“صديقان” قصة قصيرة للكاتبة المصرية منى قابل

دعاه لاجتماعٍ مغلق، قائلا : مرحبا بك رفيقًا جديدًا تعجب الآخر : ما معنى أن ترحب بي؟

عقب ملحا في سؤاله. حيث لم يكن له صديق من قبل، الكل يكرهه، لم يرحب به أحد، دائما يستقبل بالسباب.. الاحتقار.. الكراهية والدعاء عليه من الأمهات في الصلوات، لا أحد على مر الزمان طلب صداقته.

باغته آسر قائلا: تعال نعقد اتفاقا

– ليكن .

– ما رأيك أن تجرب الصداقة، إنها علاقة مقدسة ومميزة ولا ينعم بها الكثيرون، لنكن صديقين أنت تبذل ما تستطيع حتى لا تجعلني أتألم وتنسيني أوجاعي٬ نظير ذلك سأحبك، سأعلمك كل ما لم تتعلمه سابقا.

عبر الآخر للمرة الأولى عتبات الفرح، خطا خطوته البكر خارج الطوق الكريه، ليقوم بمهمة ليست منبوذة ويعي أنه من الممكن القيام بدور يختلف عما اعتاده في الحياة، لم يصدق أن هناك من هو قادر أن يمنحه الحب، يسمعها كثيرا تلك الكلمة لكنه أبدا لم يشعر بها لأنه لا يملك أية مشاعر، أو يفهم كيف تحدث وكيف يتم التعبير عنها. بدأ يلمس معنى أن يكون هناك صديق له وهو الذي قضى عمره كله بل وكل أسلافه يرثون الوحدة أبا عن جد لسوء سمعتهم وقبح أثرهم .

حك الغريب لحيته الطويلة والتي لم يشذبها أبدا. بدأ آسر يفي بوعوده، يخرج مع صديقه، يتنزهان معا، يغني له، يعلمه الضحك و الآخر مستمتع جدا رغم أنه كان يبذل مجهودا مضنيا حتى يفي بعهده لآسر ويقلل من الأوجاع، كما أنه كان يذكره بمواعيد الدواء، وينصحه بالراحة، أحيانا يهمس له أثناء العمل أن ينهي مهامه على الفور، والأحرى به أن يرتاح فينجح صديقه في محاولة كبح جماح نشاطه، يهدأ كي لا يتوجع آسر.

زوجة آسر تشعر بتحسن زوجها المستمر فتطمئن لكنها لا تعرف السر صداقتهما سرية كوجبة محرمة وعلاقة عدائهما معلنة كطقوس محببة. استمر الحال ثلاث سنوات، كلاهما يحفظ سر صديقة و يبذل ما استطاع من جهد لينال ثقته، الجميع يتعجب من تحسن صحة آسر، حتى الأطباء رغم أن كل التحاليل والأشعة تؤكد وجود المرض ورغم توقعهم أنه سيموت منذ أكثر من عامين . صارت زوجته في غاية السعادة.. ضربت بنصائح الأطباء عرض الحائط . وفاجأته ذات ليلة برغبتها في الانجاب، فزع آسر، كأن صاعقا كهربيا مس قلبه فجأة.

انتفضت واقفة وكانت مشدوهة لردة فعله. وقف هو الآخر وقال مذكرا: ألا تدركين أن المرض اللعين هذا وراثي؟ وأن أبي مات به و من قبله جدي ومن قبلهما عمتي .

كان صديقه مستيقظا يتصبب عرقا، تعب من التجول في سراديب قلب صديقه على أطراف أصابعه حتى لا يصيبه بوخزات ألم وفجأة سمع كلماتهما، نكس رأسه حزنا، توقف عن المشي، آسر يصفه باللعين ويتنكر لكل عهد جميل بينهما، بكى الآخر، اكتشف فجأة أنه أصبح يملك قلبا يشعر وعينا تبكي، تعجب..

لكنه تألم بشدة، لطم خده، تحسسه، تذكر أن لحيته كانت تتهذب تدريجيا حتى اختفت وصار شكله أصغر وأفضل، صرخ متوجعا سقط آسر هو الآخر على الأرض بعد صرخة مدوية من الألم انتابته في المستشفى، الطبيب يقف مذعورا، يناقش الزوجة باهتمام ويسألها عن السبب الذي قاده لهذه الحالة؟ . تلتزم الصمت، شعورها بالذنب يلتهمها تدريجيا، لا تكف عن البكاء، تربت والدة زوجها على كتفها وتغادر.

تدخل لابنها، تتأمل حصاد العمر بحنان، لا يشعر بها، ترجوه قائلة: آسر يا حبيبي انهض لأمك، يا ضحكة الزمن الوحيدة، يا أطيب القلوب. تتحدث إليه، تقول لو أن المرض نفسه علم بطيبة قلبك لخجل من أفعاله. ينشط الآخر بصعوبة، الأدوية جعلته هامدا نائما معظم الوقت، يحاول أن يسترق السمع فيتوجع آسر و يفيق. تنادي أمه بصوت مسموع تطلب حضور طبيب، فيشير لها آسر أنه لا داعي.

تبدأ في وصف الآخر باللعين الخبيث، فيتوجع الآخر ، يصرخ آسر، يطلب منها ألا تسبه لأنه صديقه، يرجوها بشدة، تتعجب، تقول و هي تمط شفتيها: تقصد ايه؟ . لا يجيب، لا تعقب ولا تكرر السؤال فقط ترضخ لطلبه . يبتسم الآخر ، يدرك أن آسر ما زال يحبه وأنه لم يسبه عن عمد، كانت زلة لسان . يفكر في الأيام التي قضاها بصحبته، بما شعر به من مشاعر جميلة مع صديقه، يصرخ آسر بصوت ملتاع، يأتي الطبيب على عجل بعد ضغط أمه على زرار الاستدعاء، يعطيه حقنة مسكنة، يهدأ ثم يسقط في بئر الأحلام .

بعد ساعتين يعود الطبيب، ليجده في خير حال، وجهه يشع نضارة وابتسامته المحبوبة تضيف بهجة للمكان وكأنها حديقة غناء و ليست غرفة مريض. الطبيب يحب آسر كثيرا ويطلق على قلبه المريض لقب” القلب الذي لم يعرف الكراهية أبدا.” كل فريق العمل يحبه ويتمنى له الشفاء . بعد الكشف تعجب الطبيب، كل الأمور على ما يرام .

طلب من الممرضة بعض التحاليل. مرت ساعة وآسر يتجول في حجرات المختبر . يشعر بتغيير مفاجئ ونشاط ملحوظ، لكنه لا يفهم السبب . ‌في مساء ذلك اليوم يستيقظ آسر لشعوره بالعطش، يلتقط كوب الماء ليشرب، زوجته في الحمام، خمن ذلك من صوت المياه المندفعة من الصنبور المفتوح .

يلتقط رسم قلبه الملقى بجانب الكوب الذي وضعه توا فسقطت نقطة ماء عليه ليبتل ويأخذ شكلا جديدا وكأن خطوط رسم القلب صارت حروفًا قرأها بصوت مسموع : كان علي أن أبادل الحب بالحب، صحبتك أجمل ما شعرت به في حياتي، لكنها تؤلمك.. وأنا أحبك، انسحبت من جسدك ولن أعود.

منى قابل كاتبة وأخصائية نفسية مصرية، صدر لها كتاب “أنا وطفلي والتوحد” ورواية “حياة بلا فلوكستين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى