حصرياً .. فصل من رواية “مثلثات فريدة” للكاتبة المصرية منال يوسف

لا بد لهذه الرواية أن تُكتب!

استيقظْتُ اليوم وفي ذهني بعض من صفاء يبدو ناتجًا عن نسياني تناول الدواء أمس، من الواضح أن أعراض الدواء الجانبية مرضٌ في حد ذاتها، لا بأس من الكتابة الآن، يصاحبني الوخز في أناملي الذي لا يتوقف أبدًا، بل يزيد عليه ألم في رأسي معظم الوقت وخصوصًا عند الصباح، ذلك الوقت الذي أُفَضِّل الكتابة فيه. أفكر في زيارة طبيب آخر، وأفكر أكثر في أن عليَّ الآن أن أكتب روايتي وأنتهي منها في أسرع وقت ممكن حتى يتمكن مني بعض الهدوء.

اقترح صديقي السكندري أن أُسرع بالكتابة، بل نصحني أن أعمل على تجميع كل الملفات التي اشتغلْت عليها وحدي دون أن يشاركني د. أمين في كتابة كلمة واحدة فيها، لكنني أردت أن أتخلص من الفكرة كلها والحبكة التي وضعها د. أمين، فلا أحب أن أجد في ثنايا روايتي رائحته أو عظامه كما أطلَق عليها.

بدأ شكِّي في د. أمين منذ مدة ليست قصيرة، كان الشك يراودني أحيانًا ثم يغيب، ثم يعود ليلح عليَّ مُسبِّبًا قلقًا يمنعني الاستمرار في الكتابة، فأتوقف مدة ثم أعود فأنجز في مدة قصيرة ما تأخرت عن كتابته. أول الشك حين طالبْتُهُ أن يرسل إليَّ ما يكتبه للاطِّلاع عليه، فبينما أواظب على الكتابة وإرسال ملفاتي إليه أولًا بأول، لا يرسل هو في المقابل أي ملفات، كل ما يفعل هو أن يشجعني على الكتابة، بل يتعجَّلني، في الصباح أستيقظ لأجده تاركًا في بريدي رسالة يستحثني فيها على الإسراع في الانتهاء مما اتفقنا عليه، وفي المساء يلومني على التأخير في ما وعدْته بإرساله من المشاهد التي ألزمْتُ نفسي بالعمل عليها ولم أفعل بعد، لكنه أبدًا لا يرسل شيئًا مما يكتُب في المشاهد التي كان من المفترض أن يعمل عليها في الرواية حسب اتفاقنا. سألته أن يرسل إليَّ ما يكتبه حتى يمكنني أن أُحَقِّق تفاعلًا جيدًا مع المَشاهد التي يكتبها، قد أستثمر أحدها بأن أُكمل عليه في مشهد آخر، فتتوالد المشاهد، ليحدث انسجامٌ أعلى في فعل الكتابة والنتيجة النهائية للرواية، لكنه قال:

  • المهم العَظْمُ، أنا وضعت الحبكة، وهي أهم ما في الرواية.
  • أتقصد أن العظم هو مشاركتك الوحيدة؟
  • لا يا بيبي، سوف أكتب طبعًا، لا تقلقي.

هكذا أسلوبه في التعامل مع الناس، فهذا صديقي، وتلك حبيبتي، ونعم يا قمر، ولماذا تأخرتِ يا جميل؟ لا بأس بالنسبة إليَّ ما دام يفعل ذلك مع الجميع وأمام الكل، كما أن سِنَّه وبعض ظروفه الصحية التي تعمَّد أن يخبرني بها في أول لقاء كانت تشفع له في تسامحي معه أحيانًا في بعض التصرفات التي وجدْتها مُستهتَرة تُنبئ عن خللٍ ما، لم أستطع افتراض وقت لاحتمالات نشوئه، وظننته مرتبطًا بظروف مرضه الأخيرة. فيما بعد بدأت أشك أنه كان مصاحبًا له منذ زمن بعيد.

اقترح هو ووافقت أنا على أن يظل مشروع الرواية سرًّا بيننا حتى نفرغ من كتابتها تمامًا، فاقترحت أنا ووافق هو بحماس ألّا ندع لأحد فرصة ليتعرف مَن كتب هذا الجزء أو ذاك من الرواية، وأننا لن نُرضي فضول الأصدقاء في التعرف على تفاصيل الكتابة المشتركة. لكنني فقدت صبري في نوبة غضب بسبب عدم مشاركته وطالبته بالكتابة وإرسال الملفات، وكنت قد قطعت شوطًا كبيرًا في الكتابة وحدي دون أن يظهر في الأفق أي علامة تدل على أنه قد كتب ولو سطرًا واحدًا، هنا طالبني بكتابة وصف لكل مكان بالرواية في أزمنةٍ متعددةٍ، في الليل والنهار، ووصف لشخصيات الرواية جميعها قائلًا:

  • الحقيقة، إنني وجدت أن أسلوبي سوف يكون مختلفًا عن أسلوبك وأريد أن أُقرِّب الأسلوب حتى يحدث تجانسٌ في الكتابة.
  • لا بأس، اكتب بأسلوبك ودعني أتصرف، سوف أراجع أنا من بعدك لأقرب ما تكتبه إلى أسلوبي ولا يشعر القارئ بأي اختلافات، فقط أرجوك أن تكتب؛ لقد أُرهِقت تمامًا وأنا أعمل وحدي.
  • ليس لديَّ أيُّ اعتراض على أي تعديل تُجرينه على ما سأكتبه.

أما أنا فكان لديَّ كل الاعتراضات على أن يُجري أي تعديل على ما أكتب، لكنني لم أُعَقب على كلماته تلك، لأنني وثقت بأنه لن يجري أي تعديل، فقد كان معجبًا تمامًا بما أكتب، كما أنني أدركت أنه لن يبذل أي جهد إضافي، فهو لم يفعل أصلًا ما يجب عليه ومن ثمَّ مِن أين له أن يعدِّل؟! وقد تحقق بالفعل ما ظننته.

أرسلت إليه عدة ملفات تحمل وصفًا لكل ما طلب، لكنه طالبني بمزيدٍ، والعجيب أنني على الرغم من قلقي المُسْبق منه، لم أشكَّ وقتها إطلاقًا بنِيَّته، ولم أشعر بمدى غفلتي إلا في اللحظة التي أخبرت فيها المحامي بالموقف الأخير الذي دفعني إلى اللجوء إليه. الحقيقة، لم أشعر أيضًا بالمصيبة إلا حين رأيت نظرة صديقي السكندري وهو جالس يستمع وأنا أحكي ما حدث، تلك النظرة التي تقفز من عين صديق لتجلد صديقه الذي وثق دومًا بذكائه: كيف تكون غبيًّا هكذا؟ وقتها أدركتُ مع صديقي السكندري كم كنت مغفلة، وحين تركته راجعةً إلى بيتي، راحت نفسي تذكِّرني في سخرية بحواري السابق عن قصة “المغفلة” مع صديقي العاشق لتشيكوف.

التشيكوفي، أستطيع أن أراه الآن في مطعمه الشهير رغم صغر مساحته، جالسًا في ركنه يدخن النارَجيلة، تَظهر من درج مكتبه المفتوح قليلًا نسخةٌ من أحد الأجزاء الأربعة لأعمال تشيكوف الكاملة، كتابٌ كثيرُ الصفحات، ذو غلاف أخضر سميك، عليه صورة تشيكوف بنظارته الطبية المستديرة، وبذلته الأنيقة، وعينيه اللتين لا يمكنك أن تجزم إن كانتا طيبتين أم محايدتين، يشمل التشيكوفي المكان كله بزبائنه وعُماله بنظرةٍ واحدة، يمكنه أن يعرف كل شيء، يحفظ جيدًا كل من زار مطعمه من قبل أو جلس ولو مرةً واحدةً، أو حتى عَبَرَ من أمام الباب، يستطيع أن يحكي لك عن علاقات الجالسين بعضهم ببعض، يقرأ شخصياتهم، ويفهم غالبًا فيمَ يفكرون، بل إنه يتوقع أحيانًا بعض تصرفاتهم، قد يخبرك إنْ أراد بكل شيء، لكنه بالطبع لن يفعل مهما كنت مقربًا إليه، اللهم إلا إن كنت أقرب أصدقائه، عندها ربما يمنحك جزءًا ضئيلًا جدًّا مما يعرفه، وسوف يستمتع بالاحتفاظ بالجزء الأعظم من الحكاية.

أسمع صوتَه اللائِم وقد ترك النارجيلة جانبًا، مثلما يفعل عادة حينما نجلس معًا:

  • ألم أقل لكِ من قبل إن هذا الرجل لن يكتب شيئًا؟!

تبًّا، لم يكن ينقصني بعدَ نظرة السكندري إلا لسان التشيكوفي!

لم أخلف وعدي لـ د.أمين عندما أخبرت التشيكوفي عن قصة الرواية، كان ذلك في إحدى مرات خلافاتي الطويلة معه، التي غاب فيها كثيرًا ولم يعد يهاتفني أو يرسل إليَّ يستحثني على الكتابة، وقتها ظننت أنها نهاية التجربة، وأن الفكرة قد فشلت، وأننا حتمًا لن نكمل معًا كتابة أي شيء. الذي أخلف الوعد هو أمين نفسه، وعلى إثرها حدثت مشادات كثيرة بيننا، والغريب أنها لم تكن بسبب نقضه الاتفاق:

  • أنا أخبرت صديقي وهو ناقد مهم، وأحببت أن أعرف رأيه.
  • وهل قرأ كل الملفات التي أرسلتُها إليك؟
  • لا أنا فقط أطْلعْته على الحبكة.
  • وكيف يحكم على عمل لم يقرأه؟
  • لا تغضبي؛ هو فقط قال إن دور المرأة ليس قويًّا، وأن العمل جيد لكنه مكتوب بسطحية، وأن المال في الرواية أتى سببًا رئيسًا وحيدًا للخطيئة. كل ما علينا فعله أن نُعَدِّل بعض الأمور ونزيد في الكتابة.
  • إذا أردت أن تأخذ رأي أحد، لا بد أن يقرأ العمل كله، وإلا فرأيه لا يُعتَد به، وأنا غير ملزمة بأي آراء ترد من أصدقائك.

لم يتوقف غضبي حتى عندما أقنعني بأن الناقد الصديق لم يقرأ سوى الحبكة، وعندما فكرت بهدوء في ما بعد تأكدت من ذلك بالفعل، فقد كان يوجد اختلافٌ فعليٌّ في الفِكر بين حبكة أمين وما حرصتُ على الترسيخ له في أثناء كتابتي، فقد التزمت بالحبكة التي أرادها، لكنني راهنت على أفكاري، فالمَشاهد التي كتبتها لم تشِ بما أراده أمين قط، كل حدث كنت أُحَمِّله ما أريد من خبايا النفس وصراعاتها، فلم أجعل المال مبررًا وحيدًا لأي خطيئة كما أراد أمين نفسه، بل إنني في كثير من الأحيان لم أجعله مبررًا على الإطلاق. والغريب، أنني أضفت إلى الرواية شخصيات نسائية وجعلتُ لها دورًا إيجابيًّا بحسب رؤيتي. ما كان يُدهشني ليس ما قاله الصديق الناقد، بل الذي أغضبني أن يأتي أمين إليَّ بحُكمٍ على شيء غير موجود في الأساس، وهنا لم أجد أمامي إلا أمرًا واحدًا:

  • كلامك يعني أنك لم تقرأ كلمة مما أرسلتُ إليك.
  • أبدًا، أنا قرأت كل ما أرسلتِه. فقط هو يريد أن تكون الكتابة أكثر عمقًا.
  • لو أردْتني أن أكتب أكثر، كل ما عليك هو أن تطلب مني ذلك؛ لا داعي لأن تستكتبني.
  • لا تقولي أستكتبك، وليكن في معلومك أنه في مقابل كل كلمة تكتبينها سوف أكتب كلمتين، وأن هذا عمل مشترك.

عاد يُحدثني عن العمل الكبير العظيم الذي يجب أن يكون فارقًا، وعلى مستوى مشاركتنا معًا في كتابته.

في اليوم التالي، كنت أضع في حقيبتي حاسبي المحمول، وفي المقهى المُطِل على البحر التقيته، فتحت ملفاتي واحدًا تلو آخر، وأخذت أُشير إلى كل موضع يؤكد كذب كل الملاحظات التي ادَّعى أن صديقه أبداها. لكنه بضيق وتعالٍ أشار إلى كوني لم أحدد على السطور التي أردت الاستشهاد بها بلونٍ مختلف، فأخبرته بتعالٍ أكثر حدة أنني من كَتَبَ، وأعلم كل المواضع التي أنوي أن أتوقف عندها، تركني أُكمل قليلًا عَرْض الملفات ثم طلب مني أن أتوقف وهو يقول في إذعانٍ لا يخلو من عجرفة:

  • لا بأس؛ ما دمتِ مقتنعة، فلنكمل.

توقفتُ عن إكمال مهمتي على مضض رأفةً به، إذ كان قبل دقائق قليلة قد انتابه الشعور بالتعب والاختناق الذي يراوده كل حين، واضطررت إلى أن أفك له رابطة عنقه، أخرجت مروحتي الصغيرة من حقيبتي وحركت له الهواء قليلًا حتى عاد نفسه إلى الانتظام.

لم يعد داعٍ إلى جلوسنا، أغلقت الجهاز وخرجنا من المقهى نستقبل هواء البحر، يفتح لنا صفحة جديدة وقد أدركتُ يومها أنه لن يكتب شيئًا، فحالته الصحية لن تسمح له ببذل أي جهد إبداعي، كما أنني لن أقبل بتسليم الرواية له ليُحَمِّلها بأفكاره وقناعاته. بَدَأَتْ الرواية التي لم أكن مقتنعة بها في بادئ الأمر تنمو في داخلي، وأزداد إيمانًا بها كلما حملتها قناعاتي وسبحت بها بعيدًا عن شاطئه الذي اكتشفت مدى ضحالته.

بدا الطقس رائعًا في الصباح الخريفي، السماءُ صافيةٌ، والشمسُ أرخَتْ أشعتها فانسكب الدفء على كل شيء، ومرت نسمات باردة لها رائحة النقاء. مد أمين يده ليمسك بكفي ببساطة كأنما هو فعل اعتيادي بيننا، فسحبتها في صمت المفاجأة، وعندما تركنا طريق البحر متجهين نحو الشارع الداخلي الواسع الممتلئ بالحركة والناس والعربات، أعربتُ عن جمال الطقس ورائحة الهواء، أكد ذلك وهو يهز رأسه مادًّا يده مرة أخرى، متحمسًا كطفل أقنع أمه أخيرًا بالخروج إلى الحديقة. أخذ نفسًا عميقًا:

  • أعطني يدكِ إذًا.

نظرتُ إليه وقد تركت كفي في كفه تلك المرة بعض الوقت؛ منتشيًا ومكتفيًا بضمة كف، في مكان عام، وفي وضح النهار، غير منشغل بمن يمكنه أن يلتقينا فيجد وضعنا غريبًا، غير منشغل بأحد، غير منشغل إلا بشيء واحد، شعور واحد لم أستطع فهمه، لم أستطع حتى الآن.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بمجرد أن بدأت في السطر الأول، أحسست أنه عمل مختلف، فعادة تكون بدايات الروايات حتى العظيم منها ممل. أما هذه فلا. لم أستطع التوقف ولم أنتبه حتى انتهيت من هذا الفصل.
    كتابة ممتعة تنبىء عن رواية واعدة. وهذا هو المتوقع من كاتبة بحجم منال يوسف، بعدما قرأت لها العديد من الأعمال الشعرية والقصصية، مثل (أوميجا3- صولفيچ )
    ألف مبروك للشاعرة والكاتبة منال يوسف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى