جزء حصري من كتاب “رولان بارت: نسيج الصوت – مقابلات: 1962 – 1980” للمترجم المصري لطفي السيد منصور

أجري اللقاء الأصلي بالفيجارو الأدبي 13 أكتوبر 1962..

يحرص موقع آخر مترو ليس فقط على معرفة القاريء بأفضل الكتابات والكاتبين، بل يحرص أن على مد القاريء ببعض المعلومات التي قد تساعده في حكمه على الكتاب الذي بيده، مثل  ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض و ظل وعظم  .

  • هل تعني الأشياء شيئًا؟ رولان بارت

يُعبر “رولان بارت” عن انطباعه حول الوضع الراهن للرواية الفرنسية. رولان بارت

يكون المرء كاتب مقال لأنه عقلي. أنا أيضًا أود أن أكتب قصصًا، لكنني أشعر بالتجمُّد أمام الصعوبات التي سأجدها للعثور على كتابة أعبِّر بها عن نفسي. في فرنسا، كان ينبغي دائمًا على كتَّاب المقال أن يقوموا بعمل آخر، وهذا هو حق الارتفاق. ما فتنني طوال حياتي هو الطريقة التي يجعل بها البشر عالمهم مفهومًا. إنَّها، إذا صح التعبير، مغامرة المفهوم، مشكلة الدلالة. يعطي البشر معنًى لطريقتهم في الكتابة؛ فبكلمات، تخلق الكتابة معنًى لم تكن تملكه الكلمات في البداية. هذا ما عليك فهمه، وهذا ما أحاول التعبير عنه.

إذا أردنا التحدُّث عن الرواية الجديدة، فهذه ظاهرة تحتاج إلى تدقيق. يجب أن ندرك أن المجتمع قد تمكَّن من دمج الكاتب. لم يعد الكاتب منبوذًا، ولم يعد يعتمد على راعٍ، ولا في خدمة طبقة معينة. الكاتب في مجتمعنا سعيد تقريبًا. هذه ملاحظات رولان بارت لا يمكننا استخلاص أي نتائج منها، ولكن يجب علينا الرجوع إليها إذا أردنا أن نفهم. من ناحية، هناك الكتاب السعداء، وعلى الجانب الآخر مجتمع معقَّد وغض، مليء بالتناقضات. ماذا قيل عن الرواية الجديدة؟ إنها اتخذت ملجأ بعيدًا عن الواقع، وتخلَّت عن مسئولياتها بحثًا عن تِقَنيّة معينة.

وحين نقول هذا، فإننا نشير إلى نماذج عظيمة من الأدب، “بلزاك”، “ستندال”، إلخ. وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الروائيين كانوا يعبِّرون عن مجتمع محدد ومبنين بشكل جيد، وكانت رواياتهم حينئذ روايات واقعية، وكانت هذه الروايات تدل على واقع، وأحيانًا، وهو ما لم يُؤكد عليه كثيرًا، واقعًا آسفًا على الماضي.

اليوم، الأحداث السياسية والاضطرابات الاجتماعية وحرب الجزائر قليلو الحضور في الرواية الجديدة. وحينئذ يقال: الأعمال ليست ملتزمة. وهذا صحيح، ولكن الكُتاب كأفراد ومواطنين ملتزمون ويخضعون لهذا الالتزام بشجاعة. ولقد قيل: يجب على الكاتب أن يكون ملتزمًا في أعماله. ولكن هذا هو جانب النظرية، الذي يثبت كل يوم فشله. ونتساءل لماذا هذا الفشل… ولكن لأن الكتابة، ببساطة، هي فن طرح الأسئلة وليس الإجابة عنها أو إيجاد حل لها.

يمكن للكتابة وحدها أن تطرح سؤالًا ولأنها تمتلك القوة فبإمكانها أن تترك هذا السؤال معلَّقًا. عندما تكون الأسئلة المطروحة حقيقية، فهي تُزعج. والرواية الجديدة تعي دورها تمامًا.

 لقد عرَف “كافكا” أن الأدب صيغةٌ لطرح الأسئلة. برأيك ما الذي يجعل “بلزاك” لا يزال فاتنًا؟ أهي قدرته على وصف الحياة؟ بالتأكيد ثمة شيء آخر. لقد طرح، وربما عن غير قصد، أسئلة حول المجتمع البرجوازي. كتاب رولان بارت

اليوم، مجتمعنا عصيٌّ على الفهم للغاية. لا يمكن للإنسان الذي يعيش داخل هذا المجتمع تحليله تقريبًا. لم يعد ممكنًا تصور المشاكل الطبقية بالمفردات التي تستخدم منذ خمسين عامًا. نحن نعيش على حدٍّ سواء مجتمع طبقي ومجتمع جماهيري. المشاكل الرئيسة، والمشاكل المباشرة تبدو مشوشة. ويبدو أن الثقافة السياسية نفسها تتوقف. تؤثِّر هذه العوامل المختلفة على الكتابة وتنعكس فيها.

تخيلوا عقلًا مشابهًا لـعقل “بريشت”(*) أمام الحياة اليوم، سيجد هذا العقل نفسه مشلولًا بسبب تنوع الحياة. يصبح العالم ثريًّا للغاية بالاندفاعات. وهذه عوامل أخرى، لكن لا يمكننا إنكارها. لذا يتساءل المرء: ولكن ما السؤال الذي طرحته الرواية الجديدة؟ لقد طرحت سؤالًا حيويًّا، جديدًا وبسيطًا بشكل مدهش. لقد تساءلت:

“هل تعني الأشياء شيئًا؟” رولان بارت

حتى ذلك الحين، لم يتساءل الأدب حول معنى الأشياء. مما يعني، في هذه الحالة، مجموع ما يحيط بنا، الحدث والشيء على حدٍّ سواء. وبالتالي يكون للأدب دورُ طرْح هذا السؤال، طرحه من خلال، الحكاية، الروائية، الشخصية أو الشيء. أعمال رولان بارت

نصيح: ولكن لماذا الشيء؟ ينبغي بذل جهد. الشيء، لأن الإنسان زوَّده دائمًا بالمعنى، ولكن من ناحية أخرى لم يستخدمه قط كمادة أدبية. لا يُعوَّل على الأشياء في الروايات. فلنأخذ مثلًا رواية “علاقات خطرة”(*)، الشيء الوحيد الذي نتحدث عنه فيها هو القيثارة، وأيضًا لأنه يستخدم لدس الرسائل فيه. لذلك حاولت الرواية الجديدة رؤية الأشياء مجرَّدة من دلالتها الراهنة. لقد ألقى “روب جرييه”(*)” ضوءًا جديدًا على الشيء. أظهره بدون ذكريات، بدون شِعر. إنه وصف كامد، غير واقعي. يظهر الشيء بدون هالة المعاني، وهذا ما يولد القلق الذي هو بمثابة معنى عميق وميتافيزيقي.

إنه مشروع ضخم جدًّا له جانبان أحدهما تقني والآخر فلسفي. أين سينتهي؟ لا أعلم عن ذلك شيئًا. عندما ينجح العمل، فإنه يطرح السؤال ملتبِسًا، ومن خلال ذلك، يصبح شاعريًّا.

هناك اختلافات كبيرة بين كلِّ هذه الأعمال، ولكن ربما يكون بها خلل مشترك: هناك خلاف بين إمكانية العمل والشكل الممنوح له. تعجبك قصيدة لأنها قصيرة، وقصيدة طويلة جدًّا تفقد قوتها. الأمر نفسه مع الرواية الجديدة.

الأمر غير العادي هو رباطة الجأش واليقين اللذان يكنُّهما كلُّ هؤلاء الروائيين. ولكن يمكن للقارئ أيضًا طرح الأسئلة. لذا يمكن أن يسأل: لماذا اختفت النزعة الإيروسية من الأدب؟ قد يتساءل ما إذا كانت هناك طريقة خاطئة وحقيقية للشعور بالملل وأخيرًا يمكنه أن يتساءل لماذا لم يعد الكتاب يريدون العمل سوى بالسينما.

الفيجارو الأدبي 13 أكتوبر 1962 أجرى المقابلة “بيير فيسون”(*)
كتب رولان بارت كتاب رولان بارت


(*) برتولت بريشت (1898 – 1956): شاعر وكاتب ومخرج مسرحي ألماني. يعد من أهم كتاب المسرح في القرن العشرين. كما أنه من الشعراء البارزين.

(*)رواية رسائلية للكاتب الفرنسي بيير دي شودرلو لاكلو. بدأ نشرها لأول مرة في أربعة مجلدات في 23 مارس 1782 من قِبل دوران نيفو.

(*) آلان روب جرييه: كاتب وناقد أدبي ومخرج سينمائي فرنسي، وُلد في بريست في 18 أغسطس 1922. درس بالمعهد القومي للعلوم الزراعية. وبعد تخرجه عام 1944، عمل إحصائيًّا في هيئة حكومية في باريس. وضع الأساس للروائيين المحدثين في الأدب الفرنسي.

(*) بيير فيسون (1918 – 2013): ولد بتفليس جورجيا، وهو كاتب وصحفي فرنسي. حصل على جائزة رينودو الأدبية عام 1948.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى