آه لو أعرفُ حاربتُ فى جيش من ؟! شهادة ملغمة عن الكتابة الإبداعية

0

آه لو أعرفُ حاربتُ فى جيش من ؟! شهادة ملغمة عن الكتابة الإبداعية- عمرو الشيخ – شاعر مصري :

ليس معقولا أن تكون شهادتي تلك عن الشعر؛ فلست إلا عابر حياةٍ تلمَّس أعتاب بلاط الشعر عساه يشارفُ، أو يكاد يشارف.
لتكن إذن شهادتى عن الشاعر ..

بعض ما أكاد أذكرُهُ أن خيالا ماقد قاسمني نفسي فظلم واستأثر بأكثر من النصف بكثير ما فاستوطن قلبي ورأسي وعينيّ، لأستشعر بما يشارفُ الحدسَ ما لم يكن لمثلي أن يشارفه.

وحدَهُ الشعرُ يجعلك ترى حدَّ الألم، وحده الشعر لا تصنعه المعارفُ فهو تتمةُ المعرفة، ومن عَرَفَ ندم وفارقته لذةُ أن يمرح في غِشاوات الجهالة.
وحده الشعرُ يتدخلُ كلما هممت بك الحياة وهمت بها ليريك برهان سلطانه فتنفصل شيئا فشيئا عن جوقة المنشدين جماعيا فتبدأ رحلتك في المفارقة حتى تدرك سدرة الوحدة، أو تدركك سدرةُ العزلة.

ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض .. آخر كتب الدكتور محمد طه الصادر عن دار الشروق

تعرف على أهم شروط التقدم لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي

لم يهدأ ذلك الخيال المقيم فيّ لحظة، حرّضني في طفولتي – البعيدة عني الآن – على اختراع قصص كنت أحكيها لمن حولي فيستحون عن إعلاني اعتبارهم لي كاذبا ويتلطّفون حين يتهامسون بالقرب منّي قائلين عني : ” خياله واسع ” !
ذلك الخيال غرس في نفسي ورأسي بذور أسئلة لا حدّ لها كم نغَّصت على المنشدين لحنهم المعتاد! وبخاصة أساتذةُ الدين في الابتدائي.
وكانوا كلما ضاقوا بى حمَّلوني السلام لوالدي فضيلة الشيخ عبد الفتاح الشيخ رحمه الله فى إشارة أدركتُ سُخفها طفلا – وعذرتهم الآن- لم يدركوا أن الذي هدهد تلك الأسئلة و احتفى بها هو نفسه أبي.. ذلك الرجل الذى جاء الحياة وغادرها مطمئنا غير مكترثٍ إليها ..

أورثتني أمي قلبها الطفوليّ الطائش المستعد لحب كل من يصادفه، لكنه كان دائما ينتظر أن يُحب وذلك ألمٌ عظيمٌ حاولت كثيرا أن أتظاهر بالتعفف وأنكره.

أن ينشأ الشاعر في أسرة مستقرة متماسكة مؤمنة لا سبيل إلى التصعلك فيها لا أدرى أتلك النشأة كانت نعمة؟ أم علامة تعجب كبرى؟
فمثل تلك الأسر تكون بمثابة الحصون المتتابعة .. فلديّ أب وأم صالحان متحابان، إخوةعقلاء مترابطون، عمة جديرٌ حنانها أن يجعلها أما لأمة كاملة .. فمن أين نفذ الشعر إليّ؟ لا أدري.

أقاصيص الطفولة الأولى والولع بالرسم ما عادا قادرين على تلبية احتياجات ذلك الخيال المقيم فيّ، حتى تمّت إرداته وكان الشعر ..
صارت الورقة آمنَ مكان أفرّ إليه وأكثرَ ما أخجلُ من إعلانه!

قضيت الإعدادي والثانوي لا أفعل شيئا تقريبا سوى القراءة فى كل ما تقع عليه يدي أو تمتد تفتش لتطوله.
لدى الوالد مكتبةٌ عظيمة عامرة بأمهات كتب العربية، ولدى أخي الأكبر أحمد مئات من كتب الشعر القديمة والمعاصرة، ولديه أيضا قدرتان لم أر مثليهما: يترجمُ عنى دائما للآخرين ما كان يقصده قلبى ويخطئُهُ لسانى، ويزود عنى الندم بتكرار الفرص ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

أدركت هيبة الشعر وكثرة استحقاقاته وصعوباتها فاحترمته أكثر، فأخذت أُعلم نفسي من كتب النحو والبلاغة من مناهج الأزهر، كما تعلمت العروض فى إجازة الصف الأول الثانوى وكدت ألا أتحدث حينها إلا بالعروض.
أحببت عنترة وطرفة، وأبو نواس والمتنبى والمعري وجبران وإيليا أبو ماضى وصالح الشرنوبى وأبو القاسم الشابى، ومحمود حسن إسماعيل واحترمت أحمد شوقى .. كلّ هؤلاء لم يجمعهم لديّ إلا أنهم كانوا على مكتب أخي الأكبر أحمد.

وصرت لائقا تماما فى نظر نفسى حينها لصورة الشاعر المثالي التي تشبه صورة عماد حمدى أو حسين صدقي فى أفلام الأبيض والأسود قديما، صورة الشاعر الرقيق العذب المهذب الذى قد تقتله كلمة، والذى حتما سيصادف يوما ما فتاة جالسة إلى البحر وحدها حزينة جميلة تليق بقصائدى وهذا ما أكدته لي أكثر أفلام الأستاذ محمود يس حين بدأت الحياة في التلون ..
قد يكون حسن ظني كبيرا أو سذاجتى مفرطة فقد احتجت سنوات طويلة وقصائد أكثر كي لا أصدق البحر والفتيات الجالسات إليه.

رغم أننى قبل تلك المرحلة كنت قد تعرفت عوالم أمل دنقل،وصلاح عبد الصبور والماغوط وشكسبير، وبلزاك، ونجيب محفوظ، وكامي وأكاد أحفظ لهم الكثير، ولعله كان المفترض أن يكفينى نص مثل :
( طفلتها ) لأمل دنقل، لكن غرور الشعراء يأبى عليهم إلا أن يجرّبوا السقوط من على الفرس بأنفسهم.

كنت حسن الحظ فى مرحلة الشباب وبخاصة فى الجامعة فقد توفر لي تقريبا كل ما يحتاج إليه دارسٌ شاعر، فخلال دراستي فى كلية آداب الإسكندرية استمتعت بالتعلم بين أيدي العشماوى وهدارة وحلمى مرزوق وعبده الراجحي وطاهر حمودة وغيرهم
فى هذه الفترة عشت ما يمكن تسميته بقصة حب تليق بشاعر محصن ( بعماد حمدى ومحمود يس وعبد الحليم )..تخيل هذا الرباعي في مواجهة البحر وامرأة، ولعل ذلك أول مصارحة بينى وبين الإسكندرية بعدم الاستلطاف المتبادل.

هلى تجرأت عندما حاولت كابن لمدينة ريفية أن أخترق تابو البحر وأفتح بعض ملفاته:
أخبرينى يا رزقة الموتى
كم غريقا يحتاجه البحرُ
كى يتلون؟
كانت الانكسارات تتم بانتظام واحتراف ودقة .. هكذا استقبلتُ النصفَ الأول من تسعينيات القرن الماضي:
المرأة / البحر / الإسكندرية / حرب الخليج الأولى / مؤتمر مدريد / ……….

فجأة اكتشفتُ أننى خطرٌ على الأمن لا لشىء إلا كونى شاعرا .. نعم ففي عام 1994 كنت فى معسكر شباب طلاب جامعة الإسكندرية الذى كان يُقام سنويا فى الصيف ويختتم بلقاء الرئيس الأسبق مبارك بشباب جامعات مصر، و قبل اللقاء بيومين استبعد الأمن أربعة : (إخوانيًّا، سلفيًّا، شيوعيًّا، وأنا) ويومها عرفتُ أمرين:
خطورة أن تكون مثقّفًا شاعرًا
فضيلة الخوف .. نعم .. الخوف عينٌ أخرى تُضاف إلى عيون الشاعر أو تحديدا إلى عيوني
شعرت من يومها .. حتى الآن أنني فى معركة .. حرب حقيقية لكنني لا أستبين ملامح العدو ولا ملامح الجيش الذى أنتمي إليه ..
كان منطقيًّا مع تلك الانكسارات وبدايات الشباب، أن تبحث الأسئلة الحيّية الخفيّة في الرأس لها عن مخرج ففترت علاقتي مع السماء بعض الشيء، ولكن ازداد خوفي منها
لم أستطع أن أجرّب كبعض الشعراء الذى قابلتهم حريتهم فى تناول الشراب، أو إقامة أى علاقة، أو اختراق أى محظورات على الأقل بالنسبة إلي ..

التثقيف النفسي لرعاية الذات | دورة تدريبية مجانية جديدة.. اشترك الآن

من وسط ركمام تلك المخاوف والانكسارات – علاوة على خطورتي الأمنية – إذ كنت رابع أربعة أمّنوا الرئيس مبارك منهم – وسط كل هذا خرج ديواني الأول ( قصائد تسعى وأخرى تصل )
ومع نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة كان للأسكندرية جولتها الثانية معي، المرأة التي أحبت عينيّ لدرجة أنها كانت دائما تطالبني بخلع النظارة، وبمنتهى السذاجة كنت أخبرها أنني بذلك لن أرى !!
أى كتبٍ تلك قرأناها؟! وأى ثقافات ورؤى يدعيها شاعر مثلي وهو يمرح في الحماقة!! لا يدرك أن الحب الحقيقيّ لدى المرأة – إن كان – هو أن تخلع نظارتك وربما تخلع عينيك أنفسهما لو استطعت إلى ذلك سبيلا! وظللتُ فترات طويلة أخلعُ .. حتى كان ديواني الثاني( المملوك ) الذي كتبته فى الفترة من 1998 إلى 2003 ثم توقفت عن الشعر خمس سنوات كاملة .. و بالمناسبة لم يصدر هذا الديوان إلا في عام 2012 ولنشره قصة طويلة ..

توقفت فى 2003 عن كتابة الشعر وحضور أمسياته أو أي فعالية فالبحر لا يطمئن إلى الشعراء، والفيزياء لا تصدقهم :
حملته الأمواج لسوق نخاستها
من يشتري أمير النيل المزعوم ؟
من يشتريه؟ من يشتريه؟
فما تنازعته أمواج الحياة أو الغرق
لم يلتفت ذووه لاختفائهِ
عامان من العرض
لم يسأل عنه أحد

  • ما أقسى أن تنتظر أن تصبح عبدا –
    البحرُ التهم جلده القديم
    من يشتر المملوك
    يمنحْه الجلد كيف شاء
    عامان من العرض
    ينتظر ” الخضر ” أن يثقب صدره
    مخافة أن تمتطيه موجةٌ أخرى
    ها هي أميرة الموج – كما ظنّها –
    تشتريه
    نسيت أن تدفع ثمنه
    ونسي النخاسون
    ظنّ أنه لا يُقدّر بثمن
    كان هذا آخر ما ظنه
    ليس للمملوك أن يفكرَ ..
    أو يظن.

كان طبيعيا بعد مثل هذه الكتابة أن أصمت لسنوات وسنوات بعيدا عن الكتابة عن المشاركة عن النشر …
صدقا كانت هناك بعض الكتابات السرية، فالمعركة حولي وداخلي كانت محتدمة وكنت كعهدي بي لا أتبين أي راية حتى تجلت المعركة فى صورتها الأكثر غموضا في يناير 2011 التي لم أشارك فيها ولم أثق فى أي راية كعادتي فلم يتحمل الشعر داخلي صمتي واعتبرني طاغية فخرج عليّ لا يُبقي ولا يذر

كنت قد شارفت الأربعين ويقبع خلف اسمي طفلتان أهديتهما ديوانى الثاني ( المملوك ) الذي صدر في عام 2012 :
{ إلى ” حبيبة ” و ” فريدة “
القمرين المضيئين فى الظلمة المتآمرة
إلى ” حبيبة ” و ” فريدة “
حارستي نبض القلب
كي يستمر}

ومازلت مستمرا متعايشا بهما مع الأرض والسماء، ثم انضمت إليهما ” ليلى ” لتشكل مع أختيها عنواني الأخير فأنا حيث هن .
لذلك حاولت ومازلت أحاول أن أبعدهن عن ساحة معركتي المجهولة، ثلاثتهن لعبن بدواويني وهن طفلات كنت أضحك فرحا كلما مزقن الدواوين التي مزقتني، حتى كبرن وعقلن وابتعدن عنها .

حاولت ومازلت أحاول أن أعتذر إليهن أنني لم أقصد أن أكون شاعرا لكنه سلطان لا يُعصى
ثم تتابعت دواوينى ” أساطير الآخرين “، ” المقامات “، ” عادة الشعر يأتي متأخرا “، ” بتوقيت النزيف “، ” النسوان ” ،” خجب المكاشفة” ..
لا أنكر أن ” حبيبة ” و ” فريدة ” و ” ليلى ” أمددني بمدد عظيم فحلمتُ أن يكون للشاعر دور فى محيطه الصغير فاجتهدتُ قدر استطاعتي أن أقيم بعض الفعاليات فى مدينتي دمنهور وبقدر ما كانت ناجحة بقدر ما تيقنت أن عليّ أن آوي إلى الشعر يعصمني من الناس .
ليس لي إلا الورقة أطمئن إليها .
منذ عامين تقريبا توقفت الحياة عن إرسال وسائطها الذين كانوا يتربصون بي خلف شجرة، أو فتاة، أو صديق ..
منذ عامين تقريبا قررت الحياة أن تعترض طريقى علانية وجها لوجه .
رحل أبي .. ثم أحكم البحر قبضته ونفوذه بينما الفيزياء تجلس إليه على كرسيها الهزاز مطمئنة..
الآن فقط علمت لماذا خلقني الله شاعرا ..
” فى قلبى مائة ضربة بشعر، أو طعنة بحب، وها أنا أموت على أوراقى كما يموت الشعراء “
ومازلت أسأل :
آه لو أعرف حاربت في جيش من ؟!
عمرو الشيخ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.