الأحياء أبناء عم الموتى .. عن الحياة والموت ومساءلات محمود درويش

0

أحمد فتحي – كاتب وناشر مصري – محمود درويش .. الأحياء أبناء عم الموتى :

“لا أعرف الشخص الغريب و لا مآثره
رأيتُ جنازةً فمشيت خلف النعش،
مثل الآخرين مطأطئ الرأس احترامًا
لم أجد سببًا لأسأل: من هو الشخص الغريب؟
وأين عاش،
وكيف مات؟
فإن أسباب الوفاة كثيرةمن بينها وجع الحياة”
بهذه الأسطر استهل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش قصيدته، ألقى علينا بسؤاله، وذهب يُعدّ قهوته بنفسه كما اعتاد في كل صباح.
أعددت قهوتي بنفسي أيضًا وجلست ليلا أكرر سؤاله، بينما تراوغني الإجابات من كل حدبٍ وصوب، عن هذا الغريب الذي أثار حفيظة درويش وحرك الراقد من فضولنا جميعًا. سألتُ.
كيف ننتهي جميعًا؟ هل ننتمي لهذا الغريب أم ينتمي لنا؟! هل تؤول مصائرنا لمصير العشرات ممن نقرأ نعيهم يوميًا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؟ -ثم نترحم عليهم بشكلٍ اعتياديٍ تكسوه مشاعرٌ باهتةٌ وتزييفٌ مقنع- ننتهي بلا أثرٍ نتركه في نفوس المحيطين بنا أو المهتمين بما نقدمه، ونصبح كالعاديين الذين مروا من الطريق نفسه ولا يكاد أحدٌ أن يشعر بثمة إنجازٍ واحدٍ قد أحرزوه ولو بالصدفة، أو قضية ناضلوا من أجلها فتُذكر أسماؤهم كلما ذُكرت، فليس أصعب من الموت إلا انقطاع سيرة صاحبه، فلا تجد له ذاكرًا أو عملًا يُخلّد ذكراه ويُزيّن سنوات عمره.
مثل هؤلاء يعيشون موتهم. يزاولون اللا شيء، يعيشوه أحياءً حتى يصبحوه موتى..
هناك فئةٌ أخرى، أقليةٌ ناجية من هذا المصير، خلقوا لأنفسهم طُرقًا جديدة غير تلك المزدحمة ،المليئة بالمألوف والمعتاد المتعارف عليه، سمّوها كما تراءى لهم أن يسمّوها، فصنعوا ما عجز عنه غيرهم.
قبلوا الرهان وقدموا التضحيات وبذلوا كل غالٍ حتى تتحول حيواتهم لأيقونةٍ باقية تلهم من يستدل بها على اتجاه القبلة.
من منا يذكر أم كلثوم ولا يلحق اسمها برياض السنباطي أو أحمد رامي على سبيل المثل؟ وأي قيمةٍ مضافةٍ كان يمكن لأم كلثوم أن تضيفها، بمعاونة شركائها لما أنجزته، لو أنها تعلم أنها ستظل على قيد حياتنا ليومنا هذا ولسنوات طوال قادمة؟!
ربما عملوا بقول محمود درويش نفسه في قصيدة أخرى إذ يقول: “إن أردت الوصول إلى نفسك الجامحة فلا تسلك الطرق الواضحة” أو ربما استلهم درويش كلماته ذاتها من تجارب السابقين.
وقد يكون تخوفنا الأعظم وسؤالنا الأهم هو هل يرانا من حولنا كما نحب أن نُرى؟ هل أنجزنا ما يحيينا لسنوات عشر بعد موتنا؟
أو بالأحرى هل ما ننتجه ونصدّره للآخر يدعو أكثر من عشرين فردًا للسير معًا في جنازة أحدنا؟ هل بإمكان أسمائنا أن تجعلنا بعيدًا عن متناول قوله: “من هو الشخص الغريب وما اسمه؟
لا برق يلمع في اسمه
والسائرون وراءه عشرون شخصًا ما عداي”
أي برقٍ صنعناه ليظل اسمنا باقيًا؟!
محمود درويش بعد أن صاب سهم أسئلته جميع جوارحنا قدم في نهاية قصيدته روشتة اختص بها نفسه، يعلل سبب بقائه حيًا فقال: “وقد تكون جنازة الشخص الغريب جنازتي
لكن أمرا ما إلهيا يُؤَجَّلُها لأسبابٍ عديدةْ
من بينها خطأ كبير في القصيدةْ!”
وأرى أن أحد أهم هذه الأسباب العديدة هو عدم اكتمال التجارب بعد، وعدم وقوعنا في العدد المطلوب من الأخطاء حتى نصل لنضوجنا المنتظر الذي نسعى إليه، وأن لكلٍ منا تجاربه الخاصة، يمارسها بما أحصى من خبرات لابد أن يكملها أولا لتكتمل قصيدته، ومن ثم دوره في الحياة والمجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.