مراجعة رواية “فتاة مكتب البريد”.. تعرف على الرواية التي منعت من النشر لسنين طويلة

0

سيلفيا سمعان- مراجعة رواية فتاة مكتب البريد- ستيفان زفايج: لن تجد من هو أبرع في سبر أغوار النفس البشرية وتأثير الحروب عليها سوى من بغض الحرب حتى اختار طوعًا الانتحار بيأسه، ولن تجد أبرع من ستيفان زفايغ الكاتب النمساوي الجنسية الذي سخطت نفسه الحروب وما آلت إليه، فعبر عنها وعن ما آلت إليه بكل وجدانه حتى قرر الانتحار في البرازيل مع زوجته عام ١٩٤٢.

https://www.youtube.com/watch?v=u7_7bpwQmVQ&t

عشرات الجوائز والمسابقات الأدبية والمنح والكورسات المجانية في انتظارك

معلومات عن رواية فتاة مكتب البريد استيفان زفايغ

تعد تلك الرائعة هي إحدى روايتي زفايج كبيرتي الحجم، فهو لم يكتب روايات طويلة سوى “احذر من الشفقة” وروايتنا اليوم “فتاة مكتب البريد”.
وعن هذه الرواية التي نحن بصدد التحدث عنها اليوم فقد تم إصدارها تحت عنوانين الأول كان بعنوان (التحول) وكانت من ترجمة أشرف القرقني، والثاني تم إصداره هذا العام من مكتبة المتنبي بالمملكة العربية السعودية من ترجمة يوسف نبيل، وقد تسنى لي قراءة الإصدار الجديد الصادر عن مكتبة المتنبي والذي يحمل عنوان “فتاة مكتب البريد”.

روايات حسن الجندي | رواية ابتسم فأنت ميت .. متاهة من القتل والنهاية واحدة الموت مبتسما


لم تنشر تلك الرواية على الإطلاق حتى في ألمانيا قبل حلول عام ١٩٨٢ ولم تترجم الإنجليزية إلا في عام ٢٠٠٢.

حيث وجدوا أوراق هذه الرواية بين أوراقه ومخطوطاته الأدبية بعد انتحاره. ما يميز هذه الجوهرة من بين جواهر زفايغ أنها منقوصة، حيث لم يكمل نهايتها قبل أن يضع حدًا لحياته، ورغم أنها ذات نهاية مفتوحة يعتريك الفضول القاتل لتصل إلى نهاية دربها إلا أنك تستمتع بوضع نهايات مختلفة لِما قرأته من أحداث، فلا تعد النهاية المفتوحة نقيصة بقدر ما تُعد أحد أسباب فتنة هذا العمل.

أحمد مراد .. كل ما تريد معرفته عن البيست سيلر منذ بداية حياته ومسيرته المهنية حتى الآن


محتوى رواية فتاة مكتب البريد استيفان زفايغ

الرواية تشير بإصبع الاتهام إلى ما تقترفه الحروب وتعمل به في نفوس الشعوب المنكوبة، حيث يعي المرء كيف يعيش فقيرًا، تُختزل احتياجاته أمام عبارة (مكلف للغاية) ليستغنى عنها كليةً حتى ينسى أنها كانت ضمن احتياجاته من الأساس! الحروب حيث تُثبط الآمال، وتبتئس الأرواح، ويصيب الأُسر الفقد والاشتياق، ويستأجر غرف منزلك اللاجئين كي ما تستطيع أنت تدبر أمور نفقاتك فينتهي عند عتبة غرفتك أو سقيفتك شعورك بالخصوصية.
بطلة روايتنا هي فتاة قروية تدعى كريستين، تسكن أحد قرى النمسا، يستعرض زفايغ -من خلال ما تمر به كريستين- بانوراما أوربية لفترة ما بين الحربين. فتاة مكتب البريد ستيفان زفايج
ينجح زفايغ في جعلك متوحدًا مع بطلته فتشعر معها بصغر النفس والخجل والخزي من فقرها، شاعرًا أنك آلة تصحو وتغفو وتعمل بميقات محدد، ذو ملامح باهتة جافة تفتقر إلى شغف الحياة والعيش؛ فكل يوم يشبه ما يسبقه وسيشبه ما يليه سواء في البيت أو في محل عملها بمكتب البريد.

ستيفان زفايج

زفايجملخص أحداث رواية فتاة مكتب البريد استيفان زفايغ

تنقلب حياة كريستين البالغة من العمر ثماني وعشرون سنة رأسًا على عقب بعد استلامها برقية من خالتها الثرية و زوجها تدعو فيها ماري (والدة كريستين) لقضاء عطلة معهما. لكن الأم نظرًا لأن جسدها الثقيل ينهكه المرض الشديد حتى فضلت أن تجعل العطلة من نصيب كريستين من باب الامتنان لأفضال كريستين عليها وقدرتها على تحمل المسؤلية والاعتناء بها إزاء فترات مرضها الطويلة وحرمانها من أي متعة ما قد تبهج قلبها ولو قليلًا، لتذهب كريستين للعيش الرغد خالعة ملابسها الخشنة لتطفو في ملابس حريرية بهوية جديدة تتناسب مع خالتها وزوجها، حلت ضفائرها الغليظة لتحل معها روح بسيطة غير منطوية تسر بالحديث والمسامرة، تأكل بشهية مفتوحة يزين رأسها تصفيفة شعر عصرية تناسب الفتيات الأكثر تحضرًا، ترتشف مع النبيذ سكرة إعجاب الشبان بها، لتختبر للمرة الأولى إحساس بأنها فتاة مرغوبة،جميلة فيصيبها الرعونة والمجون لتتخلى عن رصانتها لتضحك من قلبها للمرة الأولى، لتلتمع عينيها بشغف الحياة، لتتراقص بخفة كأنها ما تركت يومًا الحفلات الراقصة بالقصور، لتطمع بينها وبين نفسها للعيش هكذا عدة أيام إضافية يمكنها أن تكون كإرث تعيش عليه باقي عمرها. إلى أن يحدث أمر جلل قد بعث كريستين إلى القاع من جديد، من حيث أتت، إلى واقعها الذليل قبل حتى أن تتم أيام عطلتها الأساسية.
أحببت كريستين وشعرت معها بما شعرت، فالفتاة قد اختبرت توًا أن تعيش، أن تحيا بعد أن قُبرت في مكتب عطن وسقيفة منزل عفنة يسكنها الفطر كما تسكن هي تمامًا. أتعجب كيف لزفايغ أن يعى مشاعر فتاة بسيطة كهذه! حتى وإن رأى العديد منهن كيف له أن يشعر بأحاسيسها كما فعل! تُرى هل ستستلم كريستين لواقعها بعد ما اختبرته من نعم العيش ورغده! هل ستنجح فيما اختارته لها طريق، هل ستستطيع الانتقام؟! أي مصير سيكون نهايتها !! ستيفان زفايج فتاة مكتب البريد
أتكون مكبلة بالأصفاد أم منطرحة في بركة من الدماء أم ستنجح فيما اختارت المضي به. ترك زفايغ النهاية مفتوحة لا ليصبح كثيرًا للجدل، بل لأن الحروب قد أنهكت روحه حتى النهاية، ففيما أنت تقرأ رواية كريستين فقد رأى زفايغ آلاف ومئات بل ربما تستطيع القول بأنهم ملايين ممن عانوا ككريستين وأكثر.
الرواية مكونة من ٣٢٤ صفحة لم تخلُ منهم صفحة من وصف مشاعر ما بمنتهى الدقة والحرفية فزفايغ خبير المشاعر والتحدث عنها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.