حين فتحت صندوق الشات وكتبت: “صباح الخير يا صديقي، ماذا أنجزت في حياتك؟”

عملت فنجان قهوة بوش (صوت إشعار رسالة ماسنجر) | موضوع يوجع ويحطك في أوضة مرايات على غفلة وتبقى مش عارف تبص فين (صوت إشعار رسالة ماسنجر) | بسيطة، استناهم مني بكره (صوت إشعار رسالة ماسنجر) | أهلا عمرو، في الحقيقة وبكل صدق: لا شيء (صوت إشعار رسالة ماسنجر) | إني صحيت من النوم هههههههههههه(صوت إشعار رسالة ماسنجر) | ماشي حكتب في ورقة خارجية على نوت وابعتلك 😃 (صوت إشعار رسالة ماسنجر) | فكرة براند يا نجم هههههههههه (صوت إشعار رسالة ماسنجر) | والله يا عمرو أنا دلوقت في لعبة sniper وماشي في المستوى 13 ومتقدم الحمد لله هههههههه (صوت إشعار رسالة ماسنجر) | بس السؤال مربك جدا وواسع (صوت إشعار رسالة ماسنجر) | حلو السؤال ده والله (صوت إشعار رسالة ماسنجر)..

كانت هذه ردود الأفعال الأولى لأصدقائي الأولى على رسالتي المباغتة/ الساذجة/ غير المفهومة “صباح الخير يا صديقي، ماذا أنجزت في حياتك؟”، بينهم أصدقاء افتراضيون وأصدقاء واقع، منهم من أدين له بأستاذية ما، ومنهم من رافقته في رحلة إلى خارج البلاد لاستلام جائزة، ومنهم من آمنته أثناء الطعام في الشارع على سر شخصي خطير يعلمه كثيرون لكنهم يعلمون أنه سر شخصي خطير أيضاً، وبينهم من تعرف عني كل شيء.. كل شيء..

أصدقائي الشعراء ارتبكوا للحظة، قال لي صديقي الشاعر عمرو الشيخ: سأحاول وأنا أجيب أن أغمض عينيّ قدر المستطاع، وأن أخفي كثيرا من (الحقائق)، عسى صديقي القارئ ألا يلتفت مثلما التفتُّ مبكّرًا ويتساءل: الحقائق؟! وهل يجوز جمع الحقيقة؟

ربما توقيت السؤال كان مريبًا، لكن كثيرًا ما يفاجئني العزالي بطرح موضوع أكون منشغلا به، تماما كشعورنا بأن الفيس يتجسّس علينا ونحن نندهش من عروض الصفحات التي تطابق ما نفكر فيه، أو همسنا به لصديق ما! فمنذ مطلع هذا العام وأنا أفكر في هذا السؤال، لا لشيء إلا لأنني أقترب من الخمسين بعد أقل من شهرين.

أمل دنقل قلب الدنيا ولم يقعدها حتى الآن رغم أنه مات في الثالثة والأربعين، فماذا قدّمتُ أنا إلى الشعر؟ أو ماذا قدم لي؟ لم أتصعلك، لم أعان فقرًا أفخر باحتماله أو تجاوزه، لا تحمل ذاكرتي أي ليلة لم أجد مكانا لنومي مع( رفيق) ما، لم أعتقل، لم أنس من فرط الشعر موعد زفافي، لم أنتم لحزب أو جماعة، لم تلتقط صورة واحدة لي على سلالم نقابة الصحفيين، أو أي نقابة في وقفات الأبطال الذين غيروا اسم الرئيس أكثر من مرة، ولم أكن السبب الأول ولا الثاني ولا الأخير في رحيل مبارك ولا سقوط الإخوان، ولم أؤثر في يناير ولا يونيو ولا حتى أغسطس الذي ولدت فيه شخصيا لم أندم على شيء أكثر من ندمي على كوني شاعرًا، لكنني لم أستطع التوقف، ولعل هذا إنجازٌ وربما( إنجازًا على سبيل الخطأ) فالشعر حرمني من راحة عدم البصيرة، ومن سعادة اللامبالاة، ومن استرخاء ذاكرة السمكة.

فهناك ما تراجع رضاي عنه فنيًّا أو رؤيويًّا، وهناك ما وددت لو ألغيته تماما كديواني الثالث” أساطير الآخِرين”، لكن لا بأس يذكرني بمفاهيم سقطت تماما من قناعاتي فيجعلني أكثر هدوءا في تصدير أي قناعة؛ فلربما تتغير أيضا. أيضا أفكر في كتابة ديوان النسوان مرة أخرى من زاوية رؤية أخرى. ورغم ذلك أنا مؤمن تمام الإيمان أن تجربتي- رغم انتقادي لها كثيرا- لم تقرأ جيدا، ولم تنصف، لبعض صفاتي الشخصية غير النادم عليها. لذلك لم أنجز من الشعر مالا أو نجومية كنت أستحق البعض منهما، ربما أكون حزينا لكنني غير نادم. وربما أكون متوهما؛ لكن الوهم متعة وراحة وأنيس لطيف جدًّا.

أنجزت من وراء الشعر بعض الأصدقاء الذين يغفر وجودهم في حياتي ما تقدم للوسط الأدبي والفيسبوكي ما تقدم وما سيتأخر، وأظنهم يعرفون أنفسهم. أنتظر في الفترة القادمة الأفضل ليس لأنني سأضيف أو أُنصَف بل لأنني مقبل على مرحلة عمرية تجعلني مرشحا أن أكون واحدا ممن يحتمون بالسن ويتحصنون به نوعا ما إذا كان في العمر بقية. أعرف عددا كبيرا من المبدعين يحميهم السن في مصر.

لا أستطيع أن أقول إنني مدين لمن جعلني أبصر أعمق، وأتألم أشد، ويذكرني كلما ادعيت النسيان.. لذلك لم أنجز شيئا نعم، لم أنجز شيئا في حياتي على مستوى الشعر فالشعر ينجزنا يستهلكنا، تماما كالزمن يعيشنا ويستهلكنا إنجازي الحقيقي أراه أو أتصوره في الحياة، من خلال: بعض الطلاب الذين أثرت فيهم بإيجابية في رؤية أنفسهم فوجودهم فمستقبلهم. وإنجاز آخر بيولوچي لا فضل لي فيه وهو حبيبة، فريدة، ليلى اللائي أتحن لي فرصة أن أطبق بعض ما أدعي من مبادئ، يكفي أنني لم أمس رصيدهم الإلهي من الحرية والإنسانية. ….

كنا في غنى يا عمرو عن هذا السؤال الذي أزاح الزجاجة والكأس وجعلني أعيش في حالة الأغنية العظيمة (بانو) للسندريللا الحقيقية الوحيدة التي لم يفتش عنها أي أمير”.

قد تكون صورة لـ ‏شخص واحد‏

كنت أظن بدرجة ما أن سؤالي سينفد إلى قلوب أصدقائي مباشرة لسبب ما، لكن ليس لدرجة أغنية (بانو)، ظننت أنه سيحدث في عقول بعضهم ما يشبه فوضى ترتيب البيت في ليالي رمضان الأخيرة لاستقبال عيد/ إشراق ما.. وقلت في نفسي ربما يجدون فيه ما يحفزهم لصياغة إجابة ما تعينني أنا على رؤية وإداراك ما أنجزت في حياتي..

لكن الارتباك أصابني أنا الآخر حين قال لي صديقي الشاعر سعيد عبد المقصود عن نفسهخباز وأنجزت خبزا كثيراً.. لا أملك القدرة على رصد ملامح ملموسة لهذا السؤال المربك الذي وضعني أمام عمر كامل طوفت فيه وأخذت حقي من كل ما تمنيت.. نعم كل ما تمنيت..

أنجبت ولدين وبنتين وأربعة كتب شعرية وملايين الارغفة وبعض الاصدقاء وبعض الزائرين لقلبي.. لنعد إلى السؤال ماذا انجزت.. يا الله ! لم أنجز إلا ما يثبت أن لا شيء هناك وأن رغيفا أطعم منه أولادي يساوي آلاف القصائد..

إن سؤالا يدور بعقلي الآن: لماذا ورطت نفسي في الاجابة عن مثل هذا السؤال؟”…

بالمناسبة، أو بدون مناسبة، صديقي الشاعر سعيد عبد المقصود الذي قال ما قال كان أصغر امين عام لمؤتمر أدباء مصر سناً، وأصغر مُكرَّم في المؤتمر ذاته، وشاعر يُعرف بنصه ويُعرف به نصه..

قد تكون صورة لـ ‏‏سعيد عبد المقصود‏‏
الشاعر سعيد عبد المقصود

وكانت إجابة صديقي الفنان اللامع أحمد الرافعي من نوع خاص.. أحمد يفضل الحديث بأريحية على الكتابة، لا يجيد التفلسف أو الحديث على أكثر من مستوى أو في أكثر من بعد.. يدرك ملامح ما يفعل وحدود ذلك، أخبرني أنه أراد أن يكتب لي “تعلمت” فقط! لكنه بعد نقاش كتب لي “أنعم عليّ الفتاح أن ألهمني المداومة على التعلم فصارت لي حياة بعد أن عشت ميتا”.

أراد الرافعي أن يكتفي بهذه الإجابة لكنني طلبت منه توضيحاً للأمر، فقال لي في رسائل صوتية “أنني لا أظن أن ما حققته سوى محض فضل وتوفيق من الله لا أكثر.. زوجتي.. أولادي.. وعلى مستوى شكر النعمة وفعلاً كل ما أفكر في حاجة إني ما أنجزتش أي حاجة وده خلاني مطمئن أكتر إن مافيش نتيجة حتمية بين الأسباب والنتائج.. مش احنا اللي بننجز صدقني، احنا بنعمل حاجات بسيطة جداً بيترتب عليها نتائج كبيرة جداً”..

قد تكون صورة لـ ‏‏‏شخص واحد‏، ‏لحية‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏
الفنان أحمد الرافعي

أما صديقي الروائي والمترجم أحمد سمير سعد تعامل مع السؤال بهدوئه المعتاد -هذه نعمة ألا تكون شاعراً- وقال “هو أحد أكثر الأسئلة صعوبة، لا لأنه يضعك مباشرة في مواجهة مع الذات لكن لأنه يضعك كذلك في مواجهة مع مفهوم الإنجاز نفسه، إذ أنك مع مرور الوقت تكتشف أن أكبر الإنجازات وأهمها هي أشياء بسيطة تماما، تتعلق براحة البال والقيام بعادات بسيطة تماما والاستمتاع بها مثل القراءة والكتابة والتأمل واللعب مع الصغار ومطالعة مشهد طبيعي جميل وتناول مشروب محبب.

لكن هذا على كل حال لا يعني التوقف عن محاولة طرق أبواب جديدة أو العمل على تحقيق نجاحات في مجالات التنافس الإنساني عموما، لكن القيام بذلك مع وضع في الاعتبار أن السعادة الحقيقية قد تكون مخفية في أمور أبسط كثيرا.

أظن أن الانجاز الأكبر والأهم الذي أصبو إليه سعادة أسرتي وأمانها، أحرزت بعض النجاحات في مجالات العمل والدراسة وحصلت على دكتوراه التخدير لكن الدرب ما يزال طويلا كذلك، كما حققت بعض النجاحات أيضا في مجالات الكتابة الإبداعية الأدبية والترجمة ومؤخرا تبسيط العلوم كذلك، لكن الطموح ما يزال كذلك أكثر كثيرا من كل ما تحقق..

قد تكون صورة لـ ‏‏‎Ahmed Sameer Saad‎‏‏
المترجم والروائي أحمد سمير سعد

أما ملاك رزق، وبالرغم من أنه سارد مميز للغاية إلا أنه ارتبك من سؤالي للوهلة الأولى، لكن في نهاية اليوم باغتني في صندوق الرسائل بقوله ماذا أنجزت في حياتك؟ السؤال مربك، غير مريح، ينفضك بطريقة ما، ويجعلك تقف على جانب الحياة لتفكر. السؤال أعادني لذكريات قبل سنة من الأن عندما أصابني وباء “كوفيد19” وعزلت نفسي داخل غرفة ضيقة لمدة 22 يوم ومعي اللاب توب والأنجيل، أدوية وأنا, كان هذا السؤال هو ما يؤرقني ماذا لو مت الأن كيف سأقف أمام الله؟ سيسألني ماذا فعلت بحياتك، ماذا سأجيب حينها؟ الحياة الحقيقة حسب نظرتك لها..

هناك من يقول تزوجت ولي أولاد وعائلة تحبني. جمعت ثروة. مشروع ناجح! محبة الناس. إلى الأن لا أعرف ماذا يجب أن يسعى الإنسان ما دامت النهاية هي الموت، ربما الأعمال الصالحة وإرضاء الله! أنا لم أتزوج، ولا أؤمن بفكرة الزواج في الحقيقة. عملي غير ثابت وأتنقل من وظائف غير مهمة وعادية. لكن.. ربما قراءة الكتب، والكتابة؛ أفعال أخترتها وأشعر بحرية داخلها، ولي روايتان. إلى الأن لم أحقق ذاتي في الكتابة، ولكن أعتبره منجزي في الحياة! هل هذا يعتبر إنجاز، ما يشعرك بفخر ورضا؛ حتى لو كنت سبب في ابتسامة طفل! هل سأكون راضيًا عند لحظة موتي!

يا الله لست أملك أموال لأتصدق بها على الفقراء أو فضائل من التي تعجب الناس… ليس معي غير بضعة قصائد بالية في جيبي وبعض الحكايات وأراء بعض الناس قرأت كتبي فأعجبتهم هل تقبلها يا الله، هل تقبل عطايا من الأفكار؟

قد تكون صورة لـ ‏‏‏٢‏ من الأشخاص، بما فيهم ‏ملاك رزق‏‏ و‏منظر داخلي‏‏
ملاك رزق – روائي

أصدقائي جميعاً أصحاب منجز، لكنهم رغم المنجز ارتبكوا بدرجات ومظاهر متفاوتة من سؤالي المفاجئ لأنهم كما قلت أناس حقيقيون (يمكن بتوع البيزنس دول جاحدين وقلبهم قاعد، ما عدا صديقي محمد مسعد).. محمد وهو مدرب ومحاضر وبيزنس ديفيلوبر (قد الدنيا بجد في عيني بمنتهى الانحياز) كتب إلي “ماذا أنجزت في حياتك ؟ اتسألت السؤال ده أول حاجة الصبح بعد ما صحيت من النوم.. فقريتها: ماذا أنجزت في حياتك اليوم؟ فجاوبت تلقائيا إني صحيت. وبعد ما عرفت إن السؤال عن الحياة عموما، افتكرت قد ايه أنا براجع نفسي في قصة الانجازات بشكل دوري، ما بين طموحات بكتبها في أي ورقة ايدي تيجي عليها، وما بين انجازات صغيرة بتديني الدافع عشان افضل مكمل.

فيه نظرية فلسفية فيزيائية اسمها .. تأثير الفراشة .. butterfly effect .. كان اتعمل عليها فيلم أنا كنت شفته في 2007 .. وفاكر جملة واحدة من الفيلم كله (إن رفرفة جناحات الفراشات في أفريقيا بتعمل إعصار في تكساس – أمريكا) دليل على إن الأحداث متناهية الصغر، قد تشكّل نتائج هائلة الاتساع .. في ٢٠٠٩ واحد صاحبي طلب من برنامج لتعليم الكتابة ع الكيبورد .. عشان كنت باخد كورس ICDL م الجميل جبت له البرنامج وأخدت نسخة، ولمدة ٢٠ دقيقة كل يوم أتقنت طريقة الكتابة من غير أبص ع الكيبورد “ايه التفاهة دي”..

حدث بسيط جدا، بس ده كان السبب في: ٢٠١٠ بدأت اشتغل فري لانس في الكتابة في مجالات مختلفة ٢٠١١ وانا شغال في مكان شغل ورقي .. اقترحت إنه يكون الشغل كله من خلال برنامج .. ٢٠١٢ اشتغلت في الشركة اللي عاملة البرنامج .. ٢٠١٣ دخلت الجيش فاشتغلت في مكتب النظم عشان بعرف اكتب كويس .. ٢٠١٣ في نفس الجيش .. أخدت جزا وقعدت ٣ ايام في السجن .. وطلعت عشان انا الوحيد في الوحدة اللي بعرف اكتب كده .. ٢٠١٤ اشتغلت في سنتر دروس اتعرفت على صاحبه لما كنت شغال في شركة البرمجة .. واشتغلت طبعا في الكتابة والديزاين كمان ٢٠١٥ في شغلي حولت الحسابات من النظام الدفتري إلى النظام الحاسوبي “حلوة حاسوبي دي” واشتغلت عليه ..

٢٠١٦-٢٠١٧ البرنامج ده اشتغلت بيه معظم المحلات أو الشركات اللي كانت بتستخدم حاسوب في الصناعة دي .. ٢٠١٩ اشتغلت في شركة تكنولوجيا طبية .. وكان السبب الوحيد إني أتقبل في الشغل هو إني tech oriented .. ٢٠٢٠ اشتغلت في أكبر شركة outsource في العالم .. اللي مش هينفع أشتغل فيها إلا لو أنا tech oriented .. ومن أجل المصادفة كان فيه اختبار كتابة .. وكان على نفس البرنامج اللي اتعلمت عليه قبلها من ١١ سنة ٢٠٢١ شاركت في مكتب بيشتغل بس في الديجيتال ماركتينج ..

المفارقة بالنسبة لي كانت إن البرنامج ده كان اسمه Typing Master اسم الشركة Digital Masters الحاجات البسيطة اللي بتعملها بشكل متتابع هي اللي بتصنع الانجازات الكبيرة . بس مع الوقت .. وهو ده أكبر إنجاز أنا شايف إني حققته، إيماني بالانجازات الصغيرة اللي بتخليني أكمل ..

قد تكون صورة لـ ‏شخص واحد‏
محمد مسعد – مستشار ومحاضر في البيزنس

أصدقائي مختلفون في العمر والمشارب والميول والعمل لكنهم، بلا استثناء، حقيقيون، هم أبطال حكاياتهم ونجومها، لديهم من الحزن ما يكفي لأن يكونوا نبلاء وواضحين، ولديهم من الأحلام ما لا ينفد.. ومن الإنجازات الكبيرة في أعين الناس ما يباهون به.. شاعر، ومونتير، بوكتيوبر/ سينارست، أستاذ جامعي، وفود ستايلست/ كاتبة، وفود بلوجر/ كاتبة، وموسيقي/ كاتب، ناشر، بيزنس ديفيلوبر.. ومنهم كذلك أحمد عمرو ويعمل HR وVoice over (وهو من الإتش آر الطيبين وفويس أوفر وكاتب فنان جداً معاً لأول مرة) الذي كتب إليّ :

السؤال ده ساحر! خلاني أراجع كل اللي شايفه انجاز في مسيرة الـ 30 سنة. والصراحة أكبر وأهم انجاز أخد مني سنين. حاولت فيه بصبر وطول بال كأني بحارب. يمكن ليقيني التام إني هوصل وأحققه، وبمجرد ما تحقيقه يتم، تبدأ مسيرة الإنجازات الجاية في الاكتمال. انجازي الأكبر والأهم: إني اتجوزت البنت اللي حبيتها وإحنا لسه في الجامعة، وهي دلوقتي الأم الجميلة لطفلين. ليها الفضل في تحقيق إنجازات في مجال الكتابة وباقي اهتماماتي. هي الإنجاز!”.

قد تكون صورة لـ ‏‏‏‎Ahmed Amr‎‏‏ و‏نص مفاده '‏‎PhotoRoom®‎‏'‏‏
أحمد عمرو – HR و V.O وكاتب

أما هبة عبد العليم صديقتي الافتراضية (والإنفلونسرالوحيدة بين أصدقائي) فقد اهتمت للأمر رغم أنها استقبلت رسالتي وهي في المترو في حال آخر، حيث تنشغل بفكرة ثاني أعمالها الروائية، وتحتفل هذه الأيام بوصول صفحتها على فيسبوك (هبة في المطبخ) إلى مليون متابع فكتبت إلي بعد مرور يومين تقريباً على رسالتي الأولى “في المترو بينما الطريق طويلا والملل يلف اللحظة يصلني سؤال مقتحما صندوق رسائلتي. أربع كلمات فقط تدخلني في حيرة: ماذا انجزت في حياتك؟ لأصدقك القول أشعر أنني لم أنجز شيئاً. كأنني أعدو في صحراء. سراب يليه سرابا يليه سراب. كلما أمسكت بيدي شيئا اكتشف أن حلمي هو الشئ الذي يليه.

أنا لم أشعر بالانجاز أبدا. كل يوم أعدو .. لا أنا أصل ولا الطريق ينتهي. منذ شهور قليلة أنهيت كتابة روايتي الأولى. كان من الأولى أن استريح وأن أهدأ. لكن فكرة الرواية الثانية داهمتني. فعدت إلى مكتبي مرة أخرى لأكتب.

منذ أيام جاوز عدد متابعي صفحتي المليون. هذا عدد كبير. يشبه جيشا يحمي دولة. كان من المفروض أن أهدأ لاحتفل. لكني بدأت في التفكير لتطوير المحتوى الذي أقدمه لهذا الجيش. تسألني عن الإنجاز. انا لم أنجز شيئا. أكتب رواية جديدة وأطور محتوى لأقدمه لما يزيد عن المليون متابع. مازال الطريق طويلا لأقول لك ماذا انجزت”.

لا يتوفر وصف.
هبة عبد العليم- كاتبة وفود بلوجر

ومن أصدقائي الذين يجمعون بين موهبة الكتابة وموهبة الطهي صديقتي الأقرب رشا عطا -زوجتي- التي استوقفتها أثناء مرورها أمام غرفة مكتبي ” بعتت لك رسالة على الماسنجر.. ابقي شوفيها يا رشا .. ضروري”.. لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا كنت أنتظر إجابة رشا التي أرسلت إلي قبل نشر الموضوع بقليل قائلة بالرغم من إن الزواج والإنجاب لا يعتبر إنجار لكنه كان باب مهم جداً لدخولي عوالم تانية جوا نفسي اكتشفها وأشوف نفسي فيها وأقسامها وأحاول جاهدة أنجح فيها وأكون فيها الراعي الصالح أما على المستوى الشخصي فتحت على نفسي أبواب كتير حتى وصلت لأكثر طريقين بيشبعوا شغفي ومازلت أحبو فيهما وكلاهما لا يربط بالآخر أيما ارتباط ولكن أجد فيها سعادة ووجود بشكل من الأشكال

عملت مدونة للطبخ وبأقدم فيها كل خبراتي وبأحاول أكون مصدر طاقة إيجابية وصاحبة محتوى عربي هادف أما الأحب لقلبي هو الكتابة بعد توقف أكتر من 15 سنة رجعت للكتابة تاني بمسرحية للأطفال وكتاب نقدي فائز بجائزة الشارقة الإبداع العربي ومجموعة قصصية للأطفال لم تكتمل بعد…. لا أعرف ماذا أنجزت تحديداً، لكني عارفة إني حققت اللي أنا قلته ده”.

قد تكون صورة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏حجاب‏‏
رشا عطا- كاتبة وفود بلوجر

كان سؤالي مباغتاً لرشا، مربكاً لها نظراً لطبيعتها المسالمة النقية والمرتبكة إزاء أبسط الأمور، لكنه لم يكن (قدمه وحش) مثلما كان مع الكاتبة الجنوبية المميزة تيسير النجار.. تيسير تكتب في هدوء، وتمرض في هدوء، وتشفى في هدوء، ولم ترسل إلي إجابة ظناً منها أنني قد أنجزت المادة بالفعل حتى نبهتها إلى ذلك فكتبت إلي -دفعة واحدة- “اليوم، حين قررت أن أكتب عن الإنجاز، ناداني أبي كعادته، وسألني عما أفعل، كنت أناقش صديق في مخطوطة روايته، فمزح بسخريته المعتادة، أن تكون ابنته الصغرى موضع استشارة، فابتسمت له، ثم أكمل قائلاً: أنتِ يا تيسير أفضل من كل رجال القرية، فعلت ِ ما لم يفعله أحد، أخبرني أنه قال لصديقه، ابنتي تكتب باسم تيسير النجار، ابحث عنها ستجدها، من مثلها؟ خفق قلبي، وشكرته ودعوت له بامتنان حقيقي.

قد يبدو الأمر عاديًا، لكنه ليس كذلك مقارنة بحياتي، فأبي تجاوز السبعين من عمره، وهو رجل قروي وابن بيئته، البيئة التي لم تشهد أي قيمة للعلم أو نتاج له، يصلها عن بعد أن هناك بعض المرفهين من يكتبون القصص والروايات في أوقات فراغهم، لم يروا شخصًا تكون الكتابة قضيته وحربه وهو منغرس في طين قريته ويتعثر في أحجارها. أول طبيب نفسي زرته أكد أن أبي لن يتغير، لكن أبي تغير، وأنا اتغير، وبنا سنغير النجع والقرية والعالم. أنا أشعر بالانجاز والفخر”.

قد تكون صورة لـ ‏‏‏‏تيسير النجار‏‏، ‏‏وقوف‏، ‏حجاب‏‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏
تيسير النجار – كاتبة روائية

أما صديقي الكاتب والروائي الكويتي عبدالوهاب الحمادي فكان منجزه في فكرة الرحلة ذاتها، بكل تجلياتها فكتب إلي: “ماذا أنجزت في حياتك؟ أهو سؤال سهل؟ لا أظن ذلك لأن ذاكرتي حينها كذاكرة أناس كثر تحيلني على مالم أفعله. تحيلني على ما حلمت بأن أنجزه وفشلت. لكن لندع الحديث المتمسح بالفلسفة والتأمل البلاغي جانبا وأجيب على مالم أفعل.

هذه قائمة قصيرة: أريد أن أكتب رواية تبقى في الذاكرة، هل أستطيع ذلك؟ لا أدري.. فقط ما أدريه أنني سأظل أحاول كتابة رواية تنجح في اختراق طوفان الروايات السنوي، تنجح في اجتياز قانون داروين: البقاء للأقدر قدرة على التكيف. حديث دارون لا يخص المخلوقات بل يتعداه للأدب حسب ظني. سأظل أحاول صناعة سياحة ثقافية عربية، أتابع ما أفعله منذ مايزيد عن ١٠ أعوام. القيام برحلات جماعية لاكتشاف حضارات وتاريخ وعادات وتقاليد الشعوب وآدابها. أن أطور من هذه الرحلات لتضم أكثر من لغة فتتسع المساحة.

سأظل أقرأ وأستمتع بالقراءة، أقرأ كتبا عظيمة فأستمتع وأقرأ كتبا تافهة فأتعلم. لا أريد أن أفقد الرغبة في القراءة المستمرة. أريد أن أعود لمشاهدة الأفلام السينمائية مرة أخرى بعد انقطاع ذلك الزخم القديم. أريد الانفتاح على الفنون الكتابية الأخرى التي أرتادها للتجربة مثل القصة القصيرة والمسرح لكني لا أجرؤ على نشرها. عبر هذه الرغبات ربما أجبت ضمنيا على السؤال الذي أجده صعبا جدا.

قد تكون صورة لـ ‏شخص واحد‏
الكاتب الروائي الكويتي عبد الوهاب الحمادي

أما صديقي الناشر أحمد فتحي والذي سيدخل إلى حلبة معرض القاهرة الدولي للكتاب كصاحب دار نشر للمرة الأولى فقد كتب إلي: “قد يبدو السؤال من الوهلة الأولى صادما ومربكا بعض الشيء ويحتاج لكثير من التأمل واسترجاع الذكريات، وهو كذلك بالفعل. فالحياة مليئة بالعثرات والمحطات التي تستوجب الوقوف عندها، وأيضا مراحل عدة كانت سببا ودافعا ومكونا رئيسيّ في تكوين الأنا على الصعيدين الشخصي والمهني.

لم يكن الطريق أبدا مفروشا بالورود، وحقيقةً لم أكن أفضّل هذا النوع من الطرق أسوة بقول درويش “إن أردت الوصول إلى نفسك الجامحة، فلا تسلك الطرق الواضحة

مع نهاية المرحلة الثانوية كان مُخططًا أن أصبح مهندسًا، وهو الدرب الذي سلكه من قبل أعمامي وأبنائهم، وقد كان بالفعل، إلا أن درويش كان حاضرا مرة أخرى “حريتي أن أكون كما لا يريدون لي أن أكون” فزهدت العمل الهندسي وتركته دون رجعة، كإنتصارٍ أول لشابٍ متمردٍ خرج عن طوع أسرته.

أسرتني القراءة وقد شغفتني حبا، وأخذ مني الشعر مأخذه، فصرت أتنقل من طالب يدير جماعة أدبية، إلى طالب يعمل كمحرر صحفي، إلى رحّالٍ حكاء يسرد حكايات الشوارع القديمة وتاريخها، ثم العمل ببعض دور النشر لسنوات، إلى أن تحقق الحلم الأكبر: أحمد فتحي صاحب ومدير “معجم للنشر والتوزيع”..

قد تكون صورة لـ ‏‏‏‏‎Ahmed Fathy‎‏‏، ‏لحية‏‏ و‏منظر داخلي‏‏
أحمد فتحي- ناشر

كانت من المحطات التي توقفت لديها وأنا أبحث لنفسي عن إجابة للسؤال ذاته (وهذا لا يعني بالطبع أنني سأستعير إجابة/ حياة/ منجز أحد أصدقائي) هي محطة مشروعي الحالي آخر مترو، والذي بدأ بحلقات كنت أقدم فيها مراجعات للكتب على يوتيوب، وقتها كنت أعرف عمرو المعداوي البوكتيوبر والسينارست، بينما هو لا يعرفني، وأهم ما كنت أعرفه عن عمرو حياديته ذا فقد قال لي حين أرسلت له رسالتي الغريبة نوعاً ما كتب إلي: “أعتقد الإنجاز الأساسي الذي افتخر به طوال سنين عمري المتوسطة أني لازت أحيا قريبا من الفطرة، فلا نافقت أو كذبت أو تصنعت شيئا ليس بي. آمل ألا يتم وضعى تحت ظروف لا اتحملها فيتبين غير ذلك، لذا أسأل الله دائما الستر وعدم السؤال.

أعمل، ولدي أسرة صغيرة، وقناة يوتيوب صغيرة أيضا. أقدم من خلالها ما أحب وأرتاح فيه. يبدو أن هذا هو الإنجاز الأهم، أن أبقى دائما بجوار وفي الأماكن التي لا تسبب لي ضغطًا من أي نوع”.

قد تكون صورة لـ ‏‏‏شخص واحد‏، ‏‏شعر‏، ‏ملابس خارجية‏‏‏ و‏نظارة‏‏
عمرو المعداوي- بوكتيوبر وسينارست وكاتب محتوى

كانت إجابة عمرو هي فرصتي الأخيرة لانتحال إجابة لكنها كانت شديدة الخصوصية، لصيقة بعمرو ومنجزه، ولم أستطع استعارتها لتكون إجابتي أنا أيضاً، لكن يكفيني أنني على الأقل قد نفذت بسؤالي إلى مناطق أظنها كانت مبهمةً بالنسبة إليّ في نفوس هؤلاء الأصدقاء، بدرجات متفاوتة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى