تفاصيل دفن طه حسين عميد الأدب العربي بشهادة وفاة مزورة !!

يحرص موقع آخر مترو على الإهتمام ليس باعمال الكاتبين فقط، بل بحياتهم وسيرهم الذاتية، ومعرفة المعلومات عنهم ،وكذلك مناسباتهم، تقديرا منه وعرفانا بدورهم المؤثر في نهضة الأدب العربي المعاصر مثل أحمد خالد توفيق و أحمد مراد.

سنون طويلة فصلت بين قراءة مراهق ريفي لكتب طه حسين في قرية بعيدة في إحدى نجوع مصر وبين أن يصير هذا المراهق موظفاً في مجمع اللغة العربية وقت رئاسة عميد الأدب العربي للمجمع، وأن تسير الأقدار بما يجعل هذا المراهق هو من يستخرج شهادة وفاة صاحب “الأيام” بنفسه، لكن الغريب أن يخترع من تلقاء نفسه في أوراق حكومية رسمية اسماً لجد طه حسين، حكى عنها الأديب المصري الراحل محمد مستجاب؛ لأنه كان هو نفسه ذلك المراهق!

(لماذا يدعونك بالمستجاب…؟!) كان يفاجئ عميد الأدب العربي محمد مستجاب بهذا السؤال بأسلوب بالغ التأثير والسخرية كما يحكي مستجاب نفسه، وكان يوضح له في اختصار شديد، دائماً، أن الاسم لجده وليس اسم العائلة، وأن الاسم يخلو من أداة التعريف، مستجاب فقط.. يقول “أربع سنوات ظللت فيها تحت رئاسة سعادة الباشا، ولكن السنة الأخيرة، وقبلها بفترة أيضاً- كان قد أصبح صعباً أن يأتي لدار المجمع، وفي الحالات التي لا بد لإدارة المجمع أن تتخذ رأيه فيها، كانوا يتوجهون إليه في بيته، ثم تلاشى ذلك بعد صعوبة التعامل معه في حالته هذه”.

غلاف كتاب حرق الدم للكاتب المصري محمد مستجاب

لكن ذلك السؤال المفاجئ لم يكن أولى مفاجآت طه حسين، ففي سن مبكرة كان مستجاب قد صادف “آرسين لوبين” (شخصية ابتكرها الكاتب الفرنسي موريس لوبلان وهي شخصية تتسم بالشهامة وتساعد في الكشف عن ملابسات الجرائم الغامضة) وتعلق به، يصفه مستجاب بأنه كان “هذا اللص الظريف المتقافزعلى الحوائط وداخل القصور وحانات الليل، ومواسير نقل مياه الصرف، وبيده أو في وسطه أو في جيب بنطلونه لا بد أن يكون قد احتفظ بالمسدس، الذي يخرجه في أكثر الأوقات انغلاقاً وحساسية وحرجاً….”، ويقول أن الروايات التي عرف فيما بعد قيمتها: الأخوة كرامازوف، والحرب والسلام، ووداعاً للسلاح.. ثم قصص إحسان عبد القدوس التي كان يأتيه بها بين الأقران، كل ذلك لم يجذبه ليبتعد عن هذا اللص الظريف.. حتى داهمه طه حسين!!

“كان الكتاب صغيراً، التهمته في ساعات قليلة”، هكذا يصف مستجاب كتاب “المعذبون في الأرض”.. كان أول تعرفه إلى عالم طه حسين، ورأى فيه لأول مرة فقراء أكثر فقراً من كل ما يحيط به وقتها، وأسلوباً أكثر جاذبية وشجناً من كل عناوين الكتب المحيطة به ومن كل الأساليب الجاذبة ، وفي نفس الفترة حصل لى كتابي “الوعد الحق”، و”الأيام”، ويحكي أن استقباله لهما كان مضطرباً، يقول: “غير أن الضجيج حولي والذي يلهج باسم طه حسين دفعني إلى أن أصبر، ذلك أنني لاحظت أن الرجل نجم يعلو فوق كل النجوم..

رأيته ممتزجاً بحكايات لا أول لها ولا آخر عن ذلك النابغة الضرير، والذي يأتي اسمه في الصفحات الأولى للصحف، ليس ممتزجاً في الحكايات والكتب فقط، بل في هذه الدفعة القوية التي أدخلت جيلي كله في المدرسة دونما نظر للفقر أو الغنى، ثم كانت تلك اللحظات المتأججة بالسعادة حينما رأيت طه حسين وهو يتكلم مفتتحاً الفيلم الذي أخرجه له مخرج لم يخرج فيلماً آخر بعده ولا قبله، ولم يعد يعرف عنه أحد شيئاً: إبراهيم عز الدين، كنت السينما غاصة بالناس تحت سطوة الإحساس الديني العارم ليشاهدوا ظهور الإسلام المأخوذ عن كتابه “الوعد الحق”، كان جالساً في كبرياء ليتكلم أقل من دقيقتين، حينئذ سقط أرسين لويين وشرلوك هولمز والفرسان الثلاثة، ومغامرات طرزان، تحت أقدام الوعي..

ويواصل صاحب ممن في بيوتهم راديو أنه يتكلم أحياناً فيه، والذين بلا راديو ولا صحف منتظمة أمثالنا كان هذا الساحر قد امتزج في بيوتهم في الخبز والكراسات والحقول ومستنقعات البهارسيا، الهتافات ضد الإنجليز والأسواق والمصاطب واستدعاء العيال للمدارس، كان الرجل قد أصبح وزيراً، وارتفعت كلماته عن حقنا في التعليم مثل حقنا في الماء والهواء، إلى الذروة…”.

يحكي العم مستجاب “ظل طه حسين بمنأى عني، حتى وأنا أتعصب له في مشاجراتنا المبكرة غير المدروسة، وحتى وأنا أثرثر باسمه -بالفهم وبالجهل- بصفته ولد في منطقة لا تبعد مسافة لا تتعدى القروش القليلة، والمجاورة لنا، في قرية بمركز أبو قرقاص، وحتى وأنا أزداد إبحاراً في الفتنة الكبرى وأديب وأوديب ملكاً وحديث الأربعاء وشجرة البؤس ودعاء الكروان وكتابه الخطير (الأدب الجاهلي) والذي كان اسمه “في الشعر الجاهلي” حتى وأنا أسافر من أسوان للقاهرة لأشاهد مسرحيات سعد الدين وهبة وميخائيل رومان وموليير في المسرح القومي، ظل طه حسين بمنأى عني!..

في أوائل عام 1970م كان القاص المصري قد انتقل من شركة المقاولات التي كان يعمل بها في أسوان ليصبح موظفاً في مجمع اللغة العربية بالجيزة، رأى طه حسين رأي العين، كانت ظروفه الصحية وصلت لمرحلة مؤلمة، ولم يكن العاملون في المجمع يتفوهون باسم طه حسين أبداً، فقط (سعادة الباشا)، يقول “وعندما أصدر مراقب المجمع أمره بتوقيع وصول الباشا رأيت أربعة من العمال يقفون بالباب الخارجي للمجمع، وظللت واقفاً مستطلعاً ومضطرباً ولازلت أعاني من الاضطراب كلما واجهت موقفاً يحتاج إلى هذه الطاقة من حس الاستطلاع، وبمجرد وصول السيارة أحضر العمال مقعداً، وحملوا في رفق سعادة الباشا من السيارة ذات الطراز القديم، وضعوه على المقعد في رفق أكثر، وحملوه صاعدين به سلالم المدخل الرخامية الواسعة حتى أراحوه وراء المكتب في حجرته الواسعة”.

وفي الأسبوع الأخير من أكتوبر 1973، وبعد أن حقق الجيش المصري العربي إنجازه العظيم بالعبور ومداهمة الجيش الإسرائيلي في سيناء، وفي صباح مبكر ليوم لا أنسى تفاصيله، وصل صوت في سماعة التليفون يحمل الخبر المؤلم:

  • الباشا تعيش انت!!!

يحكي مستجاب عن ذلك الصباح الذي حدثه فيه صوت نسائي غلب عليه الظن أنه صوت ابنته “…. كنا في الساعة السابعة صباحاً، حيث كنت متواجداً بدار المجمع بسبب ظروف الحرب والطوارئ، التي جعلتني أمر – بصفتي مسئول الأمن أيامها- على المجمع ليلاً وصباحاً”.

بعد أن استعاد مستجاب هدوءه كان أول ما فكر فيه هو الاتصال بمراقب المجمع لأنه لا يعرف ماذا يفعل بالضبط، ثم بعد دقائق اتصل بالصحفي “كمال الملاخ” الذي أكد الخبر بعد الاتصال ببيت طه حسين نفسه.. كل شيء جرى بعد ذلك بسرعة.. فقد أصدر محافظ القاهرة قراراً بتخصيص مقبرة لائقة هدية الحكومة للراحل العظيم.. وفي الظهيرة تم تكليفه -أي مستجاب- بأن يتوجه إلى المبنى المختص لينهي إجراءات قرار تخصيص مقبرة لائقة بهذا الرجل الكبير.

يقول “عندما استقبلني موظف كبير أحسست بالمعنى الأكبر لقيمة طه حسين، أخذني من يدي واستصدر المذكرات الواقفة والضرورية لقرار السيد المحافظ، ثم ربت على ظهري مشاركاً… كنت في حالة غريبة وأنا أسعى في إجراءات تخصيص المقرة التي سوف يرتاح فيها طه حسين العظيم، نوع من السعادة والأسى والفخر ممزوجة بآلاف الذكريات والقرارات، وكلما تحركت نحو أحد يهب لمساعدتي…. حتى وقفت في طابور طويل أمام الخزينة!

كان أمين الخزينة طويلاً حتى أن الخزينة كانت تصبح قريبة من بطنه، يمسك الورق ويأخذ النقد ويكتب الإيصال المطبوع ذا الصور الكربونية ثم يختمه ويعيد الأوراق لصاحبها.. ويعد دهر من الانتظار أصبحت أمامه، أخذ الورق ونظر فيه، ورفع الأوراق العليا وأمعن في قرار المحافظ، ثم قال وهو ضيق الصدر:

  • الاسم ثلاثي لو سمحت!!

ومد الموظف يده بالورق إليّ.. فقلت في إرهاق:

  • ده ورق المرحوم طه حسين

نظر الموظف إليّ في ضيق وسألني:

  • طه حسين مين!!

أحسست بأن الطابور الذي خلفي ارتبك، وتسربت كلمة طه حسين مع الأفواه، لكن موظف الخزينة عقد يديه أمامه في رفض وقال في حسم ساخر.

  • والله لو كان محمود المليجي، اديني الاسم ثلاثي أنان تحت أمرك.. اللي بعده.

(الله يخرب بيتك.. ألم تسمع باسم طه حسين من قبل؟)!!

ووقفت حائراً، معنى ذلك أن أخرج من هذا الطابور الطويل وأن ألجأ للتليفون أو أذهب بنفسي إلى الجيزة.. ويا ترى سأسأل مين! أو أجد مين؟

وقال الذي يقف خلفي وقد مصمص شفتيه:

  • الله يرحمه كان راجل عظيم!

وضاغطني من الخلف كي أخرج من الطابور، حينئذ تناولت قلماً وكتبت، مستخدماً الاستناد على ركبتي – طه حسين عبد العزيز- وبدأت أضيف عبد العزيز الذي هو جد طه حسين على كل الأوراق، حتى قرار السيد المحافظ.

ولم أسأل حتى اليوم، من هو جد طه حسين الذي بالتأكيد ليس (عبد العزيز) بالمرة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى