهمية على البلاط البارد، بينما دماء الخجل ضربت في وجنتيها فزادتها جمالًا على جمالها، ابتسمت لها جدتها وصمتت، نهض حسين أفندي العافية من مجلسه واتجه للشرفة يفكر، مسح على جبينه وهو ينظر إلى أصدقائه الثلاثة جالسين تأهبًا على مقهى سلامة الملط، الكائنة على الجانب الآخر المواجه لشرفته في شارع غلاب، نهضوا بمجرد أن أطل عليهم وخطوا خطوة على الرصيف في اتجاهه والأمل يحدوهم جميعًا، فأشار لهم بالعودة إلى مقاعدهم، ثم دخل إلى أخته وجدته:

  • وماذا يمتلك هذا الأفندي لأعطيه أختي الوحيدة؟! أعرف يا جدتي أن المال ليس كل شيء، لكنها العايقة يا عالم، العايقة التي تساوي وزنها ذهبًا، العايقة التي يتمناها الأفاضل والكبار.. يأخذها أفندي؟!
  • لن تندم، اسمع كلامي أنا جدتك، أم ستكبر على جدتك يا ابن فوزية؟!
  • لا حولا ولا قوة إلا بالله، حسنًا ياجماعة، الليلة سأقص شعري عند عم نصوحي، وسأدعوه هو وهذا الأفندي لشرب الشاي غدًا معي، وهنا يا فاطمة، لكن يكون في معلومك، لن أقطع له عهدًا بكِ قبل أن أسأل عن أصله وفصله، هذه هي الأصول يا ناس.

ارتسمت السعادة في عينيها الساحرتين واتسع فمها بابتسامة عذبة وارتاحت ملامح وجهها أسطوري الجمال بعد توتره وعبوسه، جرت عليه وعانقتْه بفرحة حقيقية وغالبت الدموع في عينيها، فربت على كتفها ومسح شعرها بحنان وهو يهمس لها:

  • ما عاش ولا كان من يرغم العايقة على شيء، حتى لو كنت أنا يا بنت سيد العافية.

*******************

 شغلها الأفندي- دون عمد منه- منذ أن حط الرِحَال غريبًا في الحارة بصحبة الأسطى نصوحي جادالله نصوحي، الحلاق- والحكيم المُخَتِّن أيضًا- كان الأسطى متعدد المعارف وواسع الاطلاع على خبايا وأسرار الحي، يمتلك صالون حلاقة ضيقًا به كرسي واحد للزبون، فيما تتمدد الشمس على دكة خشبية للانتظار أمام باب الصالون الواقع على ناصية شارع غلاب.

 ذلك الشارع الذي كان في الأصل ترعة تأخذ من مياه النيل لتروِي بها إقطاعيات وحقول المماليك قديمًا، قبل أن يتخلص منهم محمد علي باشا في مذبحة شهيرة بالقلعة ويبني قصره الملكي الخلاب في حوض ترعة الإسماعيلية، ليؤسس بعد ذلك حي شبرا كله رابطًا- بشارع شبرا- بين العتبة الخضراء وقصره البعيد في ضاحية شبرا الخيمة.

وغلاب شارع تجاري وصناعي وسكني أيضًا، متعدد الحواري والأزِّقة المتفرعة منه، والذي فيه أكثر من ورشة للنجارة والحدادة والزهر بالإضافة لمحلات المكوجية وسناني الأسلحة البيضاء وتجار الميني فاتورة والأقمشة، وأكثر من دكان للبقالة والعطارة والفول والطعمية، وفرن بلدي لصاحبه المعلم قورة، وصالون حلاقة واحد على ناصيته لصاحبه الأسطى نصوحي جادالله، وفي منتصف الشارع بمواجهة بيت سيد العافية يقع مقهى سلامة الملط بزبائنه وأغلبهم مغتربون وحرفيون ومهنيون وسائقون وعربجية، وقلما يرتادها أفندي أو موظف فهؤلاء مكانهم في مقهى سيما ألف ليلة في شارع التورماي.

وغلاب شارع كبير لكنه غير مستقيم، يتلوى مثل ثعبان عظيم، جسده المزركش يتكون من البيوت الفقيرة التي غالبًا لا تتعدى الطابقين، أو الثلاثة لو أضيف إليها السطوح بسقف يدوي من الخشب- ونادرًا ما تعلو أحدها تكعيبة عنب مثل سطوح بيت الدكتور أنور مخلوف- فصار حجرة أو اثنتين بلا منافع سوى “عفشة مياه” على حد وصف السكان المشتركين جميعهم في حمام واحد مشترك بمدخل البيت.

 يبدأ الشارع من كورنيش النيل ثم يتلوى إلى الداخل ويلتف حول نفسه وحواريه وأزقته لينتهي مفضيًا إلى شارع التورماي الشارع الرئيسي الذي يشق الحي العتيق إلى نصفين، جزء منهما في الغرب الراقي وهو طوسون وشبرا مصر، والآخر في الشرق البائس ويضم روض الفرج وسيدي فرج وكوبري الصنايع وكوبري إمبابة وحِكر أبودومة المطل على الكورنيش وكثير من الضواحي العشوائية التي لا ذكر لها إلا في قلوب قاطنيها أو دواوين محاضر وقضايا ويوميات المراقبة على مكتب بغرفة الاستيفاء في قرة قول روض الفرج.

 يتوسط شارع التورماي مبنى السوق القديم للخضروات والفاكهة والسمك أيضًا، بصخبه وميدانه الدائري الذي تلتقي فيه عربات الترامَيْنِ الأبيض رقم ثلاثة “شبرا~ العتبة”، والأحمر رقم ثمانية خط “شبرا~ السيدة زينب”، ويعود السبب في تلوينهما بلونين مختلفين إلى زعم الحكومة المحلية أن الأمية متفشية بين سكان الأحياء الشعبية من مستخدمي الترام، ولهذا ناشدت الحكومة شركة الترام الإنجليزية بتمييز الخطوط بلونين مختلفين، وحين حاولت تدارك هذا الخطأ كان الناس قد ارتبطوا ذهنيًّا باللونين تمام الارتباط فتعذر على الشركة توحيد اللون، لكنها اكتفت بإضافة ترجمة إنجليزية خاصة للأجانب والجاليات لعناوين الخطوط، فوق لافتات مستطيلة كانت تصنع من الميناء الزرقاء وتوضع فوق فانوس الإضاءة الوحيد في صدر الترام، فيبدو وكأنه وحش معدني أعور التهم البائسين في بطنه فراحوا ينظرون بوجوم من نوافذه العديدة.

 ولكل ترام سنجة طويلة غالبًا ما تخرج عن أسلاك الكهرباء المعلقة فينزل الكمساري بعمود خشبي طويل منتهٍ ببكرة دوارة، ومخصص لإعادة السنجة إلى مسارها الكهربائي ليستأنف الترام- المعطل مؤقتًا- رحلته ويشق عباب الزحام بصافرته الحادة وبطئه الحميم، ويغلب الضجيج بضجيج أكبر وأعلى، يصدره من عجلاته الحديدية التي تصطك بقضبان محفورة في البازلت الإنجليزي الأسود.

 ثم سينما ألف ليلة بمقهاها الشهير لصاحبه المعلم رياض الصابوني وزبائنه المثقفين البرجوازيين، بجوار سيرك عاكف وأفراد فرقته وعرباتهم الخشبية وحيوانتهم الهزيلة، سواء كانت أليفة أو شرسة، فحتى المفترس منها يؤدي فقرات مضحكة لقاء القليل من اللحوم والعظام أحيانًا يلقيها إليه المعلم بُلبل النِمر مساءً قبل العرض، وينام الجميع في النهاية في الباحة الخلفية داخل خيام مهترئة للبشر، وفي عربات خشبية- مغطاة ببقايا خيام مرقعة- للحيوانات كلها، وفي مقابل تلك الباحة الكبيرة يستقر جامع سيدي عز الدين الحلي بضريحِهِ المهيب ومِئذنته الخضراء وأسراره الكثيرة وأساطيرةالمبهرة وبركاته الموفورة ونوره الخرافي العظيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.