في يوم الصداقة العالمي: الصداقة هي الشجرة التي يحتمي بظلها المسافرون

شرين فكري

كاتبة مصرية ومعدة برامج في إذاعة البرنامج الثقافي صدر لها روايتين هما”لحظة سكون، أحلام صهيل الخيول”

نحتفل في يوم الثلاثين من شهر يوليو من كل عام بيوم الصداقة العالمي، وقد تم اختياره للاِحتِفاء فيه بها لإدراك جدواها وأهميّتها بوصفها إِحدى المشاعر النّبِيلة والقيمة في حياة البشر في جمِيع أنحاءٌ العالم، وهذا اليوم أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2011، واضعةً في اعتبارها أن الصّداقة بين الشُّعُوب يمكن أن تصبح عاملاً ملهماً لجهود السلام، وتشكل فرصةً لبناء الجسور بين المُجتمعات، ومُواجهة وتحدّى أي صور نمطيّة مغلُوطة والمُحافظة على الروابط الإنسانِيّة، واِحترام التنوُّع الثقافيّ.

يقال أن الصداقة هي الشجرة التي يحتمي بظلها المسافرون في رحلة الحياة الشاقة،  ويقال أيضا “الصديق وقت الضيق” ولكن هل باتت تلك أكذوبة في هذا الزمن الذي نحياه؟ فنكتشف واقع مريرمع سقوط أقنعة أصحابها المزيفة، وإزاحة الستارعن كلامهم المعسول بأفعالهم الحقيقية وقت الشدة، كلما تعرضنا له، وحينها نكتشف معدن كل شخصٍ بحياتنا.

ماذا تعني كلمة صداقة؟

لابد أن نعرف أولا ماذا تعني كلمة ” صداقة” ومن هو الصديق الحقيقي؟، وعلى أي أساس تُبني الصداقة؟، وهل يوجد صديق في هذا الزمن؟ ،وما هي العوامل التي تؤدي إلى دوام الصداقة أو انهيارها؟.

أن أصل الكلمة يأتي من فعل ” صدق ” أي صادق في الأفعال قبل الأقوال، و ما أكثرُ الأفواه هذه الأيام حينما تُثرثرُ بأقوالٍ ولا تفعلها، فحين يجهل هؤلاء الأشخاص قراءة عيون رفقائهم، فلن يستطع سماعٌ صوت قلوبهم أبداً.

ويا حسرتاه علي مقولةِ “اختر الصديق قبل الطريق ” التي انقرضت مع مرور الأيام والأجيال ، فكأن كل الصفات الجميلة داخل كيان أي إنسانٍ تلوثت ودمرت بأيديهم ولا أدري لماذا؟.

أنواع الصداقة

 كثيرة هي أنواع الصداقة ويختلف مفهومها عند كل شخصٍ، ومدي حبه في استمرارِ هذه الصداقة أو مصلحته منها في بعض الأحيان، أهمها صديق العمر أو رفيق الدرب كما يطلقُ عليه، ودائما ما يقال” صديقك من يصارحك بأخطائك لا مَنْ يجملها ليكسب رضاءك، فالصداقة بئر يزداد عمقا كلما أخذت منه”.

يقولون أيضا أن” الناس معادن” وهذا ينطبق على هذا النوع من الصداقة التي لا تتغير مهما بعدت المسافات ويمرُ الزمان بل أنها تقوي وقت الشدة  فالصديق حينها نجده يظهر من حيث لا ندري، كأنه يشعر بنا وبأزمتِنا ، فيأتي ليساند ويدعم، فالصداقةلا تعني أن يكون  صديقك يرافقك كل يوم ولكن أن يكون بجانبك عندما يتخلي عنك الكون  “، ومثل هذا الصداقات أصبح الآن مثل العملة النادرة أو بمعني أدق” كنز لا يقدرُ بثمنٍ “، ومَنْ يملكلهً يحاولُ أن يتمسكَ به، ولا يدمر تلك العلاقة من أجلِ أشياءٍ زائلة ،لأنه سوف يأتي عليه يوم ويَحنُ إلي هذا الصديق، فلا يجد منه إلا سرابِ الذكريات.

احذرالعلاقات الزائفة

وأغرب صداقات هذا الزمن، من يدعي الصداقة يظهر بوجهٍ بشوش وابتسامة زائفة وقد يعرضُ علينا خدماته في وقت لسنا بحاجةِ لشئ، ولكن عندما نتعرضُ حقاً لأزمةِ ما ونلجأ إليه، نراه قد تبخر أما بالتهرب وعدم الرد، أو بخلقِ أعذار واهية…  وأما عن أسوء هؤلاء الأصدقاء فهو الذي نكتشف مع الأيامِ بأنه هو مَنْ يطعننا في ظهورنا، يحاول تدميرنا، ينقلُ كل أخبارنا وأسرارنا، و نصدمُ من طعناتٍ واحدة تلو الآخرى، بأننا منحنا ثقتنا لمَنْ لايستحق، للأسف أنهم كما يقال عنهم مثل “المنافقين الذين وراء ظهورنا مثل الشياطين وفي وجوهنا أولياء الله  الصالحيين”.

هل صار كل شئٍ قابل للحدوث في زمننا هذا؟

أصبح كل شئ متوقع دون أي دهشةٍ مِنْ ضربات مَنْ حولنا، ولأن الحياة فيها تجاربَ نتعلمُ منها واختياراتَ وقرارات تحسمُ مصيرنا، وصدق من قال: ” لاتندم على معرفةِ أي شخصٍ في حياتك، فالجيدون يعطونك السعادة ، والسيئون يعطونك التجربة، أما الأسوء فيعطونك درسا “، هكذا هي الحياة نعيش فيها لتُحاكي عقولنا ، نتعلمُ ونتعظُ من مواقفِها معنا حتى أخر نفس يخرجُ منا.

لماذا أصبحنا في واقعٍ مرير؟!

هل صارلا يوجد صديق وفيّ؟، ولا أحد يفكر في مصلحة الآخر، وكأن الصداقة أصبحت صداقة المصلحة مهما كانت درجة قرابة هذا الصديق ومنذُ متي كنا نعرفه؟.

للأسف عندما يُسأل عن هذا ، فالأغلبية العظمي تقول بأن الظروف والحياة هي التي تتغيرُ، وتتبدل أحوالها ، ولكن العكس صحيح ، فالقلوب هي التي تتحولُ وتنقلبُ نفوسَ أصحابها حسب أهوائهِم ، وبالتالي أصبح الجميع يفكرُ في حالهِ ولا يرغبُ أي شئ من الصداقة، أو يقتنعُ بالعلاقات الإنسانية إلا نادراً في زمنٍ يطلقون علية للأسف ” زمن المصالح “


هل أثرت السوشيال ميديا علي الصداقة؟

لماذا كل هذة التحولات الجذرية في نفوسِ البشر؟، لماذا تلك الصدمات التي نكتشفها يوم بعد يوم من قبل مَنْ كنا نعتبرهم أصدقاء؟

هل السوشيال ميديل لها دور جذري في اضمحلالِ هذه الروابط والعلاقات النقية ؟ على الرغم من التكنولوجيا المتقدمة التي وصلنا إليها الآن – التي من المفترضِ أن تقربنا وتقربُ قلوبنا و إحساسنا ببعض – إلا أنها قد باعدت أكثرالروابط والعلاقات حتى بين الأخوات والأهل وكأننا أصبحنا نعيشُ بأيدينا في عالمٍ مغلق، يفصلنا لأبعد مدي عن أي اتصالٍ خارجي

وهل يجب بعد كل ما سردناه عن الصداقة ، وما أصبحت فيه من ضمورٍ  لروابطها النقية، بأن تكون العلاقات بين الأصدقاء سطحية ، منعاً لأي احتكاكٍ أو صدماتٍ موجعةٍ منهم، وهل كل الصداقات تصلح للعتاب أم ينتهي الأمرعند هذا الحد بالقطيعة؟.

 ” إن العتاب محبة ” نفعله خوفاً من فقدان هذا الرفيق، فهل ستتحقق مقولة الكاتب ” إميل سيوران ” مع تعاقب فصول السنين والأعوام ، ومع وسرعة الأزمان والأيام :” كلما مرت السنوات ينخفض عدد الذين نستطيع التفاهُم معهم ، رُبما يأتي يوم، لن نجد شخصًا نتحدث إليه أصلاً”.

وفي الختام الواثقون من الصداقة وأهميتها لا تُربكهم لحظات الخصام، بل يبتسمون عندما يبتعدون لأنّهم يعلمون بأنهم سيعودون قريباً، ولهذا  يقال ” الصداقة كالمظلةِ كلما اشتد المطر زادت الحاجة إليها “، ولأنها كنز يندرُ الحصول عليها في عصرغابت فيه كل المعاني الإنسانية قال عنها الحسن البصري ”  تواصلوا مع أصحابكم  ، فالصاحب  الوفي مصباح مضئ قد لا تدرك  نوره إلا إذا اظلمت بك الحياة  “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى