تقنية كتابة العالم في أدب الأطفال الصيني.. قراءة في “بيت القش” الصيني

0

بيت القش الصيني.. تقنية كتابة العالم- منير عتيبة- أديب وناقد مصري:

الرواية ليست هي الحياة، لكنها تطمح أن يظنها القارئ كذلك، لكن كيف تكون كذلك وهي؛ إن كانت جيدة، بها اتساق واضح، ودقة، وعدم ثرثرة في الحوار، وتركيز على أفكار أو أشخاص يكونون مركز العمل الأدبي، وحولهم شخصيات مساعدة أو ثانوية إلخ، فالعالم ليس كذلك، وإذا أراد الروائي أن يجعل روايته مثل العالم؛ فغالبًا لن تكون لروايته سمة الأدبية التي تجلعها صالحة للقراءة، جالبة للمتعة.

لكن الروائي الصيني “تساو ون شيوان” الحائز على جائزة أندرسن في مجال أدب الأطفال والناشئة؛ يخوض هذه المغامرة الروائية الخطرة في روايته “بيت من قش”، التي ترجمتها إلى اللغة العربية كل من جورجينا القس زكريا وإيمان سعيد، والتي صدرت عن بيت الحكمة للصناعات الثقافية بالقاهرة عام 2021م، وهي الرواية التي بيع منها أكثر من خمسين مليون نسخة.

ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض .. آخر كتب الدكتور محمد طه الصادر عن دار الشروق

ظل وعظم لي باردوغو | تعرف على ملخص رواية ظل وعظم التي ستنتجها نتفليكس Netflix

كلٌ منا هو مركز وهامش في الوقت ذاته، مركز قصته الخاصة، وهامش قصص الآخرين، ويضطر الكاتب عادة إلى أن يركز على شخصية (البطل) ليكون مركز روايته، وبالتالي تكون الرواية قطعة من الحياة، لكنها ليست الحياة نفسها، فهذا البطل/المركز في طول الرواية وعرضها، هو فعليًا مجرد هامش في حكايات أخرى لا نراها. فما الذي فعله “تساو ون شيوان” لكي يتغلب على هذه المشكلة لتصبح روايته “بيت من قش” مثل العالم وليست قطعة من العالم؟

لجأ الكاتب إلى فكرة وتقنيات المتوالية القصصية؛ وإن لم يستغن عن القالب الروائي، فاستطاع من خلال هذا القالب أن يقدم حكاية ممتدة في الزمن، متنوعة الأماكن، بها شخصيات تنمو وتتطور من خلال الأحداث والتجارب، وفي الوقت ذاته تغلب على فكرة مركزية حكاية البطل بتقديم حكايات عديدة في المتن الروائي بما يشبه المتوالية القصصية التي يمكن قراءة كل قصة فيها مستقلة، ويمكن قراءة قصصها متجاورة، وتعطينا في كل قراءة معانٍ ورؤى وأفكار مختلفة.

يبدو عنوان الرواية “بيت من قش” في بساطته مجرد وصف للبيت الذي يعيش فيه “سانغ سانغ” عندما كان في الرابعة عشرة من عمره عام 1962، وهو الشخص/الذاكرة التي سنرى من خلالها أحداث الرواية. لكنه؛ العنوان، في الوقت ذاته، تعبير عن ماهية العالم الذي تدور فيه الأحداث، فهو عالم ماضوي انتهى منذ عقود تزيد عن نصف قرن، وهو لامع وقريب من الطبيعة ويثير الحنين، لكنه هش وغير دائم وقابل للاختفاء فورا، هو مثل الإنسان، ومثل العالم، والذاكرة.

يظهر لنا “سانغ سانغ” في كل القصص، أحيانًا يكون دوره مهمًا، محوريًا، تتسبب أخطاؤه في تغيير جذري في مجرى الأحداث وحياة الشخوص، وأحيانًا يكون مجرد “كومبارس” بلغة السينما، وهو ما يجعله مركزًا وهامشًا طوال الوقت؛ كما هي الحياة، خصوصًا أن تقنية المتوالية داخل الرواية تجعلنا نقرأ قصصها وكأنها تحدث بالتوازي وليس بالتتابع، فهناك الكثير من الإشارات بالرواية التي توضح أن معظم قصصها كانت تحدث متزامنة، ولم يتم حكيها متتابعة إلا لأنه لا يمكن الحكي إلا بهذا الشكل، حتى أن الكاتب يتغلب على هذا التتابع الكتابي المفروض عليه بأن يقطع بعض الحكايات على أكثر من جزء بينها حكايات لآخرين، في إشارة إلى أن من كان مركزًا للحكي يصبح هامشًا، ثم يعود ليكون مركزًا، وهكذا.

تحتوي الرواية على تسعة فصول وخاتمة، وتبدأ قبل الفصل الأول بصفحة من فقرتين تشير إلى زمن الرواية عام 1962 وسن “سانغ سانغ” وقتها؛ أربعة عشر عامًا، وما يفكر فيه الفتى الذي سيغادر”بلدة الكتان” مع أسرته (سيحمله قارب خشبي كبير مع أسرته بعيدًا عن هنا؛ ليودع ذلك البيت الذهبي المغطى بالقش-الذي طالما لازمه ليلًا ونهارًا- إلى الأبد)ص7. بما يشير إلى أن أحداث تلك الفترة وتجاربها ستظل مؤثرة في حياة وأفكار ومشاعر “سانغ سانغ”، وهو ما تؤكده الخاتمة التي لا علاقة لها بالرواية، ولكنها توضح وجهة نظر الكاتب تجاه الكتابة للأطفال والنشء من خلال إجابته على سؤال “كيف نؤثر في أطفال اليوم؟”، ويبرر عودته بزمن روايته كل هذه الفترة بأن (تلك الأشياء التي تؤثر في الناس لا تتغير بمرور الزمن، ولكننا فقط نحتاج لأن نرى بوضوح الطريقة الجديدة التي تُنّفذ بها)ص446.

تقدم فصول الرواية التسعة سبعة حكايات، حكاية في كل فصل من الفصول: الأول والثاني والرابع والسادس والتاسع، وحكاية مقسمة على الفصلين الثالث والسابع، وأخرى بالفصلين الخامس والثامن.

وكما هي المتوالية القصصية يمكن إعادة ترتيب فصول الرواية دون أن تسبب ارتباكًا كبيرًا في بنائها. تقدم كل حكاية جانبًا من حياة وشخصيات قرية الكتان في تقاطعهم مع “سانغ سانغ” ابن ناظر المدرسة، بما فيها حكاية ناظر المدرسة نفسه الذي نراه بصورة تقليدية كمدير حاسم ومجتهد ومحبوب، ثم نكتشف تاريخه الذي حرص على أن يداريه كثيرًا، لأنه نشا في بيئة فقيرة. حكايات الحب التي لا تكتمل، ومعاناة الفقر مع محاولات الصعود الطبقي، أو الاستسلام، تقلبات الزمن بالأغنياء الذين يصيرون فقراء، بما يكشف معادن الناس في التعامل معهم أثناء الوضعين، الفن ودوره في حياة البسطاء، الرغبة في النجاح، رغبة الأولاد في اللعب وعيش الحياة، المشاحنات والكراهية والمغفرة والصفح والتنمر وتقبل الآخرين ومحاولة إيذاء الآخر والعمل على مساعدته إلخ ما نراه في الحياة يوجد بهذه الرواية، إضافة إلى تفاصيل الحياة اليومية في قرية صينية في ستينيات القرن العشرين، بداية من محاولة استيعاب العلم الحديث حتى اللجوء للطب الشعبي، عادات الطعام والاحتفال والتزاور إلخ.

استطاع الكاتب أن يقدم العالم في هذه الرواية على مستوى الموضوع والتقنية، وربما أشار عمليًا إلى الإمكانيات الكبيرة التي يمكن أن يحققها تراسل الأجناس الأدبية إذا ما استخدمت بمهارة ووعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.