بين نوح الحمام وهديله.. أدهم العبودي في رواية جديدة يحكي “ما لم تروه ريحانة”

يحرص موقع آخر مترو ليس فقط على معرفة القاريء بأفضل الكتابات والكاتبين، بل يحرص أن على مد القاريء ببعض المعلومات التي قد تساعده في حكمه على الكتاب الذي بيده، مثل  ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض و ظل وعظم  .

كتب -عمرو العزالي – ناقد ومحرر مصري
كتاب جديد من أفضل الكتب المميزة التي تعرضها منصة اخر مترو وهو كتاب ” ما لم تروه ريحانة” ل أدهم العبودي .


استقر الحمام في أدبياتنا العربية أننا لا نستطيع تمييز صوت نواحه من صوت هديله. وكأن غناءه بكائية أبدية وبكاءه لحن لن ينقطع ما دامت الحياة هنا بالضبط بين أبدية الغناء والنواح. استلهم أدهم العبودي ثيمته الدرامية الرئيسية في روايته الجديدة “ما لم تروه ريحانة”

كتاب جميل
أدهم العبودي

والتي قدمت معادلاً تخييلياً لملابسات إعدام المواطنة الإيرانية السنية “ريحانة جباري” على خلفية قتلها لضابط استخبارات إيراني . عمل بالطب بعد استقالته حين حاول اغتصابها. والتي شغلت العالم منذ وقوعها في العام 2007 وحتى تم تنفيذ حكم الإعدام في العام 2014.

كتاب جميل

أبعاد فنية وجمالية خلف كتاب ” ما لم تروه ريحانة”

ابتداء من العنوان “ما لم تروه ريحانة” يمنح العبودي قارئه وعداً ضمنياً بأن يقرأ عملاً سيمنحه أبعاداً فنية وجمالية أكثر ثراء من الحادثة الحقيقية، ومنذ تصدير الرواية “فيما قبل، بعد، الموت، حكاية، لم يكتب لها فصل أخير” ستجد رهاناً على تحقيق إضاءة على أبعاد أكثر براحاً من مجرد أبعاد القضية الواقعية.

ووعداً آخر بخلق زمن خاص بالسرد داخل العمل، ربما يتقاطع مع الزمن الحقيقي للأحداث، لكن تبقى دوماً له كلمته الخاصة، بما يشكل تحدياً لأي كاتب عما يمكن أن ينتجه من جديد في قضية تناولها العالم له بالتفصيل في إحدى مراحلها.   

انطلقت الرواية من الخاص إلى العام طوال الوقت، فقرقعة كسر رقبة إعدام إحدى السجينات اعتباطاً لم يختلف كثيراً عن مشهد انقضاض عن صوت كسر رقبة الحمامة حين انقضاض الذئب عليها، فالأولى رمز لكل المسجونات قهراً، والأخرى ربما تكون قرباناً لتعيش بقية الحمامات.. ورسائل ريحانة إلى أمها وإلى حبيبها إيوان ربما كانت فضاء يسمح بتمرير رسائل ريحانة إلى الإنسانية من بعدها وإلى كل إنسان مجهول لم يسمع بها من قبل

البحث عن حياة بديلة بين أكثر من زمن

بين موت ريحانة كل يوم داخل السجون من التغوط داخل العنبر والضرب بالهراوات دون سبب. وبين المنع عن الطعام والشراب وبين الاغتصاب من مأمور السجن ثم من رجاله مرات عدة . ومشاهدة الموت كل يوم في أشكال متعددة .وبين البحث عن حياة في خيالها ورسمها ورسائلها . حاول المؤلف إنتاج سيرة ذاتية روائية للشخصية الحقيقية.

بنى أدهم العبودي روايته منذ البداية على نسق زمني متكسر. يتحرك فيه بشكل يبدو عشوائياً وكأنه “زمن مذبوح”. لكن في النهاية ستجد أن كل لحظتين اختارت الرواية أن تربط بينهما أدى ربطهما إلى توليد زاوية جديدة للرؤية. حيث تبدأ الرواية من لحظة إعدام إحدى السجينات المرافقات لريحانته.

ثم يعود لبين ظلال الشخصية الرئيسية وعلاقاتها المتشابكة بوطنها وأمها وأبيها وحبيب لم تعرفه إلا من الخطابات. وقد اعتمد الكاتب آليات مونتاجية عدة لتقديم وتأخير الحوادث والعلاقات . بمنطق مكعبات البازل التي تشكل إعادة ترتيبها إعادة صياغة للرؤية كاملة. فستجد الأم حاضرة في السجن، ولتجد المشاهد يقتص من هنا، ليستكمل هناك. حيث يؤدي باستكماله فيما بعد وفي هذا المكان تحديداً معنى إضافياً. 

اقرأ ايضاً : ملخص كتاب ” علاقات خطرة” للدكتور ” محمد طه ” – من هنا

أسئلة ريحانة جباري

وسيجد القارئ أن الرواية تطرح طوال الوقت أسئلتها بطريقتها الخاصة عن الحياة ومعانيها وتجلياتها المختلفة، فهل الحياة هي ما نعيش أم ما يتبقى منا؟ هل يمكن الإنسان أن يصنع حياة أخرى من خياله؟ وهل يمتلك الإنسان القدرة على البحث عن الحياة إلى آخر نفس كما نرى في بعض تصرفات ريحانة والسجينات

وهل تكفي أحياناً حياة الحلم لتعويض الحياة الواقعية المفقودة، فخيالها كان يحمل حياة، وأحلامها مع أمها حياة أخرى، وصحبتها لوداع الفتاة التي علقت في الحرب بين العراق وإيران وشكلت لها ريحانة حياة كاملة من خلال لوحاتها كانت تحمل حياة ثالثة… وهكذا. 

ونستطيع القول أن هذا الدمج بين أكثر من شكل للحياة. وصل ذروته مع دمج بين الحياتي الواقعي وبين ما يمكن أن نسميه (الحياتي الرسائلي). فالرسائل بين ريحانة وبين حبيبها (إيوان) حملت كثيراً من التفاصيل الدقيقة . لدرجة أنها كانت تتداخل أحياناً مع السرد المحكي لتكتشف في منتصف هذا الجزء من الرواية أو ذاك.

أنه ليس كلاماً على لسان الراوي وإنما هي حكي من ريحانة إلى إيوان في إحدى الرسائل. مثلما حدث في حادثة خروجها من السينما لتواجه هي وصديقتها مع الأخريات هراوات الجماعات المتشددة. ليحدث التماهي في هذه اللحظة تحديداً بين حياة ريحانة داخل الرسائل وحياتها خارجها،. فكما تستخدم الرسائل كمهرب في وقت الضيق كانت تحاول وصديقتها الهروب من هراوات المتشددين حين الخروج من السينما.

السنة والشيعة.. الحقل الشائك

إذا كان من مهام الفن الإشارة إلى مواطن المرض مباشرة، فإن الرواية انحازت بوصفها عمل فني بالأساس إلى الإنساني العام فقط، حتى في أكثر القضايا اشتباكاً وتمييزاً، كتناولها مثلاً لتجليات التفرقة الصارخة بين السنة والشيعة داخل إيران، ، فأبو ريحانة ليس نموذجاً للسني الذي لا يخطئ، وإنما هو مجرد (مؤمن حشاش)

يعاقر الخمر وقت الضيق، ويتحدث في السياسة، ويهادي جاره الشيعي ويتزاور معه وبينهما كل الود، لكنه –كل المؤمنين البسطاء- من الممكن أن يحتد عليه لدرجة أن يتعاركا بسبب سخرية الآخر من واحد من شيوخ أهل السنة في إيران، لتحقق الرواية ما ينشغل به الفن حقيقة من رصد تداخلات النفس البشرية بكل تناقضاتها.

وكذلك ستجد أن ريحانة التي تعيش ضمن فئة أقلية (السنة) يوافق هواها هوى الحكومة -دون ترتيب- حين تصر على اختيارها دخول الفيلم الهندي مع صاحبتها دون الفيلم الأمريكي، ثم تخرج لتجد مع صديقاتها العديد من المتشددين يريدون الفتك بهم في مشهد عبثي للغاية، وكأن ريحانة هنا تعادل ملايين الأفراد من مختلف يوافق هواهم هوى الحكومات دون قصد

لكنهم قد يتلقون العقاب ذاته من باب أن الحسنة تخص والسيئة تعم، ومن باب أننا أحياناً نكون في نظر الحكومات مجرد أرقام، لا معنى لاسمك وإنسانيتك واختياراتك وطموحاتك وتطلعاتك وتفاصيلك الصغيرة التي هي في نظرهم تخصك وحدك.   

ولعل اسم “إيوان” بكل دلالاته التاريخية الفارسية ومعانيه في الفارسية والعربية يوحي بالاتساع والبراح وقت، وهو ما كانت تبحث عنه (ريحانة) العبودي طوال الوقت، سواء في سجنها الكبير (إيران) كسنية داخل مجتمع شيعي متشدد، أو كسجينة متهمة ظلماً في قتل ضابط مخابرات إيراني سابق، وامتهن الطب وقت أن حاول استدراجها للاعتداء عليها

عالم الرواية بين عالمي مصر وإيران

نحت الكتاب بقصد أو دون قصد قناة بين هموم المواطن الإيراني وهموم المواطن المصري بشكل من الأشكال، وهي هموم ربما تتشابه في الأسباب وفي النتائج كذلك، فكلاهما يعيش في بلد شرقي، عدد سكانه كبير، وموقع دولته محوري استراتيجيا، فسنجد أن حادثة الإرهاب التي قتل فيها عدد من السياح في جنوب إيران ستستدعي لدى القارئ زمن الحوادث الإرهابية التي وقعت تباعاً في جنوب مصر للعديد من السياح على أيدي متشددين، فلا فرق هنا بين التكفير والهجرة والجهاديين في مصر وبين “مجاهدي خلق” في إيران.

فسنجد أن الكاتب المصري لم يغب عنه مواطن التشابه بين مصر وإيران تحديداً، مجتمعياً، لدرجة التشابه في تركيبات الشخصيات وملامحها النفسية، وكذلك حضور بعض العادات الاجتماعية من جهاز العروس وشكل الحارة وحدود حريات الفتيات والنساء، والضغط الاقتصادي على حساب المواطن بحجة إقامة مشروعات كبرى، والعمليات الإرهابية ضد السياح ذاتها في جنوب مصر/ جنوب إيران في أوقات مضت.

حتى أن الأسطورة وحضورها في أكثر من بيئة مصرية وبخاصة بيئة الصعيد سنجد أن العبودي لم يغفل عنها في استدعائه لأسطورة الغراب، فيزاوج بين ما دونه العرب شفاهياً في أساطيرهم من أنه سرق قديماً جناحي ديك ليطير بهما بعد أن أغواه بشرب المسكرات، ليكتنز الغراب هنا بحمولات دلالية جديدة ربما تزاوج بينه وبين شخصية الأب الذي ربما كان يتراوح حاله بين الديك المصلي المؤذن وبين الديك الذي يسكر في بعض اللحظات ليفقد جناحيه.

هل تكون نقطة قوة الرواية نقطة ضعفها في آن واحد ؟


نقطة قوة الكتاب في ظني هي ما أنتجت نقطة ضعفه فالرهان هنا قائم على إنتاج رؤية جديدة من حادثة معروفة تفاصيلها بالفعل. والقارئ هنا لا ينتظر نهاية مباغتة يمكنه معرفتها من جوجل. وإنما ينتظر رؤية جديدة للقصة. وهو ما أوقع الرواية في بعض المواضع القليلة في منطقة الاستطراد الذي لم يضف جديداً إلى تلك الرؤية . إلا قدرة الكاتب اللغوية لا أكثر، لكنها لم تكن بالقدر الذي يؤثر على جودة العمل بشكل واضح. 

جدير بالذكر أن الرواية وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة راشد بن حمد، وتعد العمل الثالث عشر لصاحبها. والذي فاز عن روايته الأولى “رأس العبد” بجائزة الشارقة للإبداع العربي في 2012. 

ويحرص موقع أخر مترو على تقديم افضل الكتب لأفضل المؤلفين و تقديم جديد جميع عادات الكتاب الغريبة مثل “اغرب عادات الكُتاب مع الأكل”
اقرأ ايضا : ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض للدكتور” محمد طه”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى