حصرياً.. جزء من رواية السمراء المنكود للكاتبة نسمة الجمل | معرض الكتاب 2021

“نيويورك 1970” كَان ليلُ الشتاءِ ساكنًا، الهواءُ دافئًا حزينًا، يداعبُ وَجْهَهَا وكأنَّه يُواسيها، ظلَّت قطرات من الدموع معلقة في رموشها السوداء، توسدت برأسها منتصفَ الزجاج تتأمل السماء من خلف نافذته، ثم تتضح الرؤية أكثر فيظهر لنا الوجه الأسمر بملامحه الضخمة بعض الشيء، تفتح الشرفة لتلامس قطرات المطر الباردة وجهها مع برودة الجو، فتسري في جسدها لسعة قوية، فترتجف شفتاها ويصبح وجهها أكثر ميلانًا للزرقة. ارتسمت على شفتيها شبحُ ابتسامةٍ وهي ترى انعكاسها في المرآة وتتذكر كلمات والدتها ”ضربك البرد يا خدرة” تقصد خضرة، خضراء اللون وهو ما يطلقه بعض السودانيين على بعضهم.

هربت من عينيها دمعةٌ محتها في خجل، يا لهذا الإجهاد الذي يتقاسم تعابير وجهها، ويا لهذا الانكسار الذي يغزو عينيها، هناك شيء مخيف وراء ملامحها الكبيرة، هذا الليل الساكن يبكي، والأشجار تنحَنِي والبيوت تُهجَر والأعمدة تنكسر وحتى الورود تنغلق على ذاتها أمام حزن هذه السمراء.

فتقرأ أولى سطورها لينقبض قلبك وتتوقف أنفاسك، وتتأمل حروفها: “أنا ليم أُدَوِّنُ كلَّ شيءٍ في دفتري حتى لا أنسى، فنحن عائلة تصاب بآلزهايمر، حدث لجدي وأبي من بعده وأخشى أن يأتي الوقت ولا أعرف أولادي كما يفعل أبي، أنا الفتاة السمراء سيئة الحظ، التي تعاقبها الدُنيا على شيء لا تعرفه”.

لم أفق من شرودي إلا على صوت الطبيب الذي يخشى على عيادته من المطر، معاتبًا بلطف: أغلقي النافذة ليم، الأمطار غزيرة اليوم..

أغلقت النافذة ثم استدرت ببطء والدموع تترقرق بعيني وقلت وأنا أحاول التحكم بحنقي عليه وعلى ظروفي هذه: السماء تبكي، حزينة مثلي، تواسيني، أنا واثقة من أن كلارا لها يد في هذا الأمر، أرجوك تحرَّ عنها، ألا تتذكر يوم قالت لي أن أترك آدام يلقى حتفه؟ لا تظلمي ليم، الظلم عقابه عظيم.. وأنا لا أتجنى عليها، فلقد كنت حاضرًا ورأيت عنصريتها وقسوة قلبها..

حاول الطبيب جون أن يجعلني أستثني كلارا من عقلي، وأستبعدها عن حادثة خطف آدام، معللًا أنها تعمل ملاك رحمة، ولا يمكن لملاك الرحمة الذي ينقذ الأرواح يوميًا أن يساعد في شر.. ترهات الطبيب لم تبدل في قلبي شيئًا، فلا يمكن أن أقصي تحديقها المنفر لابني آدام، فمنذ رؤيتها لنا وهي لم تحبنا أبدًا، عنصرية، عيناها الزرقاوان ووجهها الأبيض المليء ببقع “النمش”، قالوا إنها تكره السود وآدام ليس فقط أسود ولكنه أسود وقبيح ”تعرضت للكثير منها ولكنها كانت الأكثر غلظة”..

لو رأتها أمي لنعتها بالحليبة ”أي بيضاء البشرة” ولم تكُن لتفهمها كلارا، وكنت لأول مرة سأبتسم لكلمات أمي وتنمرها على أحد، فهذه كلارا تستحق أن تُعامل كما تَتَعامل..

في أول لقاء يجمعنا، وقفت ترمق آدام وترفض مساعدتنا، مشمئزة وكأنَّها تنظر لوحش!، بل كانت تؤخر كل مساعدة ممكنة لنا، قائلة:

صدقيني الولد إن مات أفضل. وقتها نهرها الطبيب جون،

قائلًا: المُفترض أنك ملاك رحمة، ولكنك شيطان قلبك مليء بالحقد والكره كلارا..

حضرتك تُلاحظ الولد ملامحه مرعبة؟

لا يخصنا، المهم أنه جميل في عيني والدته.

لو يعلم الطبيب جون كم نفرت منه وقسوت عليه، كم مرة بكيت ووقفت أمامه وتمنيت موته حتى تعود لي حياتي السابقة، وتبقى باقي أسرتي جميلة سعيدة، لكنني كنت أتعس من أن يستجيب الله لي بل وعاقبني على اعتراضي عليه وعلى هديته لأقف الآن أتمنى عودته بخير، ليس هناك أقسى من هذا الدرس أن يختفي ابنك ولا تعلم ماذا يحدث معه.. من وقت للثاني أتأمل هذا الدفتر بحقيبتي الذي فقده السيد طلعت سميح زوجي في حقيبتي، لا أعرف كيف حدث هذا حقًا، فالسيد طلعت سميح لم يكن ليسمح أبدًا بأن يتركه من يده أو يطَّلع أحد على ما بداخله، أشعر بأن وجوده معي ليس عرضًا، يريد الله أن يخبرني شيئًا، فأنا أؤمن برسائل الله، ولكنني مُرتابة بشدة مما قد أكتشفه عن عزيزي السيد طلعت، فأنا مؤمنة بأن بعض الأمور المجهولة تطيل عُمر العلاقات.. وهذا ما جعلني، أتجنب سابقًا النبش في الماضي، بل حتى أنني لم أسأله يومًا إن كانَ له علاقات أخرى قبلي. وهو بدوره لم يسألني عن حياتي السابقة، أعتقد أنه كان يدرك من هيئتي أنني شخص من صعب أن يكون له علاقات، بل كانت فرصة جيدة لي أن يفكر بي شخص مثله.

بالفعل لم يسبق أن أحببت أحدًا، أو أحبني أحد أبدًا، لقد كانت حياتي تتمحور بين السودان وكندا، كنت أجتهد كليًا في دراستي، وتعلمت الكثير من اللغات، ولذلك يستحيل أن أذهب إلى بلد ويصعب عليَّ التعامل فيه. ربما هذا حلم، أعيش تلك الأحلام كثيرًا منذ وُلِدت، حلم جديد أشعر فيه بالفزع بالقلق، من مستقبل مظلم وحاضر تعيس.. ولكنه للأسف ليس حلمًا، فـ آدام فُقد، ابني خطف اليوم..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى