المَنْوَرُ الثَّقافي! (نافذةٌ خلفيَّة على الحياةِ الأدبيَّة).. يطلُّ منها عمرو الرديني – 2

0

رأيتني –فيما يرى المُتلصِّص- بصحبةِ الناقد الكبير؛ والذي جاب محافظات مصر شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا.. فكتبَ الدراسات، وطبعَ الكُتب.. شاركَ في المؤتمرات، وحكَّم بالمسابقات.. ساهمَ بأوراقٍ بحثيَّة، ونظَّر لرؤى نقديَّة.

   أخبرني بندمِه لعدم مكُوثه بالعاصمة؛ وثقته بأنَّه لو انتقل للعيش بها وترك محافظته البعيدة لكان له شأن أكبر، ونصحني بالسعي للانتقالِ لها حتَّى لا أُكرِّر خطأه الفادح على حدِّ تعبيره!

   أحببتُ الرجل، وأعجبني نشاطه وطموحه رغم تخطِّيه سن المعاش.. واحترمتُ صراحته وقدَّرتُ وضوحه رغم أنَّه سيزعجني بذلك الوضوح فيما بعد!

   فبعد فترة وجيزة مِن تزاملنا وجدته يسرّ إليّ بأنَّه قد قام بكتابة دراسة بحثيَّة تخصّ إحدى المسابقات، وأعطاها لشابٍ في بدايةِ مشواره الثقافي ليدخل بها مضمار المنافسة بدلًا منه! حيث أنَّ المسابقة للشباب فقط، وهو لا يجد أي غضاضة مِن التقدُّم بأسماء آخرين، طالما أنَّ المنفعة ستعُود في حالةِ الفوز على الجميع!

   أعترفُ أنَّ شيئًا من هيبةِ الرَّجُل قد سقطتْ في عيني، وأنَّ حزنًا قد حلَّ بقلبي لما يحدث في كواليسِ الحياة الأدبيَّة.. العجيب أنَّه لا يشعر بأي خزي لِمَا يقُوم به، ولا يخجل مِن مصارحتي –وأنا في عُمرِ أولاده- بمَا يقترفه من ذنبٍ! والأعجب أنَّه يرى في فعلِه هذا دور إيجابي لمساعدة الشباب الذين هُم في حاجةٍ لمَن يمدّ لهم يد العون!

تعرف على أهم شروط التقدم لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي

روايات حسن الجندي : رواية الجزار متاهة من الدموية والانتقام

   الصفقة إذن عادلة ومُنصفة في نظرِه: يكتب هو الدراسة أو البحث بمُنتهى السهولة، لخبرتِه وحِنكته.. يتقدَّم الشاب بالعمل للمُسابقة، مُستوفيًّا شرط السن.. يفوز العمل لجودتِه.. يحصل الشاب على شهادة التقدير أو الدرع الخاص بالمسابقة مع جزء مِن المبلغ، بالإضافة لنجاحٍ يضعه في سيرتِه الذاتية، والتي لا زال يؤسِّس لها، مُستفيدًا بذلك مِن تلك الجوائز فيما بعد.. وأخيرًا يحصل زميلي العجوز على الجزء الأكبر مِن المبلغ، ليساعده على إنهاء رسالته مع أبناءه الذين هُم في سنِّ الزواج، ورُبما يعوِّض به شيئًا مِن حسرتِه على بعده عن الأضواءِ الباهرة.

   كانت تلك المُكاشفة بمثابة الباب الذي فُتح أمامي على فسادٍ أخلاقي يغمر البلاد، وللأسف الشديد لم ينجو منه الوسط الأدبي.. وأيقنت أنَّ صفقات مُماثلة تحدث هنا وهناك، وتربيطات مُشابهة تُعقد في كلِّ مكان.. وأنَّ ما كنت أسمعه في الماضي عن فضائح وسرقات لم يكن أكاذيب، وإنَّما هو بعض من كل، وجزء ظاهر من كيان خفي.

   هكذا علمتُ مع الوقت أنَّ هناك مَن يكتب لفلان، ومَن يُناصف الجائزة مع فلان.. من يتوسَّط للنشر لفلان، ومَن يتقرَّب بالودِّ مِن فلان مِن أجلِ مصلحة يجنيها من وراء فلان.. مَن يُوزِّع المناصب على فلان، ومَن يُقسِّم التورتة على فلان.

   المسألة إذن مولد وصاحبه غايب، خيبه وصاحبها خايب.. قاهرة تقهر الشرفاء، وعاصمة لا تعصم الأنقياء.. شباب يريدون الوصول بأي طريقة، وعجائز يعوِّضون ما فاتهم بكلِّ وسيلة.

   الحمد لله على نعمة البُعد، وعلى وسطيَّةِ العُمر.. فقد عبرت سن الشباب بسلام، وأنتظر الكهولة بشرفٍ وبلا استسلام.. وأرجى ما أرجوه أنْ أُكمل مسيرتي طاهرًا، سويًّا.. حتَّى وإن لم أظفر من (التورتة) بحبَّةِ كريزٍ واحدة!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.