حصرياً.. قصة “صياد الألسنة” من المجموعة الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي 2017 للكاتبة السورية روعة سنبل

القصة من مجموعتها الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي 2017

  موقع آخر مترو يقدم لكم اليوم نصاً خاصاً للمبدعة السورية روعة سنبل ، وهي مبدعة خاصة حققت الكثير من الحضور المميز مؤخراً، والقصة من مجموعة تحمل نفس الاسم، وكانت قد حققت المركز الأول في مسابقة جائزة الشارقة للإبداع العربي 2017 – الإصدار الأول ..

جائزة الشارقة للإبداع العربي في فروع (الشعر – الرواية – القصة – النقد – أدب الطفل – المسرح – النقد) .. تقدم الآن برابط مباشر

يكنك الاطلاع كذلك على عشرات المواد الحصرية من فصول روايات وقصص قصيرة وقصائد عبر هذا الرابط على قسم الركاب – موقع آخر مترو

..

نؤمن بوجوده كلّنا، إيماناً متوارَثاً مطلَقاً، لا يعوزه دليل، مع ذلك فإنّ دليلاً جديداً يظهر باستمرار،  يستيقظ أحدنا بالأعراض نفسها: عيون وادعة مستكينة، وفم منطبق بإحكام، نجتمع كلّنا، يفتح فمه تحت إلحاحنا لنراه سليماً، لا أثر لجرح أو دم، فم سليم تماماً، لكنّه خالٍ من الّلسان!!

      في كلّ مرّة نصحب الضّحيّة، لنلتقي بآخر من جلسوا و تكلّموا معه، نترافق جميعنا إلى طرف القرية، حيث المقبرة الّتي تتسلّق شاهداتها الرّخاميّة سفح تلّة صغيرة، تطلّ على القرية، نبحث في حائط المقبرة المتداعي الطّويل، عن بقعةٍ خالية نسبيّاً، ندوّن فيها آخرما تلفّظ به من كلمات، ربّما أثارت حفيظته هو، واستحضرته بيننا، ندوّنها، لتضاف إلى قائمة الكلمات المحظورة.

      قد يبدو الأمر عبثيّاً، فالحائط امتلأ بكلمات، يستحيل على أحد حفظها، لكنّنا سنكتب لأحفادنا، كما كتب لنا أجدادنا!

      اعتدنا جميعنا قلّة الكلام، أفواهنا مطبَقة أغلب الأوقات، والألسنة يابسة في حلوقنا، نتفاهم تارة بالإشارة والنّحنحات، وتارة بالصّفير والتّصفيق، وأحياناً بالزّقزقة أو المواء أو العواء. لم نعتدِ الأمر فحسب، بل أقنعنا أنفسنا بميزاته أيضاً، إذ ليس هيّناً، أن يحيا المرء في قرية هادئة وادعة!

     في أحد الصّباحات، كنّا نلعب كرة القدم، عكّر ضجيجُنا صفوَ القرية وهدوءَها، فابتعدنا نحو طرفها باقتراح من بعض الكبار، ووصلنا المقبرة.

     التقط أحدنا حجراً كلسيّاً، رسم على حائط المقبرة خطّين عموديّين متوازيّين، أتبعهما بثالث أفقيّ موازٍ للأرض، ووقف ليحرس المرمى.

     كنّا منهمكين في ركل الكرة والصّياح، تعلونا سحابة غبار، صنعتها أقدامنا النّشيطة، عندما تعالت ضحكات حارس المرمى، بدأت خافتة ًمتردّدة، ثمّ غرق في موجة ضحك صاخب؛ نسينا الكرة و اتّجهنا نحوه مستفهمين، كان يشير إلى الكلمات المكتوبة على الحائط ويضحك، قرأنا عشرات، بل مئات الكلمات البسيطة العاديّة، لكنّها بتجاورها، بدت سخيفة غبيّة، مثيرة للضّحك.

     هجرنا كرة القدم و ألعاب الصّبيان كلّها، وانصرفنا للعبتنا الجديدة؛ في أيّامنا الأولى كنّا نكتفي بالاشارة للكلمات والضّحك، شيئاً فشيئاً تجرّأنا على الهمس بها بصوت منخفض، نضحك وقلوبنا ترتجف خوفاً؛ بعد أيّام تجرّأنا على نطق بعض الكلمات بصوت مسموع، وشيئاً فشيئاً صرنا، نتبارى بالصّراخ بالكلمات وبالضّحك، نجحنا تدريجيّاً بقصقصة أجنحة الخوف وتحجيمه، حتّى تقلّص صوصاً صغيراً مرتجفاً، ينتفض قليلاً، لينقر قلوبنا، ونحن في أسرّتنا قبل النّوم، حين نتذكّر حكاياتٍ مرعبة، يرويها الكبار من أهل القرية عنه هو، يوم كان بينهم، حقيقيّاً، من شحم ولحم.

***

     كنّا ننحدر جميعنا هابطين من قمّة التّلّ الصّغير، أنا وأصدقائي، وآخرون من أهل القرية، و هو.

     لم أدرِ، لمَ اشتعل فيّ يقين، أنّ السلامة هنالك: في الأسفل.

   تكاد قدميْ تتعثّر كلّ حين، لكنّني أتدارك خطواتي؛ كانت الشّاهدات الرّخاميّة البيضاء، تطلّ من بعيد، من خلال الأغصان المتشابكة والشّجيرات الصّغيرة، ملوّحة لي كأكفّ الغرقى؛ يكاد الهواء، الّذي أستنشقه من أنفي، لا يكفيني، لكنّني أحاذر فتح فمي، أصرّ على أسناني بقوّة، أغلق فكّيّ بإحكام.

    لا أكاد أجد الآن في رأسي صورة متكاملة له، لا أدري، ألأنّني لم أره جيّداً وقتها، أم لأنّ ما حصل لاحقاً، احتلّ ذاكرتي، وجمّد الدّم في عروقي؟  ما أتذكّره: كيسٌ قماشيّ كبير بلون التّراب، يتدلّى من كتفه ، تتخبّط  داخله أشياء صغيرة، تصنع هنا وهناك نتوءات فيه، تتغيّر كلّ برهة، مصدِرة ًصوتاً، يشبه صوت صفعات متتالية، كأنّ فيه أسماكاً تنتفض، وتضطرب في نزعها الأخير.

    أثار مرأى الكيس وصوته ذعري وفضولي معاً، بقي ذعري يلازمني كطائر في عنقي، أمّا فضولي فقد تبدّد، حالما انهرتُ أرضاً منهكاً من الرّكض و الخوف، سرعان ما أدركني هو؛ وقف محدّقاً بي بهدوء، لم يكن مظهره مرعباً أو غير مألوف، لكنّ موجة ذعر اجتاحتني بمجرّد اقترابه منّي، حرّضتها صورته الوحشيّة المتوارَثة  المنطبعة في رأسي، رافق نوبة ذعري إقياءٌ عنيف؛ وسط بحيرة قيئي، لمحت  لساني، يسبح كسمكة صغيرة حمراء، انحنى هو، التقط الّلسان الّلزج المنتفض بعنف، قبض عليه بكفّه برشاقة وقوّة، أودعه الكيس، وانصرف، دون أن يلتفت إليّ.

    بعينين مستكينتين وادعتين، وفم منطبق بإحكام، ظللتُ أرضاً، أراقب ضحايا كثيرين آخرين.

    لمحت من بعيد أحد الفتية، وصل حائط المقبرة، ثمّ أدركه آخر، بلغتني أصواتهما، تعلو بالكلمات المحظورة المكتوبة على حائط المقبرة، متبوعة بقهقهاتهما السّاخرة.

    ثار جنونه، وجنون الألسنة داخل كيسه؛ انطلق هابطاً بخطوات واسعة.

    قبل المقبرة بقليل، فقد السّيطرة على كيسه، فانزلق عن كتفه، و تناثرت منه مئات الألسنة الحمراء، زحفت، تلوّت كحيّات تسعى، فانهار أرضاً محاولاً لملمتها بكفّيه الكبيرتين، لكنّها فرّت حافرة بسرعة في التّراب.

    لحظات قليلة، ملأ طعم التّراب فمي، ثمّ أحسست لساني ينبت من جديد، بألم غير محتمل مرافق لانبثاقه.

   استيقظتُ، جلستُ في سريري والعرق يبلّلني تماماً، كان أوّل ما فعلته، أنّني عضضْتُ بأسناني على لساني، لأتأكّد من وجوده، و كأنّ هذا لم يكن كافياً، فوجدتني أتّجه بجنونٍ نحو المرآة، لأفتح فمي و أراه.

    طرقَ ضجيجٌ غير معتاد أذنيّ، فتحتُ باب منزلي، صادفتُ حشداً من أهل القرية، بينهم كثيرون يمدّون ألسنتهم ببلاهة،  يتلمّسونها متدليّة من أفواههم غير مصدّقين.

   شقّتِ الهواء زغرودة، انطلقت من حنجرة جارتنا، الّتي فقدت لسانها منذ أسبوع، تأملتُ بانبهار لسانها، يتراقص رشيقاً في فمها، ثمّ انضمّت إليها عشرات الزّغاريد، زغاريد ألسنة كثيرة فتيّة، أنتشتْ من جديد، وأخرى ملّت اليباس والصّدأ.

لقاء مع الكاتبة السورية روعة سنبل
روعة سنبل من أحد اللقاءات التي أجريت معها مؤخراً

معلومات أساسية عن الكاتبة روعة سنبل

روعه أحمد سنبل- سوريا

صيدلانية مقيمة في دمشق.

أكتب القصة القصيرة والنص المسرحي وأدب الطفل.

صدر لي:

* صياد الألسنة – مجموعة قصصية (2017 دائرة الثقافة في الشارقة)

* زوجة تنين أخضر وحكايات ملونة أخرى- مجموعة قصصية (2019 الآن ناشرون وموزعون- الأردن)

* الديكاميرون2020- نحكي لننجو- الكتاب من إعدادي وهو مختارات قصصية يضم خمسين قصة قصيرة لكتّاب من أنحاء مختلفة من الوطن العربي والعالم، بمشاركة الأديبة السورية فدوى العبود بخمس مقالات نقدية (2020 الآن ناشرون وموزعون- الأردن)

الجوائز:

المركز الأول لجائزة ابن المقرب الأدبية في الدمام فئة أدب الطفل عام 2021 عن مجموعتي القصصية (أحلم أن أطير).

المركز الأول لجائزة الهيئة العربية للمسرح فئة النص المسرحي الموجه للكبار عام 2021 عن نصي (نقيق).

المركز الثاني لجائزة شومان لأدب الطفل عام 2020 عن قصتي (دمدوم صانعة الغيوم)

المركز الأول لجائزة الشارقة للإبداع العربي فئة القصة القصيرة عام 2017 عن مجموعتي القصصية: (صياد الألسنة).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى