مرآتي القبيحة .. قصة قصيرة للقاصة المصرية الشابة أسماء محمد

أَشرَقَ صَبَاحُ يَومٍ جَدِيد نثرت فيه أشعة الشمس ضوءها الذهبي على الأرض الرحبة والتحمت الغيوم في السماء جنباً إلى جنب تعانق قمم المباني الشاهقة، كانت نافذة غرفتها مغلقة بينما تسبح في ظلام تنافى مع ضوء الصباح المبهج، استيقظت”يقين” على صوت منبهها المعتاد في تمام التاسعة صباحاً، جلست على فراشها تفرك عينيها المتعبتين ناظرة إلى فراشها بحسرة،  نهضت عن سريرها بثقل متجهة نحو المرحاض، تسير مترنحة بينما تحمل عيناها بقايا من آثار النوم وكل ما تفكر به هو العودة إلى فراشها الدافئ وليحترق العمل، ما الضير لو فصلت حتى وأصبحت عاطلة؟، لما لا ينتهي فقط كل هذا؟، لما لا تنتهي هي؟، جل ما تتمناه أن تأتي بداية ذاك اليوم حيث نهايتها.

لقد حان الآن موعد أسوأ فقرات صباحها الكئيب وهي رؤية وجهها القبيح في المرآة، وقفت أمام مرآتها تتطلع إلى ملامحها المنفرة، وجه دائري سمين يتوسطه أنف كبير، عينان ضيقتان يعلوهما أكثف حاجبين رأتهما في حياتها، أشاحت بوحهها بعيداً عن المرآة قبل أن تتقيئ ما في جوفها، وسريعاً التقطت وشاحاً تلفه حول رقبتها ونصف وجهها ارتدت نظاراتها الشمسية الكبيرة لتغطي نصف وجهها الآخر وقبعة على رأسها تغطي به شعرها المجعد الذي لا يقل قبحاً عن وجهها.

ثقل يجثم على صدرها، ألم يجتاح قلبها النابض بحزن، هي كغيرها من الفتيات تتمنى ملامح جميلة أو مقبولة على الأقل، ملامح لا تخجل من إظهارها ولا تتقزز من رؤيتها، تساءلت في قهر كيف يمكن للمرء أن يبغض الجسد الذي يحمل روحه؟، نظرة واحدة إلى مرآتها كانت كفيلة لترى الإجابة دون أن تسمعها.

خرجت من غرفتها مستعدة لبدء يوم جديد تنتظر نهايته بفارغ الصبر، المنزل هادئ كالعادة في هذا الوقت من اليوم مما يعطيها مساحة من الحرية قليلا بعيداً عن نظراتهم وربما حديثهم الذي تخشى سماعه وتهرب منه دوماَ، تنهدت بثقل قبل أن تدلف خارج منزلها إلى عالم تختفي منه خلف وشاحها.

كان الوقت الذي تقضيه في الطريق إلى عملها هو ثاني أسوأ فقرات يومها بعد التطلع إلى ملامحها القبيحة في المرآة لانه كان يعني عقد مقارنات غير منصفة لها مع جميع الفتيات الاتي تراهن، تبحث في الوجوه عمن يوازيها قبحاً لتواسي روحها الحزينة ولكنها لا تجد.

استقلت أتوبيس النقل العام والذي يعتبر أسهل وأرخص وسيلة تقلها إلى مقر عملها ثم اتخذت مقعداً بجوار النافذة تتطلع إلى الركاب من النساء، تتمنى لو كانت واحدة منهن، جميلة مثلهن،  يا ليتها تكون أي شئ سواها، ليتها تمتلك شعراً ناعماً مسترسلاً كتلك الفتاة، أو انفاً صغيرا كتلك، أو ربما عينان ملونتان كتلك الفتاة، ربما وجهٌ أصغر وملامح أرّق كتلك، أشاحت بوجهها إلى النافذة شاردة بحزن في الأفق،  تفكر بألم بأنه من الأفضل لو كانت أي شئ إلا هي حتى لو كانت شجرة.

وصلت إلى مقر عملها في إحدى المستشفيات الخاصة حيث تعمل في قسم المحاسبة، مرت بردهة المشفى دون أن تلقي التحية على أحد، تشك في كثير من الأحيان أنها مرئية من الأساس، فهي ليست سوى يقين التي تعمل في قسم المحاسبة، ومعرفتها بزملائها في القسم لم تتعدى معرفة أسماءهم قط، دلفت إلى الغرفة حيث يقبع مكتبها الصغير تجاوره عدة مكاتب أخرى، اتخذت موقعها وبدأت عملها بجد وتركيز متجاهلة أي أفكار سوداء قد تطرأ على ذهنها.

كانت مستمرة في عملها حينما صاحت إحدى السيدات في وجهها بغضب: كل هذا المبلغ لأجل إقامته يومين في هذا المشفى التعس؟ هل جئت به إلى فندق ذي خمس نجوم؟، ردت يقين بهدوء وتفهم: سيدتي هذا مشفاً خاص ومن الطبيعي أن يكون مكلفاً نظير الخدمات التي يقدمها، صاحت السيدة بحنق وفظاظة: أي خدمة هذه وزوجي يقبع في غرفة قذرة يتشاركها مع اثين آخرين؟ أريد تخفيضاً والآن وإلا لن أدفع لكم قرشاً، ردت يقين بنفاد صبر: سيدتي أنا أعمل هنا فقط ولا أملك سلطة تخولني منحك تخفيضاً، من فضلك ادفعي المال وأنهي هذه الجلبة، اشتعلت عينا السيدة بحنق وغضب فمدت يدها إلى وشاح يقين تنتزعه بعنف هاتفة: أيتها الوقحة أتحادثين امرأة بعمر والدتك بهذه الطريقة؟، لم تستمع يقين إلى توبيخ السيدة ولا حتى إلى سبابها اللاذع الذي طالها كل ما كانت تفكر به هو تغطية وجهها القبيح عن أعين زملائها خشية أن يراها أحد.

هرعت يقين بذعر نحو مرحاض السيدات مغلقة الباب خلفها سريعاً، مسحت على وجهها في محاولة لتهدئة نفسها وقد أدركت في هذه اللحظة أنها قد تركت وشاحهها في الغرفة وأنها إذا أرادت الخروج فعليها أن تخرج بدونه، لم تتخيل ولا في أبشع كوابيسها أن تمر بموقف كهذا، استندت إلى المغسلة وهي تفكر كيف تخرج من هذه الورطة وخصوصاً أنها قد نسيت أيضاً هاتفها فلا يمكنها محادثة أحد لمساعدتها، بحذر رفعت رأسها نحو المرآة تتطلع إلى انعكاس صورتها، نظرت باندهاش إلى الفتاة في المرآة والتي لا تبدو هي، حركت رأسها عدة مرات لتتأكد من أن هذه صورتها وليست خدعة، شهقت بصدمة وهي ترى ملامحاً لم تعهدها من قبل، ملامح غير منفرة بالمرة، وجه دائري كالقمر يتوسطه أنف كبير مدبب بدا لطيفاً غير منفر، خدان ممتلئان متوردان كثمار التوت، وعينان بنيتان صغيرتان يعلوهما حاجب كثيف جميل، أما شعرها المجعد فقد شكل سحابة بنية لطيفة حول وجهها القمري الجميل، يا إلهي إنها جميلة!.

غسلت وجهها عدة مرات وفي كل مرة تنظر إلى المرآة لتتأكد أنها هذا حقيقة وليس حلم، وأن هذا الوجه الجميل الذي ترى انعكاس صورته في المرآة هو ذاته وجهها الذي نفرت منه يوماً ما وكرهته لأعوام بل وتمنت الموت بسببه، هل عاشت أسيرة تلك الصورة في مرآتها طوال هذه السنوات؟، صدقتها وأصبحت تنظر لنفسها من خلالها، كم كانت حقاً غبية جداً جداً.

خرجت من المرحاض متجهة نحو غرفتها ولازال وجهها يحمل معالم الصدمة التي مرت بها منذ دقائق، دخلت غرفتها فالتف زملائها حولها بقلق صادق وطمأنوها بأن الأمن قد قام بإخراج السيدة من المشفى، هزت رأسها بلطف وشكرتهم ثم اتجهت نحو مكتبها ملتقطة أغراضها عازمة على تصحيح الكثير من الأمور.

دلفت يقين إلى منزلها مبكرة على غير عادتها، استقبلتها والدتها بقلق وتساءلت: لماذا عدتي مبكراً اليوم حبيبتي؟ هل أنت بخير؟، هزت يقين رأسها وأردفت بإبتسامة: أنا بأفضل حال أمي، بادلتها والدتها الابتسامة وقالت: حسناً لما لا تنضمين لنا أنا وأبيكي في غرفة الجلوس لنشرب الشاي ونشاهد المباراة سوياً، هزت رأسها بخفة وانطلقت نحو غرفتها عازمة على تنفيذ قرارها.

وقفت بجمود أمام مرآتها غير عابئة بصورتها المنعكسة، كيف سمحت لمرآتها أن تخدعها طوال هذه السنين، ربما مرآتها لم تخطئ، هي من أخطأت، هي من صدقتها، هي من سمحت لها أن تتحكم بها، لأعوام نظرت لنفسها من خلال المرآة ولم تحاول يوماً أن تغير هذا، ولكن ليس بعد اليوم، هي بالفعل تملك عيوباً كبقية البشر ولكنها تحبها، تحب عيوبها، وبالتأكيد تحب نفسها، وهذا يعني أنها لن تحتاج مرآةً بعد اليوم، ابتسامة رقيقة زينت وجهها الذي ترى انعكاسه على مرآتها قبل أن تهشمها إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى