خصوصية المصري.. فلنعترف أن الخريف أجمل فصول السنة

خصوصية المصري- الشاعر المصري عمرو الشيخ :

في البداية، تقريبًا نحن كمصريين متفقون على أن مصر متميزة في كل شيء، وأنها قبل أن تكون أرض الحضارة، ومهد التاريخ، فإنها أرض الخصوصيات، ومهد الخصوصية ومنبعها، أو منجمها الأصلي وربما الوحيد وخصوصا: الموقع، التاريخ، كمية العباقرة، الحُكّام، حتى تفاصيل الحياة اليومية والمواطن العادي..عفوا أقصد غير العادي طبعا.

قوة النوستالجيا.. تعرف على الرقم الذي بيعت به أقدم نسخة من لعبة (ماريو) في آخر مزاد

“جسمك أبيض من حياتي” .. تفاصيل فضيحة جديدة تلاحق أحمد حسن الشهير بأحمد حسن وزينب

بدون سبب واضح سأتخطى في هذا المقال أول ثلاث نقاط تميز وخصوصية، وسوف أركز في نقطتين: الجو، والمواطن أما الجو فمنذ مولدي وأنا أسمع جملتين يتمّ ترديدهما بصوتٍ خافتٍ، ونظرةٍ ثاقبةٍ توحي بالسريّة والمخابراتية والخبرة والعمق وكذلك مخافة الحسد، ألا وهما: “خصوصية مصر” و “خصوصية المصري” تتردّد هاتان العبارتان بكل طاقات أداء خالد الصاوي حين يخفض صوته وهو ينقل بديهةً ما إلى أحد المغفّلين السذج وهو منبهرٌ ومستعدٌ لمزيد من الانبهار!

لذلك كان طبيعيا جدًّا أن ينشأ جيلي-مواليد السبعينيات- وهو (أطيب) أجيال مصر بالمناسبة مؤمنًا بتلك البديهة التي انضمتْ في سهولةٍ ويسرٍ إلى طابور البدهيّات والثوابت المطمئنة في نومتها في رؤوسنا التي لا يحركها أي مُحرّك مهما كان شأنه ولو حتى كان زلزالا؛ فهي محفوظةٌ تحت طبقات متراكمة من برطمانات السمع والطاعة والچل بل مُنمّقة ومُهندمة، لا يقلق راحتَها أيُّ سؤالٍ متطفلٍ والعياذ بالله.

لذلك كان طبيعيا أن نُكذّب أول ما كذّبنا إحساسنا بروعة جوِّ الخريف في مصر؛ فليس معقولا ولا مقبولا أن نُكذّب-لا قدّر اللّه- كتب الجغرافيا أو أغنية الربيع الخالدة؟! فالأولى حكومة، والثانية ثوابت تراث وهاتان من أهم دعامات مهد الخصوصيات تقول كتب الجغرافيا الحكومية عن جو مصر حار جاف صيفًا، دفيء ممطر شتاءً، مستقرٌّ ربيعًا- لاحظ عدم ذكر الخريف- علاوةً على استحالة تكذيب بصمات الزميلين: كلمات الأستاذ/ مأمون الشناوي وموسيقى الأستاذ/ فريد الأطرش وغنائه.

لعبتان إلكترونيتان أفتى الأزهر الشريف بتحريم لعبهما !

نحن إذن الجيل الذي تربّى على تقديس أذنيه فهما تتدلى منهما مئات الحلقات التي وضعها آلاف الحكماء الذين تزدحم بهم جميع مواقف حياتنا وهؤلاء الحكماء متطوعون، حيث يقوم كل حكيم منهم بوضع خلاصة حكمته حلقة في أذنيك دون أن تطلب في أي مجال وأي موضوع وأي وقت.

كما أن هاتين الأذنين تمثّلان مركز استلام كل ما هو موروث والتسليم به وتخزينه، كذلك هما المنوط بهما تلقي كل ما يتم تلقينه فتحفيظه من كتب وزارة التعليم المصري وليس المصرية! بفضلهما تنفصل عن الواقع انفصالا حلالا لا شبهة فيه، ولا يكترث المواطن إلى ما يحسه بنفسه أو يدركه، أو حتى يراه بعينيه؛ فهناك عيون سابقة رأت أفضل، وتحوّلت رؤيتها لخزين موروث تناقلته آذان الأجيال يكفي صاحبه- الوارث الجديد- العمر كله.

أظن تلك كانت بداية لا بأس بها كي يحدث الانتقال السلمي من مسلَّمة “خصوصية مصر” إلى مسلَّمة “خصوصية المصريّ” وما بين خصوصية مصر وخصوصية المصري نجح جيلنا والجيل السابق عليه جيل الستينيات في أن يعيشوا في كبسولة لذيذة لطيفة معزولة عن أي شيء في الكوكب، فيها من مؤن القناعات ما يكفي أجيالا تلو أجيال. هذا الاكتفاء يجعلها غير معنية بما يدور حولها.

دعنا نعيش كبشر! ماذا سيفعل إيلون ماسك بالعالم؟

كبسولة تناسب الأصوليين والعلمانيين في نفس الوقت، التقدميين والرجعيين، العوام والمبدعين الفنانين وبخاصة الشعراء في نفس الوقت؛ فهي قائمة على الثوابت والتصورات، فنحن وإن كان لدينا ملايين الآذان لكننا نقدس ألا يخرج تصميمنا النهائي عن: ودن من طين والأخرى من عجين، وربما من طين أيضا.

هذه الكبسولة ليست مجهزة لأي انطلاق إلى أي جهة.. أجمل ما في هذا الأمر أنه يعطي مواطني الكبسولة طاقات من الثقة لا حد لها؛ فيقتنعون أنهم أساس كل موجود على ظهر الكوكب أو حتى في بطنه، ويقتنعون بأنهم مستهدفون من أعداء غير مرئيين متآمرين منذ قرون في مكان ما، في توقيت ما، من أجل هدف ما. الجميل أن تركيبة مواطني الكبسولة مع إحكام غلقها يضمن لمن يهمهم الأمر- والله أعلم بهم- أن محتوى الكبسولة واحد لا يتغيّر، مهما حدث من اختلاط أو انفصال أو صراع أو ائتلاف المحتوى النهائي واحد حتى لو تم ضربهم في الخلاط ماداموا متأكدين من غلق الكبسولة جيِّدًا. تذكر دائما.. ليس المهم ما تراه، المهم ما تسمعه فتلك أول درجات سلم مجد الخصوصية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى