هل السِبرانية تهدد إبداع البشر؟

هل تهدد السِبرانية تهدد إبداع البشر؟ محمد سمير مصباح- كاتب ومدون مصري:

“أنت حطمت روحي

عصارة الأبدية

حيوية شفتيّ”

هذه الأبيات لقصيدة غنائية يابانية بعنوان “روح” كتبها الشاعر راي كيرزويل السبراني، بعد قراءة قصائد لجون كيتس وويندي دينيس.  

هذه السطور السابقة قد لا تلفت انتباهك أو تبهرك. أعذرك في هذا، لأنك لم تكن تعلم أن كاتبها ليس بشريًا، وإنما كتبها برنامج كمبيوتر صممه المخترع وعالم المستقبليات الأمريكي ريموند كيرزويل. أطلق على برنامجه اسم RKCP أي شاعر راي كيرزويل السِبراني، ومهمته هي استخدام تقنيات نمذجة اللغة لكي ينتج شِعرًا مبتكرًا بشكل كامل.

يقوم RKCP بقراءة مختارات من قصائد لشاعر معين أو مجموعة شعراء، فينتج نموذج لغة من أعمال هذا الشاعر معتمدة على نماذج ماركوف، ويستخدم خوارزمية تكرارية لتوليد الشعر على نحوٍ يُمكنه من الوصول إلى أسلوب لغة وأنماط إيقاع وبنية قصيدة تشبه المؤلفين الأصليين الذين تم تحليل قصائدهم، وبالتالي يكتب البرنامج قصائد مبتكرة مستوحاه من روح القصائد الأصلية أو من أسلوب الكاتب أو الكتاب الذي تم تحليله، بالإضافة إلى تزويد النظام بقواعد صارمة تمنعه من انتحال أعمال غيره.

بدايات الإبداع السيبراني

بدأت السِبرانية في الظهور كعلمٍ حديث في بداية أربعينيات القرن العشرين، ويعتبر الرياضي نوربرت فينر من أهم مؤسسيه، والذي عَرِّف السِبرانية على أنها “علم القيادة أو التحَكُم في الأحياء والآلات، ودراسة آليات التواصل في كل منهما”. والسِبرانية في الأصل مُشتقة من كلمة إغريقية تعني المُوَجِّه أو الحاكم أو القبطان. استُخدِم مصطلح السِبرانية فيما بَعد بطريقةٍ فضفاضة بمعنى “السيطرة على أي نظام يستخدم التكنولوجيا”.

شروط جائزة الشارقة للإبداع العربي | تقدم الآن واربح 6000 دولار في كل فرع من فروعها (شعر-رواية-قصة-مسرح-أدب طفل-نقد)

أرون وبداية الرسم القائم على الكمبيوتر

ما يقوم به الشاعر السبراني، ينطبق على الرسام “آرون” الذي اخترعه الفنان البريطاني هارولد كوهين؛ أحد رواد الفن البصري القائم على الكمبيوتر، حيث ينتج آرون أعمال فنية مُبتكرة تمامًا، بعد أن استغرق كوهين أكثر من ثلاثة عقود في منح برنامجه بيانات ومعلومات حول جوانب الفن المختلفة؛ كالتشكيل، والرسم، واللون، والمنظور، والتشريح البشري، والأسس البصرية للنباتات مثل كون الفروع تصبح أرق بشكلٍ متزايد عندما تصبح أطول، وأساليب الفن ومدارسه المختلفة. وبرغم أن كوهين هو مبتكر هذا الفنان السبراني إلا أنه كان يتفاجأ دائمًا بما ينتجه برنامجه.

بدأ عمل كوهين بشأن آرون في عام 1968 في جامعة كاليفورنيا، سان دييغو. أجرى عليه العديد من التعديلات والإدخالات ليتطور مستواه؛ فكما هو الحال مع أي فنان، مر نظام آرون بمراحل، فالأشكال المبكرة التي تشبه رسومات الأطفال، تقدمت إلى شخصيات متعددة الأشكال أو أكثر تعقيدًا. تُعرض أعمال كوهين وآرون في جميع أنحاء العالم في عشرات المعارض، وتشارك في متاحف كبرى مثل متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، وستيديليك في أمستردام، ومعرض الفن الحديث في لندن.

في كتابه “عصر الآلات الروحية” يُورِد “ريموند كيرزويل” نماذج أخرى لمبدعين سبرانيين، مثل برنامج بروتاس 1 الذي يؤلف قصصًا أدبية، ابتكره سيلمير برنجسجورد وداف فيراتشي؛ اللذان علَّما برنامجهما الكثير من العواطف كالحُب والغدر والكره، ليؤلف قصصًا تتمحور حول تلك العواطف، وهذا ما يميزه عن باقي المبدعين السبرانيين.

كما تحدث الكاتبان إيريك بريلوفسن وأندرو مكافي في  كتابيهما “السباق ضد الآلة” الصادر عام 2011، و”عصر الآلة الثاني” الصادر عام 2014، عن قدرة الآلة على إنجاز معظم الأعمال التي يُعتبر ممارستها دالًا على التقدم التقني المتطور على حساب الإنسان، وهو الأمر الذي تحدث عنه أيضًا مارتن فورد في كتابه “صعود الروبوتات”.  

ملخص كتاب علاقات خطرة للدكتور محمد طه وبعض الحقائق عنه

هل الإبداع السيبراني ينافس الإبداع البشري؟

تشير هذه الكتب وغيرها إلى أن ما يحدث في الوقت الحاضر من استخدام برامج حاسوبية أو آلات، يعتبر منافسة للبشر في مجالات مختلفة، ويؤكد مؤلفوها على تفوق الآلة الحتمي على ذكاء الإنسان في المستقبل القريب. ولكن الغريب في الأمر هو حضور الآلة في حقل الإبداع الفني أو الأدبي؛ الذي قد نرى أنه حِكرٌ على الإنسان، لأنه يخضع للذائقة والإحساس والمرور بتجارب نفسية وحياتية واكتساب مهارات معينة أو يحتاج إلى الموهبة؛ التي تتفق المعاجم العربية والأجنبية على أنها الاستعداد الفطري لدى المَرْء للبراعة في فنٍ أَو نحوِه، أو هي العطية التي يهبها الله للإنسان ليبرع في مجالٍ ما.

يؤكد “كيرزويل” على أن تفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري لم يحدث بعد، ومع ذلك يرى أنه: “مع ظهور كمبيوترات تنافس المخ البشري وتفوقه في التعقيد، ستظهر قدرة الآلات على فهم الأفكار المجردة”. حيث أن التعقيد الذي يبدو على البشر يرجع إلى تضارب أهدافنا الداخلية، “فالقيم والمشاعر تمثل أهدافًا غالبًا تتعارض مع بعضها البعض، وهذا نتيجة حتمية لمستويات التجريد التي نتعامل معها ككائنات بشرية”.

ومن وجهة نظره، أنه عندما تصل الحواسيب إلى نفس مستوى التعقيد ثم تتجاوزه، فسيكون لها أيضًا أهداف ذات قيم ومشاعر ضمنية، لن تشبه بالضرورة نفس القيم والمشاعر الموجودة لدى البشر. وبالتالي يُتوقع منها _وقتها_ القيام بالأعمال الفنية والأدبية بمستوى احترافي دون الاعتماد على إعادة صياغة أو التأثر بأعمال أخرى تسبقها.

في الأمثلة السابقة، كانت تحاكي البرامج الحاسوبية طريقة إبداع الإنسان، فنحن أيضًا قد نتأثر بإبداع الآخرين فننتج إبداعنا الخاص، ولن نؤلف قصة أو قصيدة تحتوي مشاعر معينة إلا لو كنا اختبرناها من قبل أو تعرضنا لما أثارها بداخلنا. ولكن في واقع الأمر، حتى إن كانت التكهنات تشير إلى قدرة الآلة على الحلول محل الإنسان، يبدو أن ذلك لن يتحقق قبل أن تتمكن الحواسيب من الاعتناء بنفسها، وتطوير وتصنيع نفسها ذاتيًا دون تدخل الإنسان. ربما وقتها أو بعد ذلك بقليل سيتأثر البشر أيضًا بإبداع من سبقوهم من المبدعين السبرانيين، في زمنٍ يتداخل فيه البشر والحواسيب في نسيجٍ واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى