حصرياً من كتاب “درامادول” للكاتب طارق الجنايني قصة “رحلتي من السيد الترزي إليه مرةً أخرى”

رحلتي من السيد الترزي إليه مرةً أخرى

كان السفر لدبي حلمًا وددت الوصول إليه، وكنت قد تخرجت من الكلية مليئًا بالطموح، كلما قابلت لافتةً على قهوة إديتها بالقلم على وشها، وسافرت أول سفر لي في حياتي، زيارة لدبي لمدة ثلاثة شهور..

ما إن استلمت التأشيرة حتى طرتُ بها ركضًا على السيد الترزي، ليه؟! معرفش، ربما اخترت السيد الترزي بالذات من ضمن الجيران لأنه كان الوحيد الذي رأيت شباك محله مفتوحًا في هذه اللحظة، وكنت عايز أفرح بقى، وحملت معي القميص الذي سأرتديه فقصرت طوله، وكويت البدلة ولمعت “الجزمة” قبل السفر بشهر ونصف تقريبًا..

المهم بما أنني حديث العهد في السفر قررت أن أستخرج تصريح السفر من الجيش زي ما الناس قالولي، وذهبت لمكتب التجنيد وأول شخصٍ قابلته هناك كان أحد العساكر، تخين ووشه أحمر والدم هينط من خدوده وسنانه مكسورة، قالي: انت مثافر ظيارة؟! قلت: آه، قال: ملكش تثريح ثفر..

سمعت كلامه وغادرت عائدًا للبيت، ماهو أنا مش هكدب الجيش يعني..

وجهزت حقيبتي وأخذت الكتب التي أقرأها والملابس الخارجية والداخلية والأكل واللحاف وملاية السرير وولاد أخويا وسقف الأوضة وعبيتهم في الشنطة..

وركبت سيارة ونظرت ورائي نظرة خاطفة على البلد والبيت وعشرة زمان ولقيت السيد الترزي يفتح الشباك ويقول: متنساناش ياعااااام، هوب راحت عجلة العربية مفرقعة.. طبعًا لن أنتظر حتى تتغير، فركبت سييارة أخرى ودعوت على السيد الترزي بقفل المحل شهر بدون عمل ومشيت..

وصلت المطار مهندمًا وسيمًا ولا محمد علي المقاول، بدلة وكرافتة وجزمة ملمعة ، وبعدمادخلت قابلني ضابط قال لي: انت عامل في نفسك كدة ليه؟! قلت: مش دا السفر اللي بيلبسوله؟! قال: آه هو، هات أوراقك، أعطيته الأوراق، نظر فيها وقال: فين تصريح السفر؟!..

قلت: آه ياعسكري يابن الكلب ياخ** ، خلصت شتائمي القذرة ثم لمحت الضابط يضع على التذكرة علامة X، طب يهديك يرضيك راح معلم على الشهادات بتاعتي X، طب عشان خاطر أمك راح معلم على ضهري X، ورحت مروح بقى..

اتصلت بشركة الطيران أجلت ميعاد الطائرة لغدٍ الساعة ١٢ ظهرًا، منا مش هرجع للسيد الترزي ولو على نقالة، وذهبت لحلمية الزيتون استخرجت تصريح السفر وكلمت أختي لأبيت عندها تلك الليلة..

ناهيك عن أنني كان معي سائقٌ أرهق قلبه ورئتيه في اللف معي كعب داير طوال الليل حتى استخرجت التصريح، وبعتُ هاتفي في نفس اليوم لكي أعطيه حقه وأتعابه، ثم ركبت تاكسي لحد أختي..

نمت مبكرًا وصحوت الفجر لبست نفس البدلة ونفس الكرافتة ونفس الجزمة، ونزلت من البيت ولقيت توكتوك أوقفته ويا ليتني لم أفعل..

التوكتوك شكله غريب، متشحٌ بستائر سوداء وبه ماسورةٌ حديدية بعرض التوكتوك قدام مناخيري مباشرةً، وكان الوضع أقرب للسجون الحربية، وطول منا راكب معاه وهو بيبص يمين وشمال بس، ورقبته مش عارفة تظبط على قدام، يبص يمين ينادي على ابن فتحية ويبص شمال يعاكس بنت سناء وفي نفس اللحظة رأيت أمامنا سيارة روماني، اللي هي لو دخل فيها إف ستاشر هتهرش مكان الخبطة بس..

قبل أن أقول للحيوان بتاع التوكتوك “حاسب” رحنا لازقين في العربية الروماني فارتطم أنفي بالحديدة الموجودة أمامي وسمعت فرقعة كدة في مناخيري، حسيت إن مناخيري نفسها اتفاجئت وكانت هتقولي: إيه ده أنا اتكسرت..

امتلأ القميص الأبيض بالدم والبدلة امتلأت بالدم والجزمة وقع عليها دم ونزلت من التوكتوك أشبه الجزارين، مكنش ناقص غير اني أرفع سنجة وأقول: يابقعة الدم يامشرفة هدومي..

حملني الناس على أكتافهم وأرخيت رأسي للوراء فرأيت إحدى السيدات تحمل حقيبتي وترقع بالصوت كأن بهجت الأباصيري مات..

وصلت المستشفى فوجدت الممرضة تقول لي: مناخيرك مالها؟! قلت: مكتوم عنها الهوا بس.. قالت لي: شكلها مكسورة، قلت: شكلها؟! انتي مدرسة ألعاب؟!.. قالت: أصل دكتور العظام مش هييجي غير على الساعة ١٠..

فجذبت نفسي من يدها وقلت: أنا ماشي، وهي تشد فيا لازم تتعالج وانا مفيش، راسي وألف سيف ألحق الطيارة، والله لن أرجع للسيد الترزي ثانيةً ولو أحضرتم الجيش الثالث الميداني نفسه وأقام عليّ حصارًا وحاول إرجاعي بالمدفعجية..

مشيتُ قليلًا فلمحت بطرف مناخيري صيدلية، دخلتها واشتريت منها شوية قطن على شوية شاش، وربطت مناخيري وبقيت ماشي مش شايف من القطن اللي حاجب عن عيني زوايا الرؤية..

ركبت سيارةً ورفع السائق الشنطة على السقف، وأقعدني على كرسي من كراسي أصحاب الهمم، ودا كرسي بتبقى نايم عليه بس بطولك كدة، يعني رجليك قدام عادي بس ضهرك على رجل الأستاذ اللي ورا ودماغك في حجر الحاج مكرم أبو فصادة..

وصلت المطار، وبمجرد أن دخلت لقيت الضابط، بص على شكلي وقال: ياخبر اسود.. إنت وقعت في محرك طيارة ولا اتخاصمت مع قضيب قطر ولا ماسوني ولا شيوعي ولا إيه؟!..

لم أستطع أن أرد لأن مخارج الألفاظ عندي كانت معدومة بسبب مناخيري.. فمضى الضابط على الأوراق وختمها وركبت الطائرة..

في هذه اللحظة تحديدًا لو انفجرت الطائرة والله كنت هبقى مبسوط عادي لأني خلاص مش هرجع للسيد الترزي تاني..

وصلت مطار دبي وكان أخي محمد ينتظرني هناك، رأيته فأشرت إليه خمس مراتٍ وناديت عليه تسعًا، فكانت كلمة “محمد” تخرج “أأدّد” لا أستطيع النطق وهو قدامي ولايعرفني بسبب النص كيلو قطن اللي مخبيين ملامحي..

بعدما جذبته من ياقة التيشيرت لكي أنبهه أنني أخوه، قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انت مين؟ طارق؟!

فالتقفني في حضنه وحكيت له الحكاية وجلست في البيت شهرين ونصف، لا أخرج أبدًا لأنني كلما خرجت نزف أنفي، مع إن الزيارة أصلا تلت شهور.. المهم سلمت واطمأننتُ عليهم ورجعت مصر مرةً ثانية، ودي كانت أسوأ رحلة طلعتها في حياتي ومماتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى